Showing posts with label aljazeera. Show all posts
Showing posts with label aljazeera. Show all posts

Thursday, January 14, 2010

وداعاً.. أنيس صايغ - محسن صالح

قبل عامين ونيف، عندما كان بصري مشدوداً إلى منظر مدينة طبرية وبحيرتها الساحر، وكانت كلَّ ذرة من كياني تتفاعل مع تلك اللوحة الرائعة، وبينما كنت سارحاً فيما قاله أو سيقوله "عاشق طبريا" أنيس صايغ عن مدينته، دقّ جرس الهاتف النقال ليقطع سكون المكان حيث أقف على مرتفعات أم قيس شرقي الأردن. يا الله، إنه أنيس صايغ نفسه يتصل من بيروت مهنئاً بعيد الفطر. وكأنه التقط اللحظة الأروع والأنسب، للمشاركة في حب فلسطين.

لا أدعي علاقة قديمة بأنيس، فعلاقتي لا تزيد على بضع سنوات هي فترة إقامتي في بيروت، وهناك المئات من تلامذته ومريديه ومحبيه ممن سبقوني إليه. ولكن وجوده معنا في الهيئة الاستشارية لمركز الزيتونة، ومستشاراً للتقرير الإستراتيجي الفلسطيني، ومشاركته الدائمة ودعمه الدائم لأنشطتنا الأكاديمية ومؤتمراتنا جعلتنا على قرب منه.

"
كان أنيس مستعداً لدفع ثمن مواقفه، وقد فعل، وحتى يكون حرّاً صادقاً مع نفسه، فضَّل أن يعيش عيشة بسيطة في شقة مستأجرة، على الرغم من أنه كان يملك مواهب وإمكانات وعلاقات واسعة تفتح له آفاقاً لا يحلم بها الكثيرون
"
كان أنيس يجمع مواصفات قلما اجتمعت في رجل، فكان يجمع بين الزهد والتواضع وبين عزة النفس وكبريائها، وكان لطيفاً مؤدباً مع الجميع، لكنه كان يرفض أن يكون في "جيب" أحد أو تحت "جناح" أحد، كما كان يكره التملق والنفاق. كان جاداً يحترم الدقة والانضباط والعمل المثمر. وقبل ذلك وبعده كان ابن فلسطين كل فلسطين... دونما تنازل عن ذرة من ترابها.

كان مستعداً لدفع ثمن مواقفه، وقد فعل، وحتى يكون حرّاً صادقاً مع نفسه، فضَّل أن يعيش عيشة بسيطة في شقة مستأجرة، على الرغم من أنه خريج الدكتوراه من جامعة كمبردج، كان يملك مواهب وإمكانات وعلاقات واسعة تفتح له آفاقاً لا يحلم بها الكثيرون. فضّل أنيس أن يقدم نموذج المثقف الحر، الذي لو حذا حذوه مثقفونا المعاصرون لربما حدثت حركة نهضوية في أمتنا، تقود الجماهير، وتصوب مسيرة الأنظمة والحكومات، بدلاً من العمل أذناباً للسلاطين ومحامين عن الشياطين.

مثَّل أنيس صايغ حالة منتمية لبلاد الشام تكسر الحدود التي اصطنعتها اتفاقية سايكس بيكو، فهو ابن طبرية الفلسطينية، ووالده عبد الله يعود إلى حوران السورية، وأمه عفيفة تعود إلى البترون اللبنانية، وزوجته هيلدا شعبان إلى السلط الأردنية.

ولم يكن غريباً على أنيس الذي ولد في 3/11/1931 أن ينتمي في ريعان شبابه إلى الحزب القومي السوري، كما سبقه إليه أخواه يوسف وفايز. ولكن أنيس تبنى الفكر القومي العربي مع صعود نجم جمال عبد الناصر. ولم تكن ميوله العلمانية وانتماء عائلته المسيحي البروتستانتي لتنتقص من اعتزازه بعروبته ووعائها الحضاري وتاريخها الإسلامي، بل مثَّل حالة من التمازج والاندماج الطبيعي غير المتكلف بين الوطني والقومي وبين المسيحي والإسلامي، وترفَّع عن المشاعر الطائفية ليركز على ما يجمع الناس في نهضتهم وفي مواجهتهم المشروع الصهيوني. لذا نجده نقطة التقاء واحترام الوطنيين والقوميين والإسلاميين، والعلمانيين، واليساريين، والليبراليين.

أنيس صايغ الذي كان والده قسيساً، لم يكن متديناً بالمعايير الكنسية المسيحية، وكان في طفولته يفضّل أن يَعُدَّ في سرِّه من الواحد إلى المائة أو أن يكرر كلمة "بطاطا" بدلاً من تلاوة "أبانا والسلام"، على الرغم من أن جوّ بيته المتدين كان يفرض أن يصلي الواحد ستّ مرات يومياً، واحدة منها جماعية، وهو لم يذهب إلى كنيسة منذ سنة 1955. وقد عكس ذلك شخصية ناقدة ساخرة حرة لا يحكمها المألوف، ولكنها ظلَّت تتميز بالرقة والأدب، دون أن يمنعها ذلك عن التعبير الصريح عن مواقفها.

"ولد والقلم بين أصابعه"، هكذا وصفه أحد الكتاب العرب؛ كان ذلك شاهداً صادقاً على ارتباط حياته بالقلم والكتابة. وهو ما يؤكده قائلاً "لم أقم في حياتي بعمل أو نشاط إلا وكان القلم أداتي الأولى". ويضيف "لم أكن إلا كاتباً، ولا أحب أو أستحق أن أوصف إلا ككاتب...".

"
كان أنيس يُسلم مقالاته خُفية لصحيفة الحياة لئلا يعرف صاحبها كامل مروة عمره الحقيقي فيوقف النشر, وكان مروة يظن أن الكاتب يحمل الدكتوراه، ولا يضع حرف الدال قبل اسمه تواضعاً منه، فكان مروة يتبرع بنفسه بإضافة هذا اللقب
"
كتب في فترة دراسته في الجامعة الأميركية ببيروت مقالات كثيرة في مجال تخصصه في العلوم السياسية وفي التخصص الذي يحبه "التاريخ" نُشر معظمها في جريدة الحياة. وكان يُسلم مقالاته خُفية لئلا يعرف صاحب الجريدة كامل مروة عمره الحقيقي فيوقف النشر. وكان مروة يظن أن الكاتب يحمل الدكتوراه، ولا يضع حرف الدال قبل اسمه تواضعاً منه، فكان مروة يتبرع بنفسه بإضافة هذا اللقب!!

