Showing posts with label Elyas Khouri. Show all posts
Showing posts with label Elyas Khouri. Show all posts

Tuesday, June 9, 2009

زي ما هي! الياس خوري

الشعار الانتخابي الذي رفعه رفيق الحريري عام 2000، داعيا مناصريه الى اسقاط اللائحة من دون تشطيب، في نظام الانتخابات الأكثري في لبنان، تحوّل مع انتخابات 2009، الى سمة عامة للوضع اللبناني.
في صبيحة يوم الاثنين 8 حزيران (يونيو)، اكتشف اللبنانيون مع نتائج الانتخابات، ان الانتخابات لم تغيّر شيئا في الواقع السياسي اللبناني. كأن الانتخابات لم تجرِ، وكأن الاعوام الأربعة المنصرمة، بما حملته من ازمات وحروب وخطابات سياسية، لم تكن. اذ لا شيء تغير بعد معركة انتخابية كانت الاكثر قسوة، والأشد تنافسا في تاريخ لبنان الانتخابي.
كيف نقرأ الانتخابات؟
كنت اتمنى ان يكون في مقدورنا قراءة النتائج في وصفها مؤشرات على تغيّر في الرأي العام. غير ان مقولة الرأي العام نفسها تحتاج الى تدقيق. فكرة الرأي العام تستند الى افتراض وجود حس بالمواطنة وبالفرد. اما حين تكون المواطنة انتماء الى الطائفة، فإن افتراض تغيرات الرأي العام يصير بلا معنى. فالطوائف تشكّل رأيا خاصا مغلقا، وهذا ما يجعلها معصومة عن التغير الا ككتلة موحدة.
يستطيع المراقب ان يلاحظ تشققا في الخطاب السياسي لدى الطوائف المسيحية. صحيح ان الطرفين المتنافسين: التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون والجبهة اللبنانية بحزبيها الرئيسيين: القوات والكتائب، استخدما لغة الشحن الطائفي نفسها تقريبا، غير ان التشقق في الخطاب العوني المتحالف مع حزب الله، انعكس تراجعا لافتا في التأييد الشعبي الذي كان يحظى به عون، مما جعله يخسر دائرتين مسيحيتين صافيتين: البترون والكورة. غير ان هذا لم يؤثر في النتائج الانتخابية، فبقي القديم على حاله.
لماذا جرت الانتخابات اذا؟
الواقع انه لم تكن هناك انتخابات حقيقية في اغلبية الدوائر، ففي الجنوب الشيعي، والشمال السني والجبل الدرزي وبيروت السنية، كانت الانتخابات اشبه باستفتاءات. المعارك حصلت في الدوائر المسيحية فقط. حتى هنا وباستثناءات قليلة حسم الصوتان الشيعي والسني الانتخابات. في جبيل وبعبدا كان الحسم شيعيا، اما في زحلة فكان الحسم سنيا. اضافة الى الحسم الأرمني لمعركة المتن، رغم ان كثافة التصويت الطاشناقي لم تفد حزب الطاشناق نفسه اذ سقط ثلاثة من مرشحيه في بيروت وزحلة، ولم يفز له سوى نائبين.
لذا انتهت الانتخابات، في الموقع نفسه الذي انتهت فيه انتخابات 2005. وثبت ان الشكوى من قانون العام 2000، الذي سمي قانون غازي كنعان، واستبداله بالعودة الى قانون 1960، لم يبدّل في الأمر شيئا. فبقي الاصطفاف الطائفي سيد الموقف، واستعاد لبنان المشهد السياسي نفسه، الذي ظهر بعد انتخابات 2005.
الطريف ان المحللين الغربيين ركزوا على الطبيعة السياسية للانتخابات، باعتبارها استفتاء على سلاح حزب الله. لكن ما فاتهم هو ان هزيمة تحالف الثامن من آذار- مارس، لم تتم على قاعدة خيارات سياسية، بل على قاعدة خيارات طائفية.
الفرق بين الخيار السياسي والخيار الطائفي شاسع. فالطوائف لا سياسة لها، سوى سياسة تحسين موقعها في السلطة. لذا بدا ان التيار العوني نجح في احداث انقلاب جذري في الرأي العام المسيحي لجهة تأييده للمقاومة الاسلامية وسورية. غير ان شعارات الحملة سرعان ما بددت هذا الانطباع، لأن العونيين كالقواتيين انغمسوا في الشعار الطائفي، مبررين خياراتهم السياسية بأنها الأفضل من اجل تحسين مواقع الموارنة في السلطة. اي ان ما بدا من الخارج مسألة سياسية بامتياز، اتخذ في الداخل اللبناني شكل المرض الطائفي الذي لا شفاء منه.
كان البعض يعتقد ان الانتخابات سوف تغيّر المعادلة السياسية في لبنان، لكن الواقع الطائفي اعلن انه عصي على التغيير. فمنذ استحضار احداث السابع من ايار- مايو 2008 الى الخطاب الانتخابي، تحصنت كل طائفة في مواقعها، وصارت الانتخابات شكلا سلميا للحرب الأهلية. وفي الحرب الأهلية لا مكان للعقل، بل تحتل الغرائز المساحة السياسية برمتها. لذا جرت الانتخابات وكأنها لم تجر. واستيقظ اللبنانيون على تبدل بعض الأسماء القليلة، لكن من دون اي تبدل في المحصلة النهائية.
قد يقول المراقب ان هذه النتيجة تعني ان لبنان محكوم بالتوافق بين طوائفه المختلفة، وهذا قد يكون صحيحا، غير ان ما يتناساه اصحاب نظرية التوافق، هو ان هذا التوافق الداخلي محكوم بتوازن اقليمي. اذ في اللحظة التي ينهار او يتخلخل فيها هذا التوازن، فإن مصير التوافق يصير في مهب الريح.
الطوائف لا تنتج اوطانا، هذه هي محصلة انتخابات لبنان. من هذه النقطة يبدأ اي تحليل عقلاني للواقع اللبناني، وللخيارات السياسية المطروحة في لبنان. غير ان الغاء الطائفية، وسيادة فكر علماني عروبي، دونهما اهوال احداث عملية تجديد جذرية في الفكرة العربية نفسها، واحداث تغيرات جوهرية في النظام السياسي، وفي القوانين المدنية. وحتى نصل الى هذا التغيير، الذي يتطلب ورشة فكرية وسياسية كبرى، سوف يبقى لبنان في 'الزي ما هي'.

