Showing posts with label عبدالوهاب الأفندي. Show all posts
Showing posts with label عبدالوهاب الأفندي. Show all posts

Monday, April 22, 2013

الحركات الإسلامية ودول الخليج: فرصة لتصحيح العلاقة؟ د. عبدالوهاب الأفندي القدس العربي 23-04-2013


التوتر الذي تشهده علاقة بعض دول الخليج، خاصة دولة الإمارات العربية، مع بعض الحركات الإسلامية ستكون له عواقب مزلزلة على خريطة العالم العربي السياسية، ليس أقله لأن التحالف بين دول الخليج والحركات الإسلامية الحديثة هو الذي شكل هذه الحركات، حتى لا نقول شوه توجهاتها. وبنفس القدر فإن هذا التحالف هو الذي حسب ‘الحرب الباردة العربية’ لصالح معسكر المحافظين ضد الأنظمة الراديكالية. وعليه فإن فض هذا التحالف، فضلاً عن تحوله إلى حالة صراع، سيعني إعادة تشكيل الحركات الإسلامية من جهة، وإعادة تشكيل السياسة الخليجية من جهة أخرى، ومعها شكل العالم العربي ككل.
وقد بدأ تأثر الحركة الإسلامية الحديثة بالعامل الخليجي، والسعودي تحديداً، حتى قبل نشأتها وبالقطع قبل الحقبة النفطية، متمثلاً في التقارب بين الشيخ رشيد رضا والملك عبدالعزيز آل سعود وما نتج عنه من تحول رائد الفكر الإسلامي الحديث من منهج الإمام محمد عبده المنفتح على الحداثة إلى توجه أقرب إلى السلفية.
وقد ورث الشيخ حسن البنا هذا التوجه، ومعه الإعجاب بالملك عبدالعزيز. ونتج عن هذا مقابلة جسدت العلاقة الملتبسة بين الجماعة والمملكة. فقد طلب الشيخ البنا بحسب رواية متداولة من الملك السماح بإنشاء فرع لحركة الإخوان المسلمين في المملكة، وهو ما رفضه الملك بصورة قاطعة، قائلاً إن أهل المملكة مسلمون ولا يحتاجون لمثل هذه المنظمة. وقد كان هذا تشخيصاً صحيحاً، لأن حركة الإخوان نشأت تحديداً لمقاومة المد العلماني الذي نشأ نتيجة لسياسات التحديث التي اتبعها محمد علي وخلفاؤه ثم كرستها الحقبة الاستعمارية والهجرات الأوروبية إلى مصر، وهو أمر لم تخبره السعودية التي كانت ما تزال تعيش حقبة ما قبل الحداثة وتحكم بالشرع الإسلامي الذي يتمنى الإسلاميون بلوغه.
ولكن الحداثة أدركت المملكة فيما بعد، خاصة في حقبة الخمسينات والستينات، وبصورة هجومية شرسة، تمثلت في المد القومي واليساري الذي أغوى شباب المملكة ونخبتها، ولم يسلم منه بعض أفراد العائلة المالكة. وفي تلك الحقبة التي تساقطت فيها الممالك والنظم التقليدية تحت ضربات المد القومي واليساري في العراق ومصر واليمن وسوريا ثم ليبيا، وتزعزعت في الأردن والمغرب، واجه النظام السعودي خطراً كبيراً على وجوده، ضاعفت من خطورته الصراعات الداخلية والشك في ولاء الجيش. وقد لعبت المؤسسة الدينية وقتها دوراً محورياً في التصدي لصراعات الأسرة الحاكمة عبر دعم الملك فيصل، الذي قدم بدوره قيادة حازمة وحكيمة في تلك الأيام المضطربة.
ولكن المؤسسة التقليدية لم تكن مؤهلة لخوض ‘الحرب الباردة’ ضد الآلة الإعلامية المتطورة للنظام الناصري أو ضد أيديولوجيات الحداثة المتقدمة. لهذا السبب، استعان الملك فيصل بمفكري الحركات الإسلامية الحديثة في المعركة الإعلامية والأيديولوجية، حيث وفرت المملكة ملاذاً آمناً لضحايا الأنظمة الراديكالية في مصر وسوريا والعراق والسودان وغيرها، ووظفتهم في مجالات الإعلام والتعليم والإدارة. وقد كانت هذه صفقة فيها فائدة للطرفين، ولكنها كانت ملتبسة من أكثر من وجه. فلم يكن مسموحاً لهذه الحركات بإنشاء تنظيمات داخل المملكة، وبالأخص لم يكن مسموحاً لها باستقطاب السعوديين إلى تنظيماتها. وعليه كانت الاستعانة بالإسلاميين كأفراد لا كتنظيمات.
ولكن العلاقة بين الطرفين استمرت إيجابية رغم هذا لعدة أسباب، من أبرزها أن الملك فيصل كان أقرب في توجهاته إلى فكر الحركات الإسلامية وكان شديد التعاطف معها. إضافة إلى ذلك فإن العلاقة لم تكن ندية، لأن المملكة كانت في موضع القوة.
وقد شهدت العلاقة تحولاً أكبر بعد رحيل الملك فيصل الذي صادف الطفرة النفطية. عندها كان المد الناصري والقومي قد انحسر، وكان موقع المملكة ودول الخليج قد تعزز مع بداية ما سماه محمد حسنين هيكل الحقبة السعودية. من هنا لم تعد المملكة أو دول الخليج في حاجة للإسلاميين، خاصة وأنها كانت قد طورت مؤسساتها الإعلامية والتعليمية والإدارية، مستعينة في ذلك بكفاءات من مختلف البلدان والتوجهات (بمن في ذلك جهات علمانية أو حتى غير مسلمة). ومع ذلك فقد استنفرت المملكة الإسلاميين مرتين بعد ذلك، الأولى في حرب أفغانستان بالتحالف مع أمريكا، والثانية في الحرب الباردة الجديدة مع إيران الثورة على خلفية الحرب بين العراق وإيران. ولكن هذا الاستنفار لم يكن من موقع تحالف، بل من موقع استخدام.
