Showing posts with label khayri mansour. Show all posts
Showing posts with label khayri mansour. Show all posts

Sunday, October 4, 2009

المثقف الرابع! خيري منصور 10/2/2009

هناك حكاية ذات مغزى عميق تروى عن ثلاثة من الأنذال، صادفوا في طريقهم امرأة جاوزت الثمانين، وقد احدودب ظهرها وحفرت الثمانون تضاريسها في الوجه الذي برز منه الأنف وغارت العينان، وقرر الثلاثة أن يتنافسوا على لقب أنذل انسان في التاريخ، فاقترب الاول منها وضربها حتى سقطت مغشيا عليها وقد تضرجت بدمها، وعلى الفور أعقبه الثاني الذي قال بأنها تحولت الى سلحفاة مقلوبة على ظهرها فأجهز عليها حتى الموت ..
عندئذ لم يبق أمام الثالث ما يتفوق به على الإثنين، لكنه صاح بصوت من حقق نصراً: إن هذه العجوز هي أمي. لهذا استحق لقب الأنذل بين الابناء في تاريخ البشرية ...
عندما قرأت هذه الواقعة خطر ببالي النذل الرابع الذي شاهد ما جرى ورواه بلا أي تدخّل، فلم يكن في تلك الايام أقمار صناعية او هواتف نقّالة تصور ما يحدث، إذ لا بدّ من شاهد عيان... وهذا الشاهد هو الرابع، وحين كتبت الاسبوع الماضي في هذه الزاوية الحرجة عن المثقفين الثلاثة ادركت على الفور ان هناك مثقفا رابعا يشهد، ويصنّف ويروي ويصف أيضا، قد يكون الكاتب ذاته او ما يرشح من لا وعيه، لهذا اصبح لزاما على من يكتب عن الثلاثة، سواء كانوا من الأنذال او الفرسان او أثافي الثقافة الرمادية، ان يحدد موقعا وموقفا، ويتطلب هذا قدرا من الاعتراف، والشهادة عن وقائع وسياقات عيشت في نظم تزعم بأنها تقدمية رغم ما انتهت اليه من شمولية، ونظم أخرى تعيش ما قبل الدولة، ونظم ثالثة تراوح بين اشتراكية خجولة ورأسمالية متوحّشة...
لقد شهدت الأنماط الثلاثة من المثقفين عن كثب وأتاحت لي الظروف هامشا مرتفعا الى حدّ ما يحيط بالمشهد على نحو بانورامي. المثقف الداجن او اللاحم تبعا لمصطلحات اللحم الأبيض يؤدي التحية كل صباح وقبل أن يذهب الى الجامعة او الوظيفة للتمثال الهندي، الذي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم... وهناك فنان آسيوي اضاف الى هذا الثالوث بعدا رابعا عندما حوّل التمثال الى خنثى، فلا هو ذكر ولا هو انثى، بل هو أشبه بنوع من الضباع او الأفاعي ذات الجنس المزدوج، وهذا المثقف يحفظ عن ظهر قلب وبثقة الماكناغارتا والعقد الاجتماعي لروسو ويحفظ خطابات دانتون، ولابد انه قرأ عن روبسبير ونهاية لافوازييه حيث سقط رأسه المقطوع في سلة كانت قرب الجلاد. ويعرف هذه الاشياء وغيرها، لكنه يعتقد أنها لا تخصه، فالغضب للآخرين، وكذلك الحزن والموت، اما هو فلا شأن له بما يقرأ او يسمع، وقد تكون ردّة فعله الوحيدة على قراءة احصاءات الجوع او الوجبة الاخيرة لمن قضوا جوعا وهي ما تبقى من أسمالهم هي التجشؤ والتسبيح بحمد من وفّر له القمح والشعير.
انه يسعى لنيل شهادة حسن السلوك من الأبوين والأبناء والقبيلة والدولة، ويحرص على ان يكون عديم اللون والطعم والرائحة، بحيث يتنقل بحرية ودونما اعتراض من أحد او حدود ...
وقد تكون رواية حضرة المحترم لنجيب محفوظ مثاله الحيّ والأبدي، بحيث لا يريد اكثر من البقاء على قيد وظيفته والحصول على ترقية حتى لو كانت تافهة قبيل الموت بأيام وفي لحظات الاحتضار .