كان كتاب "لبنان الطائفي" هو أول كتاب نشره سنة 1955 لأنه بحسب تعبيره هاله التعصب الطائفي في لبنان "وأنا القادم من فلسطين لا نعرف للطائفية معنى". ثمّ أصدر "سوريا في الأدب المصري القديم". وأجهد نفسه لسنوات في إعداد كتاب "العلاقات السورية المصرية" وقابل عبد الناصر وحصل منه على مقدمة للكتاب، لكنه لم ينشره لأنه كان يريد أن يخرجه بشكل أفضل بعد عودته من الدراسة والتدريس في جامعة كمبردج 1959-1964، وهو ما لم يحدث لانشغاله بأمور أخرى.

وتابع نشر كتبه "جدار العار"، و"الفكرة العربية في مصر"، و"تطور المفهوم القومي عند العرب"، وفي "مفهوم الزعامة السياسية"، و"فلسطين والقومية العربية"، و"ميزان القوى بين العرب وإسرائيل"، و"بلدانية فلسطين المحتلة"، و"الجهل بالقضية الفلسطينية"، و"ملف الإرهاب الصهيوني"، و"الوصايا العشر للحركة الصهيونية"... وغيرها.

وفي أثناء وجوده في كمبردج اهتم بتاريخ العائلة الهاشمية فجمع ما استطاع من مصادر ووثائق، حيث أصدر بعد عودته لبيروت كتاب "الهاشميون وقضية فلسطين" وكتاب "الهاشميون والثورة العربية الكبرى"، وقد راجا رواجاً كبيراً، غير أنهما منعا من النشر في الأردن والعراق وسوريا، كما مُنع أنيس صايغ نفسه من دخول الأردن 16 عاماً (1966-1982).

تولى أنيس الصايغ منصب مدير عام مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية 1966-1976، حيث أعطاه كل وقته وجهده وفكره، "وذاب المركز فيّ مثلما ذبت فيه" على حد قوله. وتطور المركز خلال إدارته من شقة متواضعة إلى ستة طوابق واسعة، وأصدر أكثر من ثلاثمائة كتاب، أضيف إليها مجلة شهرية، ونشرة رصد تصدر مرتين يومياً، وارتفع عدد الباحثين من ثلاثة إلى أربعين، وعدد الإداريين من خمسة إلى عشرين، وجهاز التوثيق من أربعة إلى عشرة، وحوى مكتبة غنية بأنفس الكتب والوثائق.

أدرك الصهاينة خطورة دوره ودور مركز الأبحاث، فتعرض أنيس صايغ لثلاث محاولات اغتيال كان أبرزها في 19/7/1972 عندما انفجر طرد بريدي بيديه مما أفقده جزءاً من سمعه وبصره، كما تضررت يده. وفي 14/12/1974 أطلقت ثلاثة صواريخ باتجاه مركز الأبحاث كادت تودي بحياته وحياة من فيه.

رأس أنيس صايغ تحرير أربع مجلات هي من أفضل ما شهدته الحياة الثقافية العربية وهي شؤون فلسطينية (1971-1977)، والمستقبل العربي (1978-1979)، وشؤون عربية (1981-1982)، وقضايا عربية (1979-1981)، وكان هو الرجل المؤسس للمجلات الثلاث الأولى.

شارك أنيس صايغ في "الموسوعة الفلسطينية" مستشاراً وعضواً ومقرراً في مجلس إدارتها منذ 1978، وأشرف على طباعة القسم الأول من الموسوعة، وتولى تحرير القسم الثاني، واستلم رئاسة مجلس الإدارة منذ أوائل 1988، واستمر يعمل فيها حتى 1993. وكانت الموسوعة من أفضل ما صدر في الشأن الفلسطيني، ومن أفضل ما صدر في العالم العربي.

"
كان أنيس صايغ مدافعاً شرساً عن القضية الفلسطينية، فقد كان باحثاً صارماً عن الحقيقة العلمية حتى لو خالفت صحتها الموروث الشعبي أو ما يتداوله الكتاب والصحفيون
"

وكما كان أنيس صايغ مدافعاً شرساً عن القضية الفلسطينية، فقد كان باحثاً صارماً عن الحقيقة العلمية حتى لو خالفت صحتها الموروث الشعبي أو ما يتداوله الكتاب والصحفيون. كنتُ في زيارة له، فسألني بعدما عرف تخصصي في الوثائق البريطانية وتاريخ فلسطين الحديث والمعاصر، عما إذا كنت قد أطلعت على وثيقة كامبل بنرمان؛ وهي وثيقة تنسب إلى رئيس وزراء بريطانيا في سنة 1907، تتحدث عن مؤتمر برعاية حزب المحافظين قدمت توصياته لرئيس الوزراء بنرمان بعد سنتين من البحث توصي بإنشاء كيان غريب في شرق البحر المتوسط معادٍ لأهل المنطقة ومختلف عنهم في الدين واللغة والثقافة ومعتمد على الغرب، بهدف ضمان انقسام المنطقة وضعفها وتخلفها.

وقد أخبرته أن هذه الوثيقة قد أثارت اهتمامي بالفعل وأنني حاولت أن أحصل على أصلها الأجنبي في الأرشيف البريطاني، غير أنني لم أجد لها أثراً، على الرغم من أن كثيراً من المصادر العربية تذكرها. فأخذ أنيس يحدثني عن قصته مع الوثيقة إذ سبقني للبحث عن أصلها بنحو أربعين عاماً، ووجد أن الكتّاب العرب يحيلون إلى بعضهم بعضاً، فقرر الذهاب إلى لندن وصرف شهراً كاملاً في البحث عنها في المتحف البريطاني ودار الوثائق البريطانية وأوراق جامعة كمبردج. ووجدَ ما وجدتُ من حديث عن المؤتمر الإمبريالي في تلك الفترة دون أن يجد الوثيقة، وانكب على فهارس جريدة التايمز 1904-1907 دون أن يجد لها أثراً.