Monday, May 4, 2009

في معنى الطائفية؟ الياس خوري القدس العربي 5/4/2009

دار نقاش طويل بين المؤرخين اللبنانيين، حول جذور الدولة الوطنية اللبنانية. ثم رسا ما يشبه الافتراض المسيطر، وهو ان جذر الدولة الوطنية يعود الى امارة فخرالدين المعني الثاني. لكن اصحاب هذا الافتراض تناسوا ان امارة فخرالدين امتدت الى فلسطين، وانها كانت تشبه امارات واقطاعات نشأت في صلب الدولة العثمانية، وسعت الى توسيع استقلاليتها.
النقاش حول جذر الدولة الوطنية، وضرورة تأسيسه على قاعدة طموحات محلية، جاء كنتيجة للشكل الذي تأسست فيه دولة لبنان الكبير عام 1920، التي تحولت عام 1926 الى الجمهورية اللبنانية. فالذي اعلن تأسيس دولة لبنان كان الجنرال الفرنسي غورو، والدولة تأسست على اشلاء المملكة الفيصلية، التي سُحقت في ميسلون.
غير ان مصير لبنان لم يكن مشابها لمصير الدويلات في سورية التي اعلنها الفرنسيون، فدويلات دمشق وحلب والعلويين والدروز تلاشت وذابت في سورية، بينما استعصت دولة لبنان الكبير على الذوبان، رغم معارضة اغلبية سكان المدن الثلاث الرئيسية لها: بيروت وطرابلس وصيدا.
وهذا ما اعطى السؤال عن الجذر التاريخي للوطنية اللبنانية شرعيته، وسمح لبعض المؤرخين باعتبار الامارة المعنية نقطة انطلاق ممكنة.
لكن ما فات الجميع ان لبنان الصغير الذي تمتع بحكم ذاتي في حماية الدول الاوروبية، لم ينشأ الا بعد حرب اهلية مدمرة في جبل لبنان، انتهت الى تأسيس اول نظام سياسي تستند شرعيته الى الطوائف الدينية. فتألف مجلس ادارة على اساس المحاصصة الطائفية، يساعد المتصرف العثماني في ادارة شؤون الجبل.
لم تكن المتصرفية صيغة قابلة للحياة، ميناؤها كان بيروت، وهي عاصمة ولاية عثمانية تحمل الاسم نفسه، وغذاؤها يعتمد على قمح سهلي البقاع وحوران، الواقعين خارجها. وربما كان تأسيس المتصرفية، وفقرها المدقع احد اسباب نزيف الهجرة الى الأمريكتين، وهو نزيف سوف يستمر، ويحول الأكثرية المسيحية في لبنان الى اقلية.
الافتراض المنطقي ان جذر لبنان يعود الى الحرب الأهلية الطائفية، اي ان شرعية الوجود اللبناني، التي سمحت لدولة لبنان الكبير بالبقاء وعدم الذوبان هي شبح الحرب الأهلية.
وطن مدين بشرعية وجوده الى الحرب الأهلية، لذا لم يكن من المستبعد ان تلعب الطائفية دورا معاكسا. فالدور التأسيسي في زمن الانتداب سوف يتحول دورا تدميريا في مرحلة الاستقلال السياسي.