* * * * *
مثال المثقف الثاني وأمثولته معـاً زكريا بطل مسرحية الراحل سعد الله ونّوس 'الفيل يا ملك الزمان'، فهو يقبل بالتضحية شرط ان يكون الآخرون جديرين بدمه، لكنه يكتشف في اللحظة الحاسمة ان المجتمع يريد ان يحوله الى كبش فداء، ثم يتخلى عنه، لهذا عندما طلب منه أهل القرية ان يشكو للملك من الفيل الذي يقتل عددا من الاطفال كل يوم، حاول ان يبدأ، لكنه نظر حوله وخلفه فلم يسمع احدا، عندئذ قرر الانتقام، وهو مديح الفيل، ومناشدة الملك بأن يزوّجه كي تكون هناك عائلة من الفيلة تقتل اضعاف عدد الاطفال يوميا وهي تمشي في أزقة القرية ...
المثقف اليساري الذي اعتذر تحت عناوين من طراز كنت شيوعيا، او عاد اليّ الوعي، او أدركتني التوبة، وظّف خبرته وذكاءه وامتيازه الثقافي لصالح من ادّعى ذات يوم بأنهم خصومه التاريخيون، لهذا اصبح اشدّ فتكا وخطرا من العسس الأميين، وقد تكون الأوبئة التي اصابت ثقافتنا العربية في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي سببها هذه الفيروسات الرشيقة، وسريعة التأقلم، فهي تعرف اكثر من سواها اسرار الرفاق القدامى.
ان ظاهرة زكريا تجلّت مرارا لكن ليس على صعيد بشري خالص، فثمة من انتدبوا للشكوى من ديكتاتور او سلطة غاشمة، لكن اصابهم ما اصاب زكريا من زوغان البصر وهم يجلسون بين أعمدة الرخام ويرون مظاهر من البذخ لم تمر حتى بخيالهم، وقد حدث مثل هذا في ' خريف البطريرك ' لماركيز، لكن بطل الرواية لم يصب بالدوار وهو يشم روائح العطور والتوابل ويرى الملابس البيضاء الأنيقة للخدم وقفازاتهم وهي تداعب الأواني المذهبة، لأنه تساءل: أين تعشش غربان السّلطة في هذا العالم الوثير والناعم؟؟
ان زكريا وتجلياته في ثقافتنا يحتاج الى تأملات وحفريات سايكولوجية لا آخر لها، لأن الخداع الذي مارسته النّخب المعروضة للبيع او الاعارة او الايجار قايضت وطنا بشقّة، ومستقبلا بلحظة راهنة، وتاريخا بوظيفة، وأخذتها العزّة بالاثم لانها لم تتعرض حتى الآن الى مساءلة!