وعاد إلى بيروت مغموماً.. ليعلم بعد ذلك أن أول من ذكرها من العرب هو المحامي أنطوان كنعان، فسافر أنيس باحثاً عنه في مصر حتى وجده، فاعترف له أن رجلاً هندياً ركب معه في طائرة حدّثه عن شيء من هذا كان قد قرأ عنه. فلا هو ولا جاره الهندي اطلعا عليها...!! ولذلك فهي لم تثبت من الناحية العلمية. وهكذا منع أنيس صايغ في كل ما يشرف عليه وعلى نشره ذكر هذه الوثيقة كحقيقة ثابتة. وعلى النحو نفسه، تعامل أنيس مع بروتوكولات حكماء صهيون التي لم تثبت علمياً بالرغم من كل ما قيل عنها.

سوّد أنيس صايغ وبيّض عشرات الآلاف من الصفحات كاتباً ومحرراً ومشرفاً.. لكنه كان يعمل بروح صاحب الرسالة لا بروح الموظف الذي ينتظر الراتب آخر الشهر، وقد عانى في سبيل المحافظة على المعايير الأكاديمية والعمل المؤسسي الكثير، خصوصاً وهو يدير مؤسسة تتبع منظمة التحرير التي تعج بالعقليات والحسابات الفصائلية وشراء الولاءات والمحسوبيات.

وقد تسبب له ذلك بحالة من الجفاء والخصومة مع الكثير من قيادات المنظمة والفصائل وعلى رأسهم ياسر عرفات. وتمكن من الصبر والتحمل عشر سنوات متواصلة إلى أنه اضطر لتجميد عمله في ربيع 1976 ثم للاستقالة تماماً في السنة التالية. ويستطيع القارئ الكريم أن يطلع بألم وحسرة على المصاعب التي واجهها أنيس صايغ طوال إدارته لمركز الأبحاث وعمله في الموسوعة الفلسطينية (1966-1993)، وذلك في مذكراته التي نشرها سنة 2006 بعنوان "أنيس صايغ عن أنيس صايغ"؛ وفيها فصلان أحدهما عن المركز والموسوعة والآخر عن العلاقة بياسر عرفات.

في رأي أنيس صايغ كان "عرفات يريد أن يكون المركز ومنشوراته وباحثوه رجال إفتاء، يجيزون الأفكار والآراء والأحكام التي يريدها هو حسب مزاجه وفهمه للأمور".. كان عرفات "يريده مؤسسة خاصة تابعة له شخصياً فتخوض حروبه مع الآخرين".. كان عرفات "لا يقرأ ولكن يستمع إلى ما يرغب في سماعه من انتقادات ويتخذ موقفاً بناء على السمع".. ويتناول أنيس في مواقف كثيرة الموقف السلبي لعرفات منه ومن المركز والموسوعة.. مما لا مجال لذكره هنا.

ويخلص إلى القول "رحمه الله عرفات وغفر له. لقد عمل على قتل المركز والمجلة والموسوعة، ونجح، لكن الخاسر كان فلسطين قضية وثقافة ونضالاً"، ويضيف "لا أزعم أني الضحية الوحيدة لعرفات. كان عرفات ضد المؤسسات المستقلة، ضد عقلية المؤسسة. لا يريد إلا أتباعاً أفراداً أو مؤسسات".

ويحدد أنيس صايغ في ختام فصله عن عرفات عشر نقاط في خلافه معه، تضمنت فضلاً عما سبق أن عرفات "لم يكن يثمن العلم والأسلوب العلمي"، وأنه كان يسخر من النظام والانضباط في المركز، وأنه طبق نظرية "من ليس معي فهو ضدي"... وغير ذلك.

قرر أنيس منذ تقاعده من العمل الرسمي سنة 1993 أن "يتعاقد مع الحياة للموت واقفاً" حسب تعبيره، وأن يستمر على التزامه وخدمته لقضيته واستعداده للتضحية ولكن بأشكال جديدة، على أن يظل مستقلاً دون انضمام لأي جهة. وكان اتفاق أوسلو (13/9/1993) في رأيه كارثة هائلة؛ فقرر أن يوجه هجومه على أعوان العدو "والمستسلمين له ودعاة الهزيمة والردة في صفوف ثورتنا الفلسطينية والعربية" بعد أن كان منغمساً في الهجوم على العدو الصهيوني وشحن الأمة بالمعلومات والتحليلات.

قرر أن يتقدم بقصد "تحطيم الأصنام .. والهرطقة السياسية" وخاض معركته مع "اتفاق الذل والاستسلام" حسب ما وصفه، على أكثر من جهة، وأصدر كتاباً سماه "13 أيلول" ضد اتفاق أوسلو وضد السياسة التي قادت إليه.

"
ظل أنيس على عطائه حتى اللحظة الأخيرة كاتباً ومستشاراً وناشطاً في الجوانب التي تخدم قضية فلسطين وقضايا الأمة العربية, رحل بهدوء كما ترحل الزيتونة في الأرض المباركة تعيش واقفة ولا تموت إلا واقفة
"
بيد أن أنيس صايغ فُجع بممارسات عدد فصائل المعارضة كما فُجع بمؤيدي أوسلو. فقد كانت هناك استجابة لندائه من التيارات المعارضة المختلفة لعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني لحماية الميثاق الوطني الفلسطيني والذي عُقد فعلاً سنة 1998، وقد شارك في الاجتماعات التحضيرية، واختير في جلسة الافتتاح نائباً للرئيس ومقرراً وناطقاً باسم المؤتمر ومشرفاً على لجنة الصيانة.

لكنه بصراحته المعهودة وبحزن وألم سجّل قائلاً "لم أشهد في حياتي فوضى وعبثاً ولامبالاة ولا مسؤولية مثلما شهدت في تلك الاجتماعات.. كانت الاجتماعات تجري بلا جدول أعمال ولا محاضر ولا مقررات...".

وزاد إحباطه أن أمين عام فصيل فلسطيني عضو التقى رئيس "دولة إسرائيل" فتمّ طرده من اللجنة، ثم في الأسبوع التالي عقد رئيس اللجنة التي انتخبها المؤتمر لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي يغازل فيه سياسة عرفات!! وهكذا، ماتت اللجنة بعد بضعة أشهر "بدون جنازة ولا حفل تأبين" حسب تعبير أنيس صايغ.