تحت هذه الظروف، أصبحت العلاقة بين الطرفين غير سوية، وأثرت سلباً في توجهات الحركات الإسلامية وشوهت منظورها، خاصة في ظل الاعتماد المستمر على التمويل الخليجي وعدم السماح للحركات الإسلامية بوجود شرعي فيما عدا في الكويت والبحرين، وهناك ايضاً في تحالف مع الأسر الحاكمة له ثمنه. ولكن دول الخليج استفادت من هذه العلاقة التي حصنت أنظمتها من عواقب المد الإسلامي الذي زعزع استقرار الأنظمة الأخرى.
إلا أن تطورات أخرى قربت العلاقة من نطاق الأزمة. فمن جهة نجد أن دول الخليج تبنت في السنوات الأخيرة برامج تحديثية طموحة، ومواقف سياسية، اصطدمت في بعض الأحيان ببعض القطاعات المحافظة في تلك المجتمعات كما حدث في السعودية بعد حرب الكويت في عام 1991. وقد وصل هذا التصادم قمته في أحداث سبتمبر عام 2001، مما جعل معظم دول الخليج ترى في التيار الإسلامي عبئاً عليها بعد أن كان حليفاً ونصيراً. وقد ردت معظم الدول بإسراع وتيرة التحديث وتعميق التحالف مع الغرب والقوى الليبرالية والنأي بالنفس على القوى الإسلامية، بل معاملتها كخطر. وعندما تفجرت أحداث الربيع العربي ونتج عن ذلك تأكيد صعود التيار الإسلامي بدأت بعض الدول تشعر بأن التيارات الإسلامية تمثل كعب أخيل هذه الأنظمة، باعتبارها التيارات السياسية التي تتمتع بوجود وسند شعبي داخل البلاد، مما يؤهلها لقيادة أي تحرك شعبي للتغيير.
ولكن الملاحظ حتى الآن أن دولة الإمارات هي الوحيدة التي اتخذت خط مواجهة واضحا مع التيارات الإسلامية في الداخل والخارج، بينما توخت بقية الدول الحذر، باستثناء قطر التي احتفظت بعلاقات طيبة مع التيارات الإسلامية. ولا بد من التنويه هنا بأن خلاف دول الخليج مع الحركات الإسلامية لا ينبع من توجهاتها الإسلامية وأجندتها الدينية، لأن مجتمعات الخليج محافظة بما يفوق طموحات الحركات الإسلامية التي تتبنى أجندة ‘ليبرالية’ مقارنة بالواقع الخليجي. وإنما الحذر هو من قدرة هذه الحركات على التعبئة السياسية وإدخال الجماهير في السياسة، مما يرفع سقف المطالب تجاه الأنظمة، كما هو الحال في الكويت حالياً.
مهما يكن فإن فك الارتباط قد يكون مفيداً للطرفين لأنه يعني بداية تصحيح تشوهات مرحلة الحروب الباردة الدولية والإقليمية وما أفرزته من تحالفات غير طبيعية شوهت أجندة الحركات الإسلامية وفكرها من جهة، وعرقلت التطور السياسي الطبيعي في دول الخليج والعالم العربي عموماً. فقد كان للاعتماد الزائد على الدعم والتمويل الخليجي أثر سالب على الحركات الإسلامية، خاصة في مصر واليمن، كما كان له أثر في تقوية التيارات السلفية المحافظة على حساب الفكرة التجديدي وديناميكية هذه الحركات وتفاعلها الخلاق مع بيئتها المحلية.
وعليه فيجب أن ينظر الطرفان إلى الأزمة الحالية باعتبارها فرصة أكثر منها محنة، لأنها تفتح الباب لعلاقة جديدة قد تكون صحية أكثر. وليس من الضروري أن يكون النموذج التصادمي هو نموذج العلاقة الجديدة، لأنه أيضاً مضر بالطرفين. فليس من مصلحة أحد تجريب المجرب، واتباع سياسة ‘استئصالية’ تجاه الإسلاميين على سنة مبارك وبن علي، وقبل ذلك تركيا الكمالية، وهي سياسات لم يكتب لها النجاح، بل كانت عاملاً في انهيار الأنظمة التي اتبعتها، وهي أنظمة لم تكن محافظة مثل دول الخليج. فليس البديل هو بين احتضان واستغلال الإسلاميين أو محاربتهم، وإنما هناك بديل ثالث، هو المفارقة بإحسان.
لقد أتاح الربيع العربي فرصة أمام الحركات الإسلامية للانعتاق من ربقة علاقتها الخليجية، حيث أدى سقوط الأنظمة المعادية واستعادة الحريات، فضلاً عن تولي الإسلاميين الحكم أو مشاركتهم فيه في عدة دول، إلى انتفاء الحاجة إلى الملاجئ والدعم الخارجي. وهذ بدوره يخفف من أعباء وضرورات التناسق القسري مع السياسات الخليجية، وهو ما كان يفرض تشوهات مرهقة في مواقف الحركات. ولعلنا نشهد في ضوء هذه المتغيرات ‘الحقبة ما بعد الخليجية’ في تطور الحركات الإسلامية، وهي حقبة يصعب التنبؤ حالياً بالشكل الذي ستأخذه، وإن كان المأمول أن يكون التطور إيجابياً في العموم.