* * * * * *
شهدت ذات لقاء نظمّته اليونسكو لإصدار ما عرف باسم 'كتاب في جريدة' في احدى العواصم العربية، وكان من أبرز المشاركين أدونيس وجابر عصفور، وكنّا بصدد اختيار مسرحية عربية لنشرها في الصحف المشاركة، وأذكر ان ادونيس اقترح مسرحية 'الفيل يا ملك الزمان' لأن مؤلفها الراحل ونّوس كان في طور الاحتضار، وسرعان ما اعترض ثلاثة من المشاركين لأنهم قادمون من ممالك.. وعنوان المسرحية ' الفيل يا ملك الزمان '!!
ثم رشح كتاب آخر للراحل ونّوس هو 'مغامرة رأس المملوك جابر' فاعترض ايضا بعض المشاركين، وحين ذكر عنوان رواية للطيّب صالح هي 'عرس الزين' اعترض ايضا احد المشاركين، فاقترح الحضور مسرحية رائدة لتوفيق الحكيم هي 'السلطان الحائر' لنفاجأ باعتراض جديد من مشارك آخر. هذه عيّنة من ثقافة اصابها الحذر وكثرة الاحترازات بالشّلل .. وإن كنت ارويها الآن فذلك ليس على سبيل الاستطراف، بل باعتبارها وسيلة ايضاح ميدانية تبيّن ارتهان الثقافة للسياسة، وما تعجّ به ذاكرات المثقفين عن الاشباح!
المثقف الرابع يجد نفسه في أقصى العزلة والصّمت لأنه يدرك بأنه خارج التصنيف والخانات والجداول التي تتراشق بها اتحادات الكتّاب او الكتبة في عالم عربي لم تتبلور فيه مهنة المثقف، فهي صفة مرنة ومطاطية، تُمنح مجانا للأميين بمقياس غير اكاديمي، وعلى المثقف الذي يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، ولا ينحني للتمثال الهندي صباح مساء ان يشهد بأن بدائله المجهزين في الثلاجات هم النقيض التاريخي والمعرفي له، تماما كما ان النقيض الفعلي للديموقراطية هو الشبيه الشكلاني الزائف، ويتوهم هذا البديل بأنه قادر على ان يكون مع الله والشيطان في وقت واحد، وبالتالي مع السّلطة والحرية. ان حالته هي الوحيدة التي لا تقبل الاقامة في المساحة الرمادية، فإما ان يكون هناك... او هنا، والمقولة الكلاسيكية عن اعطاء ما للرب للرب وما لقيصر لقيصر انتهت الى اعطاء كل شيء للقياصرة... وهناك حواريتان خالدتان تختصران هذه التراجيديا قدر تعلقها بالمثقف، الاولى سومرية دارت بين سيد وعبده التابع، وانتهت الى ان ضجر السيد وأعدم العبد لأنه مجرد صدى لصوته، والثانية بين شاعر وطاغية، رواها رسول حمزاتوف . فقد سأل هذا الطاغية الشاعر كم يساوي في نظره، فأجاب خمسة آلاف دينار.. فانتفض الطاغية وهو يزبد وقال ان ثمن حزامه الذهبي خمسة آلاف دينار.. عندئذ ضحك الشاعر وقال له : وهل انت الا حزامك؟؟ ولا بأس ان نضيف حوارية أخرى لحمزاتوف ايضا عن طاغية قرر اعدام المثقف الوحيد الذي أعلن العصيان ولم يسبّح بحمده، وعندما اجتمع الناس في ساحة عامة لكي يشهدوا الاعدام اصيب الطاغية بنوبة صحو مفاجئة وصاح بالجلاد: اترك لهذه البلاد مثقفها الوحيد!!!

* * * * * * * *

ان من روى حكاية الانذال الثلاثة سيضاف اليهم اذا اكتفى بنقل الواقعة، ولم يتدخّل لإنقاذ تلك العجوز، لهذا فإن المثقف الرابع قد يكون الجدار الرابع في البيت او البعد الرابع في مفهوم ظلّ مبتوراً واحادي البعد لعدة قرون، ومن استثمروا الجهل والفاقة والأمية وظنّوا بأنهم نجوا بجلودهم وبما نهبوا وما شهدوا به من زور، عليهم انتظار المساءلة بدءا من ابنائهم وأمهاتهم اللواتي توزع دمهن بين الانذال الثلاثة!!!