كان أنيس يشرف على إعداد كتاب تكريماً للراحل شفيق الحوت وكان قد ضرب موعداً نهائياً لاستلام المقالات نهاية سنة 2009، وكنت واحداً ممن يلملمون أوراقهم وأفكارهم لتسليم المقال في الموعد المحدد، ولكن الموت عاجله قبل الموعد بأيام.

أنيس صايغ ظل على عطائه حتى اللحظة الأخيرة كاتباً ومستشاراً وناشطاً في الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تخدم قضية فلسطين وقضايا الأمة العربية. رحل بهدوء كما ترحل الزيتونة في الأرض المباركة تعيش واقفة مغروسة في الأرض تحفل بالعطاء... وعندما تموت لا تموت إلا واقفة.

Monday, December 21, 2009

فقر التعصب والتدين اليابس 21/12/2009 محمد بن المختار الشنقيطي

قل ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" عن ابن عقيل مدحا لحنابلة بغداد جاء فيه أنهم: "قوم خُشُن، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجد، وقل عندهم الهزل". وتحدث العلامة الذهبي في كتابه (العبر في خبر من غبر) عن الشيخ عبد الستار المقدسي، فقال: "عنيَ بالسنة، وجمع فيها، وناظر الخصوم وكفَّرهم، وكان صاحب حزبية وتحرُّق على الأشعرية فرموه بالتجسيم، ثم كان منابذاً لأصحابه الحنابلة، وفيه شراسة أخلاق مع صلاح ودين يابس".

"
السلفيون مولعون بالجدل والمناظرة في أمور الاعتقاد، وهو أمر يدل على أن السلفية المعاصرة تحولت إلى ما يشبه المدرسة الكلامية التي تطنب في الحديث عن دقائق العقائد دون داع شرعي
"
كما علق الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) على قول الشيخ أبي حاتم بن خاموس: "كل من لم يكن حنبليا فليس بمسلم"، فقال الذهبي: "قد كان أبو حاتم... صاحب سنة وإتباع وفيه يبسُ وزعارةُ العجم". ويلخص وصف ابن عقيل لمزاج الحنابلة ووصف الذهبي لشخصية كل من المقدسي وابن خاموس أهم الملامح الفكرية والنفسية التي يتسم بها بعض الدعاة والناشطين السلفيين اليوم:

* فهم منشغلون بجمع السنة النبوية والتدقيق في أسانيدها. وقد نفع الله بهم عموم الأمة في هذا الجانب، فلم يعد التساهل في النقل سائدا كما كان الحال في القرون المتأخرة. بيد أن السلفيين لم يمزجوا ثمرات النقل بنظرات العقل، فجاء التأصيل عندهم خاليا من التحليل، والنقلُ مجردا من الفقه. بل إن "العقلانية" أصبحت سبة في عرف بعض السلفيين، فتخلوا عن عقولهم بمحض إرادتهم، وكأنهم لم يسمعوا قول الشاعر عمر بن الورد: "كيف يسعى في جنونٍ مَن عقَلْ؟"

* وهم مولعون بالجدل والمناظرة في أمور الاعتقاد، وهو أمر يدل على أن السلفية المعاصرة تحولت إلى ما يشبه المدرسة الكلامية التي تطنب في الحديث عن دقائق العقائد دون داع شرعي، وهو ما لا ينسجم مع منهج السلف القائم على البساطة، والبعد عن التكلف والتمحل النظري، وتجنب الخوض في تلك المباحث الدقيقة إلا لضرورة.

* وهم يتحرقون تحرقا على مخالفيهم من المسلمين، ويكفرونهم في أمور كثيرة يسوغ فيها الخلاف. ويمكن القول إنه في الوقت الذي يجتهد فيه أتباع الديانات الأخرى على زيادة أعدادهم، فإن بعض السلفيين يجتهد على تقليص أعداد المسلمين. وبالطبع فقد جلبت بعض الجماعات السلفية متاعب كثيرة لنفسها، وفتحت شروخا عميقة في جسد الأمة بسبب الشدة على المخالفين وتكفيرهم. ولا تقف هذه العقلية الإقصائية عند حدود، فهي تضيق كل يوم وتخرج طوائف جديدة –بعضها سلفي المصدر والتوجه- من مفهوم "السنة والجماعة"، وهو المفهوم الذي حولوه إلى سور عال يفصل بينهم وبين عموم الأمة.

* ثم أخيرا تأتي سمة الجفاء والشراسة والتدين اليابس، الخالي من العطف والعاطفة، ومن الشفافية الروحية والذوق الجمالي. وهو تدين يرجح منطق الإكراه والمغالبة على منطق الإقناع والاكتساب. ويرجع هذا المنزع إلى الخلفية التاريخية والاجتماعية لبعض الجماعات السلفية، كما يرجع إلى منهاج التكوين والتربية لدى بعض السلفيين، وهو منهاج يقوم على التعالي الفكري والخوف الثقافي.

وليست هذه الملامح عامة في كافة السلفيين أو الحنابلة، فالتعميم لا يخلو من ظلم. ولا هو براءة لطبقات المتدينين الآخرين من هذه المساوئ، وهم ليسوا برآء منها. وإنما اقتصرنا هنا على المدرسة السلفية لغلبة هذه الملامح عليها، ولما للسلفيين من أثر طاغ على ساحة التدين اليوم.

حينما تغتال الهوية الإصلاح والنهضة

"
جدلية الانفتاح والانغلاق ذات صلة وثيقة بميزان القوة والضعف، فالأمم تميل أيام قوتها إلى الثقة بالنفس والفضول العلمي وحب الاستكشاف والتعطش للمعرفة، بينما تميل في لحظات ضعفها إلى ضعف الثقة بالنفس والتعصب الديني
"
وقد شخص الأكاديمي البريطاني والأستاذ بجامعة أوكسفورد عبد الحكيم مراد ظاهرة التجافي والتعالي الفكري لدى بعض السلفيين فدعاها "فقر التعصب" the poverty of fanaticism ونحن نسميها هنا "مذهب الاكتفاء والانكفاء". فالتعصب وليد إحساس بالكبرياء الفكري والاقتناع الزائف بعدم الحاجة إلى ثقافة الآخرين وعلومهم ونمط عيشهم. ومن المعلوم في التاريخ الثقافي أن التعصب يؤدي إلى الفقر الفكري والجدب الروحي، بينما يثمر الانفتاح والتسامح ثراء فكريا وروحيا.