Thursday, May 26, 2011

أوباما وديمقراطية أمريكا والعرب

(1) في الأيام الماضية، بدا وكأن العرب اصبحوا محور العالم، على الأقل عند القيادة الأمريكية وحلفائها. ففي عدة خطابات، وكل مؤتمر صحافي، للرئيس باراك أوباما، أصبح 'ربيع العرب' هو مناط الحديث، وليس فقط كقضية سياسة خارجية. فهو قد تحدث عن نهضة العرب المرتقبة باعتبارها نقطة تحول في السياسة الأمريكية، ومؤشراً كذلك على نهضة الغرب ودوره القيادي في العالم. فمن غير الغرب لديه القدرة والرغبة في دعم طالبي الحرية؟ وفي ذلك تعريض واضح بمنافسي الغرب الاقتصاديين في الصين والهند والدول الناهضة الأخرى.

(2)
كان العالم العربي وامتداده الإسلامي- قد أصبح أولوية السياسة الخارجية الغربية مع سقوط الاتحاد السوفييتي ثم معركة غزو الكويت وذيولها. ولكنه تحول بعد أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر عام 2001 أولوية خارجية وداخلية معاً. وهكذا أصبحت أقوال الفقهاء في الجهاد، ومناهج التدريس في القرآن، من اهتمامات الرؤساء والدبلوماسيين والقادة العسكريين في أمريكا والغرب، كما أصبح الترويج للديمقراطية عند العرب سياسة معلنة لأمريكا والاتحاد الأوروبي.

(3)
التحول الذي سعى أوباما لتصويره في اهتمامه بالعرب يتلخص في أنه يأمل أن يكون تواصله مع العرب ليس عبر غزوهم (وإن كان تعقب وقتل بعضهم أصبح من أكبر مفاخره) وإنما عبر مساعدتهم في تحقيق الحرية وحل القضية الفلسطينية. فهو قد أدرك، كما أدرك بوش الأب بعد ضرب العراق، أن نفوذ أمريكا في المنطقة لن يستقر بدون الحل في فلسطين.