Sunday, September 27, 2009

المثقفون الثلاثة! - خيري منصور - القدس العربي


المثقفون الثلاثة!
خيري منصور

مصطلحات عديدة بحاجة الى اعادة الاعتبار، وتحريرها من هذا الاستيطان الغوغائي الذي أفرغها من مضامينها وأفقدها الدلالات، في مقدمتها مصطلح المثقف، الذي يطلق في عالمنا العربي جزافا على غير الأميّ، سواء كان شبه متعلم او ذا صلة بالمجال الاكاديمي، وأول ما يخطر ببال هنا هو اطلاق الكاتبة سيمون دي بوفوار صفة المثقفين على أبطال رواية شهيرة لها، والمثقفون هم أبرز مفكري فرنسا في النصف الاول من القرن العشرين والعقد الفريد الذي أعقبه، وفي مقابلة شهيرة أجرتها مجلة الاكسبرسو الايطالية مع جان بول سارتر عرّف المثقف بأنه الوجدان الشقي، ثم ألّف كتابا يجيب فيه عن السؤال المزمن 'من هو االمثقّف؟' ولأن العرب حديثو عهد بالكثير من هذه المصطلحات فقد فلطحوها، مثلما فعلوا بمصطلح الوجودية الذي سرعان ما تحوّل من خلال ترجمات سياحية الى الحرية المجانية او العدمية التي تبرر كل شيء، رغم انها في الصميم من معناها الحرية القاسية، التي تفرض على الانسان ان لا يفعل ما يريد وليس العكس، وقد وضع سارتر هذه المسألة في الحوار المطوّل مع نافيل الماركسي، وحين تبنى بعض العرب تعريف غرامشي للمثقف العضوي وظفوا هذه التعريف في سياقات عجيبة، ومنهم من لم يسمع حتى الآن ان هناك اطروحات ناقدة لغرامشي، منها ما قاله كاتب ايطالي عن كون هذا المثقف الذي قال بأن لكل طبقة مثقفيها،فقد قال ان غرامشي نفسه لم يسلم من التعبير عن مصالح شركة عجلات في بداياتها وقبل ان تتحول الى شركة سيارات فيات المعروفة.
ان التعامل المجزوء والانتقائي مع المعرفة تسبب الى حد كبير في هذا الاضطراب الذي أصاب عدة بوصلات بالعطب، بحيث يصبح الشرق غربا والجنوب شمالا، ولكي لا نستطرد في هذا السّجال النظري حول مصطلح المثقف علينا ان نبدأ من أول السطر في كتابنا العربي الذي زاوج بين الأبجدية واللاتينية على نحو كاريكاتوري، وكم نشعر بالبؤس حين نقرأ بيان موت الحداثة في ألمانيا عام 1815 أي قبل ما يقارب القرنين، وقد غاب عن الوعي الزائف والمستلب ان لكل ثقافة حداثتها، وهذا ما دفع هنري لوفيفر الى ان يضيف ' نا ' الى كلمة حداثة، كي يوحي لقارئه بأنه يكتب عن حداثة بعينها وليس عن الحداثة بالمطلق .

' ' '