لقد لاحظ الفيلسوف كلود ليفي ستراوس أن الإبداع لا يكون إلا على الحدود بين ثقافتين. وهو أمر ترجمه الفيلسوف محمد إقبال في النطاق الإسلامي فكتب: "إن العالم الإسلامي لن ينهض إلا بقلب شرقي وعقل غربي". فكل من يحصر نفسه في حدود ثقافته التاريخية يحكم على نفسه بالعقم والجمود. وجدلية الانفتاح والانغلاق هذه ذات صلة وثيقة بميزان القوة والضعف، فالأمم تميل أيام قوتها إلى الثقة بالنفس والفضول العلمي وحب الاستكشاف والتعطش للمعرفة، بينما تميل في لحظات ضعفها إلى ضعف الثقة بالنفس والتعصب الديني ورفض التنوع والتعدد الفكري والعرقي والثقافي.

لقد كان العرب والمسلمون أيام قوتهم وصعودهم الحضاري منفتحين مندفعين، يستكشفون العالم ويسعون للتعلم من كل أمة وثقافة، حتى وثنيات الهند وترهاتها وجدت رجلا مثل البيروني يدونها في كتابه: " تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة". أما اليوم فنجد السلفيين يطنبون في الحديث عن "الغزو الفكري والثقافي" وما إلى ذلك من مقولات ينم عن الذات المهزوزة الخائفة على ذاتها.

وبسبب هذه الذات الفاقدة للثقة في ذاتها ضاعت فكرة الإصلاح والنهضة التي دعا إليها الأفغاني ومحمد عبده وأضرابهم منذ مائة عام، واغتالتها فكرة الهوية والخوف عليها، منذ أن صادر الشيخ رشيد رضا الفكرة الإصلاحية واتجه بها وجهة سلفية. وقد لاحظ رضوان السيد في كتابه (سياسات الإسلام المعاصر) القطيعة التي حدثت بين مدرسة الإصلاح في عصر عبده والأفغاني -وقد كانت "النهضة" همها الأهم- وبين الفكر الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين الذي يركز على "الهوية".

لذلك يرى رضوان السيد أن "محمد عبده كان متقدما على رشيد رضا، ورشيد رضا كان متقدما على حسن البنا، وحسن البنا كان متقدما على سيد قطب، وسيد قطب كان متقدما على عمر عبد الرحمن". كان رشيد رضا في بادئ عهده إصلاحيا، ثم تحول فيما بعد سلفيا انكفائيا، فهو حلقة الانتقال بين المدرستين. لذلك رفض د. محمد عمارة إدراج رشيد رضا ضمن الإصلاحيين، وقد أحسن في ذلك، إذ الإصلاح والتجديد لا ينسجمان مع منهج الاكتفاء والانكفاء.

السلفية الملكية والسلفية الفوضوية

"
لم تعد السلفية تنحصر في السلفية "الملكية" والسلفية "الفوضوية"، بل ظهر إلى الوجود في العقد الأخير تيار ثالث أقرب إلى روح الإصلاح والتجديد، وهو يتلمس طريقه اليوم بين هذين الطرفين الغاليين
"
منذ أعوام خلت كان لي حديث حول السلفية مع أحد أساتذتي بجامعة تكساس، وهو من أصل لبناني، فلاحظ الأستاذ ملاحظة جديرة بالتأمل، فقال: "السلفية نوعان: سلفية ملَكية monarchist وسلفية فوضوية anarchist". وهذا تلخيص دقيق لعمق الأزمة المنهجية لدى السلفيين، فلم يختط السلفيون لأنفسهم حتى الآن طريقا منهجيا واضحا للتغيير الإيجابي، وإنما تتنازعهم نوازع الطاعة الخانعة والمواجهة الهوجاء. والحمد لله أن السلفية لم تعد تنحصر في هذين التيارين، بل ظهر إلى الوجود في العقد الأخير تيار ثالث أقرب إلى روح الإصلاح والتجديد، وهو يتلمس طريقه اليوم بين هذين الطرفين الغاليين اللذين نركز عليهما بالتحليل هنا.

إن السلفية الملَكية تشرِّع لحكام الجور أفاعيلهم، وتعظ الرعية بالإذعان لهم والطاعة، وتحذر الناس من الفتنة والشقاق.. حتى لقد أفتى بعض فقهائهم بأن المظاهرات السلمية حرام، وبأن مشاهدة قناة الجزيرة "لا تليق بطالب العلم ... لأن ولي الأمر لا يحبها"!! أما السلفية الفوضوية فهي تخرج على السلطة وعلى المجتمع معا، وتسعى إلى تفجير الكون كله أملا في ميلاد عالم جديد لا تملك تصورا واضحا عن ملامحه.

ولا يعني هذا أن المدرستين تختلفان في كل شيء، بل تتفق المدرسة الملَكية مع المدرسة الفوضوية في العنف الفكري والفقهي، وفي الخطاب الملتهب الذي يكاد يسطو بالمخالف. بل يمكن القول إن السلفية الفوضوية –على خطورة مسالكها العملية- أكثر انسجاما مع طرحها النظري وأقل تناقضا في منطقها. بينما تعيش السلفية الملكية تناقضا صارخا بين العنف الفكري والخنوع العملي.

والعلاقة المنطقية بين المدرستين السلفيتين علاقة وثيقة، فكلاهما تستمد من الأخرى أسباب البقاء والنماء. فالسلفية الملكية تجعل أي وقوف في وجه المنكرات السياسية السائدة في الدول المسلمة اليوم فتنة ونبذا للطاعة وتفريقا للجماعة، وهي عاجزة فقهيا عن التفريق بين المعارضة السلمية والخروج المسلح. وبذلك لا تدع للشباب المتحمس سوى طريق العنف الأهوج. أما السلفية الفوضوية فهي بسلوكها مسالك العنف الأعمى من غير ضابط أخلاقي أو خطة تغيير منهجي، تقوي نفوذ السلفية الملكية وتضفي مصداقية على مقولاتها المخذلة. وهكذا تتغذى كلتا المدرستين على الأخرى.