والغريب ان الوعي اللبناني للخطر الطائفي لم يتجاوز المستوى اللفظي. فالدعوات الى الغاء الطائفية، على السنة افراد الطبقة الحاكمة، كانت تترجم ترسيخا للبنى الطائفية في الواقع السياسي، بحيث نجح اللبنانيون في تحويل قضية كبرى كقضية المقاومة الفلسطينية الى جزء من الصراعات الطائفية على السلطة، وتابعوا الأمر بعد الخروج الفلسطيني، محولين قضية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي الى جزء من لعبة توازنات السلطة.
لذا لم يكن انهيار مشروع 'انتفاضة الاستقلال'، عام 2005، التي اخرجت الجيش السوري من لبنان، سوى مسألة وقت، وذلك بسبب قراءة الانتفاضة طائفيا، مما ابعد عنها طائفة كاملة، وجعل مشروعها مستحيلا.
هذه هي مأساة الوطنية اللبنانية، انها معادلة ناقصة دائما، لأن الطوائف لا تنشئ اوطانا، بل تستخدم الخطاب الوطني من اجل تأكيد نفوذها في السلطة.
الولادة كانت سببا للموت، او لما يمكن ان نسميه الاحتضار الطويل. فلبنان منذ انفجار حربه الأهلية، ومنذ ذلك التصريح الشهير الذي ربط فيه مؤسس حزب الكتائب بين الكيان والنظام، وهو يؤكد ان كيانه هو نظامه، وان استمرار الكيان مرهون باستمرا النظام الطائفي.
لا شك في ان من وضع بروتوكولات تأسيس المتصرفية، كان يؤسس لنظام الحرب الأهلية المستمرة. لكن تحويل هذا النظام الى حالة دائمة، تم لسببين:
سبب اقليمي، يعود الى فشل الحركة القومية العربية في تقديم بديل حديث وعلماني لنظام الملل العثماني. ومما زاد في العجز مصادرة العسكريتاريا العربية للسلطة، وتأسيس انظمة الإستبداد، التي ساهمت في تحويل حلم الحداثة الى كابوس.
وسبب داخلي، تتحمل مسؤوليته النخب اللبنانية، التي لم تعر النضال ضد الطائفية ما يستحقه من اهتمام، بل انها انخرطت في صراعات هذه البنى تحت شعارات ثورية او قومية، متجاهلة ان لبنان لا يمكن ان يصير وطنا، في ظل النظام الطائفي، بل سيبقى ساحة تمتطي فيها القوى الاقليمية والدولية الطوائف اللبنانية، وتحولها ادوات لصراعاتها.
وهذا ما بدأ يتفشى للأسف الشديد في المنطقة العربية. اذ بدل ان تكون التجربة اللبنانية المرة درسا يتعظ منه المشرق، اذا بالمشرق الغارق في ظلام العجز، يتلبنن بمعنى ما، ويخلق لنفسه مشاكل طائفية، لا يعلم احد كيف يمكن الخروج منها.
في الماضي اعطت الطائفية لبنان شرعيته، وهي تقوم اليوم بقتله، او تمهد لإلحاقه من جديد بنظام الإستبداد العربي. وهنا تقع احدى مفارقات التاريخ، الذي يعلمنا ان الخطأ لا يستمر الا بمزيد من الخطأ.