(4)
الافتراض وراء كل هذه المشاريع هو أن أمريكا وحلفاءها مؤهلون لتصدير الديمقراطية لأن لديهم فائضاً منها، وعلى تحقيق السلم والعدل لأنهم أهل خير وعدل. ولكن الاستقبال الحار الذي لقيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أعضاء مجلسي الكونغرس الأمريكي ألقى بظلال قاتمة على هذا الافتراض.
فإذا كان رئيس دولة أجنبية، متهما حتى من غالبية شعبه بالتطرف وسوء النية، يلقى من ممثلي الشعب الأمريكي هذا الترحيب الذي يجسد الغوغائية والنفاق معاً، حتى وهو يقف ضد السياسة الأمريكية المعلنة ويهدد بذلك مصالح أمريكا نفسها، فأي نموذج ديمقراطي هذا الذي نرى؟

(5)
في عام 1992 أصدر الكاتب الساخر بي جي أوروك كتاباً عن السياسة الأمريكية بعنوان 'برلمان المومسات'، شن فيه هجوماً لاذعاً على الساسة الأمريكيين وأخلاقياتهم المتدنية، خاصة فيما يتعلق بتزلفهم لأهل المال. وقد علق أحد المنتقدين (ممن هو أكثر يمينية وازدراء لأهل الحكم) قائلاً: ما ذنب المومسات حتى يشبهن بساسة أمريكا؟

(6)
بالمقابل فإنه من السهل الانزلاق في مسار كيل النقد أكثر من اللازم للديمقراطية الغربية وتناقضاتها، ولكن السؤال الذي يثار من هذا السجال ليس هو صحة تلك الديمقراطيات (فغالب أهلها راضون عنها، عدا ما نرى في أسبانيا التي تأثرت بربيع العرب، وحق لها، فإن لنا فيها تراثاً عميق الجذور)، وإنما ما نراه من انحرافها تجاه ظلم العرب.

(7)
لكن اللوم في هذا هو على العرب أنفسهم. فمن التبسيط أن يقال أن ساسة الغرب هم برسم البيع لمن يدفع أكثر، إذ لو كان الأمر كذلك لسهل على العرب شراء الكونغرس وغيره من بائعات الهوى، فإن لهم في هذه التجارة باعا طويلا يقصر عنه باع أبناء العم. ولكن العرب غائبون بحجتهم قبل مالهم، وبضعفهم الذي يجعلهم يستجدون وهم يدفعون، بينما نتنياهو يأمر وهو يتسول.
ولا تثريب على أعضاء الكونغرس إذا ازدروا العرب وتزلفوا لنتنياهو، لأن إهمال العرب وازدراءهم لا يضر أحداً.

(8)
عندما تحرك زعماء أمريكا والغرب للضغط على إسرائيل، وإن كان ذلك على استحياء، فإنما كان ذلك عندما شعروا بأن رضا العرب ضروري لمصالحهم. ولكنهم ما لبثوا أن شعروا بأن كسب انصياع العرب لا يحتاج إلى بذل أي جهد، بل إن العرب هم أعداء أنفسهم. فحصار العراق وغزة وضرب لبنان لم يكن مجلبة لغضب العرب، بل كان مطلب بعضهم، شارك فيه كثيرون بحماس. وفيما يتعلق بالديمقراطية، فإن الغرب لم يتحرك إلا عندما نجح العرب في إسقاط حكوماتهم المستبدة أو كادوا.

(9)
عندما ألقى خطابه الأخير، كان يعبر عن الأمل في أن تشكل صحوة العرب الديمقراطية ضغوطاً على إسرائيل تعينه على الضغط بدوره على الكونغرس ونتنياهو. وهنا يكمن التحدي، لأن الديمقراطية هي في نهاية المطاف لعبة توازنات.
وما لم يثبت العرب حضورهم، حتى إعلامياً وكلامياً (أين هي الإدانات العربية لترحيب الكونغرس بنتنياهو؟) فإن تعليق الآمال بأمريكا وغيرها يكون من قبيل التعلق بالأوهام.
ولعل الأصح أن يقال ان ديمقراطية أمريكا تحتاج العرب أكثر مما يحتاج العرب تدخل أمريكا حتى يتمتعوا هم بالديمقراطية.