أنفة من التقليد وعجز عن الاجتهاد
إن مراحل الانتقال في أعمار الأمم لا تخلو من عنف وألم. وهذا نجده في تاريخ أوروبا أيام الثورة الفرنسية، وفي تاريخ أميركا أيام الثورة الأميركية.. وبالطبع فلن تخلو المجتمعات المسلمة من عنف في مراحل الانتقال التي نعيشها اليوم مع الأسف. فالانسداد السياسي في هذه المجتمعات عميق مزمن، وتخلفها في مجال بناء السلطة وشرعيتها وأدائها تخلف فاضح، وهذا مما يفتح الباب لأنماط كثيرة من العنف الفكري والسياسي.

وقد يتدثر هذا العنف بدثار ديني –كما هو حال السلفية الفوضوية اليوم- أو بدثار علماني –كما هو حال الجماعات اليسارية في القرن العشرين- لكنه في عمقه تعبير عن أزمة التحول الاجتماعي ومخاض الانتقال، وعرَض من أعراض انعدام الشرعية السياسية في المجتمعات الإسلامية، وخصوصا العربية منها. وما تحتاجه بلداننا اليوم هو أن يمسك الحكماء بزمام الأمور، ويقودوا مجتمعاتنا عبر مرحلة الانتقال الحالية إلى بر الأمان الفكري والاجتماعي والسياسي بأقل ثمن وأخف ألم.

"
المجتمعات الحرة تملك آليات التصحيح الذاتي وبوسائل سلمية متحضرة، أما المجتمعات المحكومة بالقوة فيلجأ الناس فيها إلى منطق القوة لأتفه الأسباب, وهي تبقى محصورة بين سيف الحاكم المتجبر وسبحة الدرويش المتملق
"
وليس العنف الفكري والسياسي خيارا شرعيا ولا بديلا للاستبداد، بل هو يزيد من وطأة الاستبداد ويشرعه ويطيل عمره. والحل هو العمل المدني المنظم والدؤوب، من أجل بناء فضاء اجتماعي وسياسي مفتوح، يتم فيه التداول السلمي للسلطة، ويُسمع الناس فيه أصواتهم بحرية، ويسود فيه منطق الاكتساب ولغة الإقناع على منطق المغالبة ولغة الإكراه.

ويتوقف الأمر إلى حد كبير على مستوى تطبيق الديمقراطية الحقة وحرية الاختيار في مجتمعاتنا. فالمجتمعات الحرة تملك آليات التصحيح الذاتي وبوسائل سلمية متحضرة، أما المجتمعات المحكومة بالقوة فيلجأ الناس فيها إلى منطق القوة لأتفه الأسباب.. وهي تبقى محصورة بين سيف الحاكم المتجبر وسبحة الدرويش المتملق، وكلاهما كارثة على مستقبل الأمة والملة، كما قال الشاعر محمد إقبال:

فإلى متى صمتي وحولي أمـة** يلهو بها السلطان والدرويشُ

هذا بسبحتـه وذاك بسيفــه** وكلاهما مما تكدَُ يعيشُ

نحن المسلمين أمة تأنف من التقليد وتعجز عن الاجتهاد.. وهذا سر محنتنا الحالية. وقد آن الأوان للخروج من هذا المأزق. أما الأنفة من التقليد فهي عزة لا يجوز التنازل عنها، وأما العجز عن الاجتهاد فهو ذلة وضعة. وإذا كان الإصلاح في أوروبا بدأ بتحرير الدولة من سلطة الدين، فإن الإصلاح عندنا يجب أن يبدأ بتحرير الدين من سلطة الدولة. فحرية الضمير هي أساس كل التزام أخلاقي حق، وحرية التفكير هي أساس كل إبداع.

وحينما تسود الحرية تنكشف مظاهر التدين المغشوش الذي يجعل من المبادئ الإسلامية المحررة للإنسان قيودا عليه، ويحوِّل روح البناء والإيجابية التي جاء بها الإسلام إلى غريزة هدم وتدمير أهوج.. لقد آن الأوان لمواجهة فقر التعصب والتدين اليابس قبل فوات الأوان.

Thursday, May 7, 2009

عزمي بشارة يكتب: مزالق إثارة الإعجاب وطلب الاعتراف الجزيرة 5/8/2009

تعلمنا من فلاسفة التنوير الأسكتلندي المغمور منهم والمشهور من فيرغسون وحتى آدم سميث أن دوافع مثل رغبة الفرد باعتراف الآخرين به ورغبته أن يكون محبوبا من جهة، والحسد وحب التملك من جهة أخرى، هي دوافع إنسانية طبيعية لها فضل أساسي في بناء المجتمعات والعلاقات الاجتماعية.

كنا بغرور الشباب نستسخف تفسير أي شيء بهذه الدوافع البسيطة في مراحل بحثنا عن الأيديولوجيات والصراع الطبقي والمصالح. ولكن التجربة علمتنا أن ندرك كم تحرك هذه الدوافع مهما بدت لنا عادية وصغيرة أمورا كبرى في السياسة والثقافة والعلم، وحتى في النشاط الاقتصادي، وذلك حال ولوج التطور الإنساني مرحلة الفردية.

فقوة العادي لا تضاهيه قوة اجتماعية أخرى. وتفسير المجتمع والتاريخ ليس حكرا على الطبقات الكبرى والأيديولوجيات وأنماط الإنتاج وغيرها. ولا بد من أخذ عوامل كثيرة أخرى بعين الاعتبار: سعي الأفراد للحصول على الاعتراف هو مثال، والهوية وإنتاج الهوية الجماعية مثال آخر.. كل ذلك دون التقليل من أهمية عوامل مثل تطور قوى الإنتاج وغيرها.

ولكن أي نفساني مبتدئ سوف يوافق على أن دوافع طلب الاعتراف وإثارة الإعجاب ورغبة الإنسان في أن يكون محبوبا على طبيعته، قد تتحول إلى مؤشر لعصاب خطير، وقد تعبِّر عن عقد نقص حادة إذا تجاوزت العادي و"الطبيعي" وأصبحت نزعة استحواذية مفرطة. فقد تؤدي إلى تشوهات في الشخصية تصل حد الذهان، وإلى تشويهات كبرى عند كبتها وإخفائها تصل حد العنف.

ما الغرض من هذه المقدمة؟ نجدها ضرورية. وسوف تتضح ضرورتها للقارئ لفهم الموضوع.

إذا صح ما ندعي أعلاه بالنسبة للأفراد كأمر طبيعي، فإن زرع الرغبة بالاعتراف وإثارة الإعجاب في الجماعات البشرية هو جهد غير طبيعي منذ البداية. لأنه يفترض أن الجماعة فرد له عقل وشعور ودافع، وأنه يرغب من الآخر الجماعي اعترافا وإعجابا. فيشوه نفسه والآخرين أيضا، إذ يعامل شعبا بأكمله أو حضارة برمتها وكأنها فرد متفوق.

وهذه مقاربة تؤدي إلى ضياع كامل. فعلاقة الثقافات هي إما علاقة بين تصورات وصور رائجة عنها (وصناعة الصور صناعة. ومثل أية صناعة لديها أدوات إنتاج ودوافع منافسة وربح).. أو هي علاقة بين أفراد متفاوتين. وقد يكون الفرد المنتمي لثقافة تعتبر متأخرة متفوقا على الآتي من ثقافة تعتبر متطورة، والعكس صحيح.

ويدعو التسليم بأن الأفراد يمثلون "ثقافة دونية" تبحث عن اعتراف الثقافة الأخرى تُعتَبَر متفوقة كافةَ أفراد تلك الثقافة للتصرف كأنهم أبناء عرق الأسياد مقابل أفرادٍ ربما يفوقونهم علما وثقافة وكفاءة. وعندما تُزرَع عقدة النقص هذه من قبل من يوهمون شعوبهم بأنها تعاني من "نقص" أو "عاهة" مقابل شعوب أخرى "سليمة" و"معافاة"، فإنهم يدعونها لسلوكٍ دونيّ مقابل أفراد الشعوب المفترضة متطورة أو متقدمة. فيجري التعامل مع أي تافه أو أخرق أو متخلف من الشعب الآخر كأنه عبقري حتى تثبت حماقته، وكعالِم حتى يثبت جهله. في حين أنه يجري التعامل مع الفرد القادم المتحدر مما يعتبر ثقافة متخلفة كأنه غبي حتى يثبت ذكاؤه، وكجاهل حتى يثبت علمه.

أما في السياسة فتدفع هذه الديناميكية لمواقف مضحكة مثل اعتبار أي أوروبي أو أميركي بغض النظر عن تسيسه كأنه هو الرأي العام العالمي (وهو بذاته كيان وهمي) المتجسد في شخص ينبغي كسبه أو إثارة إعجابه، بالإقناع العقلي أو بالتظاهر والتجمّل.

تتعدد آليات البحث عن الإعجاب والاعتراف وإثارة استحسان أي غربي أو غربية بالتقليد والتظاهر أو بتعالي الفرد الباحث عن الإعجاب على ثقافته، أو بادعاء أنه أقلية فيها وغيرها من آليات التمسكن وإثارة الإعجاب. وتنتهي جميعها إلى تقليد "المتفوق" دون إبداع، وإلى نفخ "ايجو" المتفوق المفترض ومسايرة غروره، وتكريس منزلته الوهمية كمتوفق في مقابل متخلفين. هنا يتحول الشعور بالدونية والنقص تجاه الآخر والتفوق تجاه الذات إلى عائق أمام تطور الثقافة ذاتها، وإلى حجز مسار التطور الإبداعي الخاص بها.

وفي مقابل نزعات استشراقية مقلوبة تعتبر "الغرب" برمته وحدة صماء في حالة صراع مع وحدات صماء أخرى هي الثقافة العربية أو الشرقية أو الإسلامية، تدور في السياسة العربية نزعات كثيرة حول محور إثارة إعجاب الغرب. وقد اخترنا ثلاثا منها.

أ- النظام العربي الذي يحاول إثارة إعجاب صانع القرار الأميركي أو الأوروبي فينتهي إلى جلب احتقاره له. وهو يفعل ذلك بطرق تستثير فيه، فيما عدا الشعور التافه بالتفوق، شعورا قويا بالسخرية: إما لأن طالبي الإعجاب يحاولون الظهور بمظهر الأرستقراطي الراقي الإنجليزي في عهد تثير فيه الأرستقراطية الإنجليزية ضحك أبنائها وشعبها بلهجتها وإيماءاتها الجسدية المتكلفة وطقوسها السخيفة، فيبدو المسؤولون العرب من أبناء العشائر والعساكر مثلما يقول المثل العامي عندنا كـ"الذاهبين للحج والناس راجعة"، أو لأنهم يسخرون من شعوبهم ويتعالون عليها فيدّعون أمام المسؤولين الأوروبيين والأميركيين أن شعوبهم متخلفة ولا ينفع معها سوى القوة، أو لأنهم يدعون الأصالة مظهرا وذلك عبر تكرار أشكال من الفولكور الاستشراقي وتقليد صورتهم في الغرب بدلا عن ثقافتهم الأصيلة، أو عبر استخدام كم هائل من الأقمشة يتدثرون بها بادعاء أنها زي شعبي أصيل.. وغير ذلك من الحركات الغريبة.

ويتبنى البعض هذه الوسائل نفسها أحيانا لتحدي "الغرب". وكان يحيرني دائما لماذا يأتي كل زعيم عربي مستهدف أو ملاحق من قبل الدول الغربية بحركات غريبة مثل الرقص أو إطلاق النار أمام العموم أو تغيير زي في كل منطقة يزورها وغيرها من الحركات التي تستخدم مرة لإثارة الإعجاب ومرة للتحدي.

ب- دفع الشعوب للاعتقاد بأن الغرب يعاديها لأن صورتها في الغرب سيئة. دون الأخذ بعين الاعتبار أن المصالح والمواقف تنتج الصورة وليس العكس في كثير من الحالات. هكذا يبدو أن المشكلة هي صورتنا في الإعلام، وأن صورة إسرائيل الإيجابية هي التي تساعدها، وأن على العرب أن يبذلوا جهدا لتحسين صورتهم في الغرب.

صحيح أن الإعلام والثقافة الغربية وهوليود بشكل خاص تنتج صورة العدو للعربي وأن لهذا تأثيرا كبيرا على الرأي العام في تلك الدول فيكرس ويجذّر سياسات عنصرية. ولكن الرد لا يكون بتحسين صورة العرب عبر جهد يبذلونه لإثارة الإعجاب والاعتراف، بل بفضح عنصرية هذه الثقافة وآليات الكذب والتشويه التي يتم بواسطتها إنتاج صورة العربي والمسلم بهذا الشكل.

إن الآلية التي تجعل هؤلاء ينتجون صورة أفضل هي تغيير مواقفهم، وليس إثارة إعجابهم وبذل العرب جهدا لتحسين صورتهم، أو بالاستماتة لإثبات "أننا مثلهم". إن أي جهد يبذله العرب للتظاهر أنهم "مثلهم" لن يجعلهم "مثلهم"، بل سوف يكرس حالة الدونية والسعي لنيل الرضا. في حين توضع بيد الطرف الآخر السلطة للحكم، هل بذل العرب جهدا كافيا أم لا؟ هل صاروا "مثلنا" أم لا؟ إذا صحت مسألة تحسين الصورة فإن من يجب أن يحسن صورته هو ذلك الذي استعمر الآخر واضطهده وقسم بلاده.

ج- الخلط بين مطلب الاعتراف بالحقوق وطلب الاعتراف بالهوية، وبين مطلب العدالة وطلب الاعتراف "بنا" أو بـ"ممثلينا"..
ونحن نود أن نخصص القسم الثالث من هذا المقال لهذه النقطة الأخيرة:
إن أيّ صراع على العدالة والحقوق إن كان بشأن الحريات أو بشأن المساواة مرشح إلى أن يخلط بين الاعتراف بالحق والاعتراف بالهوية، ثم في مرحلة أخرى بين الاعتراف بالجماعة والهوية والاعتراف بممثليها.

وذلك لأن النضال المنظم يقاد بواسطة قيادة مثقفة أو مسيسة أو قادرة على طرح مطالب الناس وخوض وتنظيم المعركة أيضا. وقد تتحدر هذه من الفئات المسحوقة نفسها أو من خارجها. لا يهم. فقد ثبت أن القيادات عموما معرضة للارتباك بين الاعتراف بالحقوق التي انتدبت للدفاع عنها وبين الاعتراف بها كقيادة وقبولها كطرف شرعي في اللعبة السياسية الداخلية، أو الاعتراف بها ككيان سياسي يتم التفاوض معه، في حالة حركات التحرر مثلا.

وطبعا لا بد من الاعتراف بالقيادة في حالة التفاوض. ولكن هذا تحصيل حاصل للاعتراف بالحقوق، وليس شرطا مطلوبا توفره قبل الاعتراف بالحقوق. فإذا تحقق نصر في المعركة يصبح الاعتراف بالقيادة تحصيل حاصل لغرض تطبيق وتنفيذ الحقوق المترتبة عن هذا الإنجاز. أما إذا طالت المعركة ولم يتحقق الإنجاز المرجو أو إذا ضعفت القيادة، فإنها تصبح معرَّضة لعملية مقايضة بين الحقوق وبين الاعتراف بها. ويصبح الاعتراف بها هو الهدف، ليتبين فيما بعد أن هذا الاعتراف لم يكن إنجازا بل جاء على حساب الحقوق، وبدلا منها. للاعتراف هنا ثمن، هو التنازل عن السبب الذي دعا لوجود هذه القيادة أصلا.

يف يمكن تشخيص الحالة؟ بسهولة. يمكن تشخيص القيادة التي عزمت على المقايضة بدقة لا تقبل الشك. فمثل هذه القيادة تقوم بالأمور التالية:

أ- تنظِّم الكفاح المسلح بهدف الازعاج وليس الانتصار، وبشكل يجبر الطرف الآخر على الاعتراف بأن مصدر الازعاج هو أيضا القادر على إيقاف الازعاج. هنا يصبح التنظيم القاعدي السري البعيد المدى غير مهم، بل يجري تهميشه. فليس المطلوب كفاح مسلح منظم بنفس طويل، بل بضع عمليات.

والمهم في هذه الحالة هو القدرة المستمرة على تنفيذ عمليات، ولو كان ذلك دون أثر تراكمي ودون إستراتيجية، اللهم سوى رسالة للخصم. مفادها: إذا أردت الهدوء فيجب أن تتكلم مع القيادة.

ب- إلحاح مستمر على المجتمع الدولي ومن داخل المجتمع الدولي أن حل المشاكل يتطلب الاعتراف بهذه القيادة بجهد يفوق الإلحاح على الاعتراف بحقوق الشعب أو على ضرورة زوال الاحتلال، أو حق العودة، أو ضرورة الاعتراف بقيم مثل المساواة بين البشر ورفض العنصرية الصهيونية وغيرها.. ويتبين أن الحقوق ليست أهدافا فعلا، بل هي أوراق للمساومة لغرض الاعتراف بالقيادة.

ج- محاولات للإثبات أن هذه القيادة قادرة على فرض النظام. وتكتشف الشعوب لاحقا أن القيادة التي استشهد أبناؤها في الدفاع عنها لأن حقوقهم مرتبطة بها، سوف تفرض الأمن والنظام بآليات أعنف من المحتل ذاته.

د- تستميت القيادة نفسها التي تهاجم الخصم إلى حد إثارة نزعة عنصرية ضده أحيانا وهي تحاول أن تثير إعجاب واستحسان أي وفد أجنبي لا يفاوضها بل يوجه لها الأسئلة كأنه يحقق معها، أو تذوب إعجابا في أول جلسة مع أول وفد يأتيها من ذلك الطرف.

ولا أقصد هنا تيارا فلسطينيا أو عربيا بعينه، بقدر ما أرى أن الجميع مرشح للوقوع في مثل هذا المنزلق إذا لم يحصن نفسه، وإذا لم يحصنه جمهوره.

يبقى الذي عاش في ظل الثقافة المضطهِدة وعرفها عن قرب ورفضها، وحاول التفوق عليها ونبذها تضامنا مع المضطهَد مشدوها وهو يراقب أن الكثيرين من ممثلي المضطَهَدين يحاولون أن يجدوا قبولا عند أولئك الذين أدار هو لهم ظهره.