ما اعنيه بالمثقفين الثلاثة، ليس مرادفا للفرسان الثلاثة، الرواية الرومانسية لالكسندر دوماس، وليسوا ايضا ثلاثة من المثقفين المحددين بالاسماء والنصوص بل هو مفهوم يبدأ تجريديا واجرائيا وقد ينتهي واقعيا ومرئيا بوضوح ...
المثقف الاول، هو من حوّل ثقافته الى ركام من المعارف وهي تشبه قبّعة او طربوشا، ترتدى عند الكتابة او في مناسبات ذات علاقة بالثقافة، لكنه سرعان ما يخلع هذه المعارف، ويعود سالما الى موقعه.. هذا المثقف نموذج للشيزوفرينيا في أقصى تجلياتها، بحيث يستطيع التأقلم الحربائي السريع مع اي طارىء، ويعود اذا اقتضى الأمر فردا في القطيع او فردا من قبيلة غزيّة التي تفكر له وتحلم نيابة عنه وهو مجرد رقم أصمّ في نسيجها .
قد يتحدث هذا المثقف عن الحرية، والعصيان، والدور التاريخي للنّخب، لكن ما إن يتعرض لأول اختبار حتى يرسب بعدة امتيازات، والأمثلة لا تحصى... فهو استاذ جامعي في التاريخ او علم الاجتماع او الاداب، تنتهي مهمته عند حدود مهنته، فما إن يعود من الجامعة حتى يلتئم السياق الاجتماعي، باحثا بقوة عن شهادة حسن سير وسلوك، فالتاريخ بالنسبة اليه هو ما غَبَر،والآداب هي مجرد أخيلة لا صلة لها بحياته اليومية، وعلم الاجتماع لا امتداد له في المجتمع ومجمل علائقه المعقدة.
هذا المثقف يتزوج ويجاور وينجب ويعيش ويموت فردا ضالا في قطيع، فلا هو ذاته ولا الآخر الذي قرأ عنه وحاول تقمّصه لبعض الوقت، وحجته هي على الأغلب ان المجتمع أقوى منه وأنه لا يستطيع السباحة ضد تيار عارم، لهذا لا يضع رأسه بين الرؤوس ويمشي بمحاذاة الجدار، ويقرفص كي لا تصبح ساقاه أطول من فراشة، ولأن هاجسه الوحيد هو النجاة بجلده فإن اي تأويل لمواقفه او تحميلها ما لا تحتمل يصيبه بالهلع، لهذا فهو ابن بار للدولة، وغير عاقّ للمجتمع، وتوشك قبضته ان تتيبس على منتصف العصا، وخطورته ليست في ما يلحقه بذاته من أذى، بل بالنموذج الذي ينسجه للمثقف امام ذويه وتلامذته في الجامعة او جيرانه، فهم سيدركون بمرور الوقت ان عبارة العلم الذي لا ينتفع به تليق بهذا الكائن الذي يمتلك القدرة على ان يستدير مئة وثمانين درجة كي يقول بأن الارض ليست كروية ولا تدور.
انه نتاج مفهوم شعبي عن الثقافة شاع بعد الحرب العالمية الثانية متزامنا مع بواكير الاستقلال الشكلي والعثور على مجالاات عمل في الشركات التي تنقّب في الصحارى، لهذا تحوّل العلم كله الى نمط انتاج بديل للأرض، وصار الإقبال الشديد على ثالوث الهندسة والطب والصيدلة تعبيرا عن طموحات للعمل بأجور أغلى، وتراجعت الانسانيات وأصبح الناس يسخرون ممن يدرس الأدب او الفيزياء لأنه ينتهي الى معلم بائس في بلاد كذب شاعرها عندما قرن المعلمين بالرسول وطالب بالوقوف تبجيلا لهم، تبعا للموعظة الممنوعة من الصرف والقائلة من علّمني حرفا كنت له عبدا، والأصح من اعطاني رغيفا او دينارا كنت له عبدا ...

' ' '

المثقف الثاني، حسم أمره منذ البداية، بحيث يعيش حياتين، احداهما سرية لطقوسه وقراءاته وموسيقاه ومجمل شجونه المعرفية، والأخرى علنية متوائمة مع القطيع، فالليل له والنهار للآخرين، وقد يكون قد أهّل عقله وبالتالي لسانه كي يكون اثنين لا يلتقيان حتى لو تدخّل اينشتاين بنظريته النسبية لتحقيق هذا الالتقاء.
وثمة عدة عوامل أدّت الى مثل هذا الانشطار الاميبي لدى المثقف اللامثقف، لأن مهنته في بلدان لم تغادر الرعوية غير مفروزة وغير معترف باستحقاقاتها، ولتعذّر اكتفائه بمحصول معرفته يضطر الى العمل في مجالات لا صلة لها بالثقافة، فمن هؤلاء من عمل سائق سيارة أجرة او موظفا في البريد او محاسبا في شركة الكهرباء، ولكي يستطيع مواصلة الحياة عليه ان يقدّم تنازلات يومية، بحيث لا يختلف مع السائد من حوله خشية من النّبذ والاقصاء، فهو يعرف جيدا حكاية العنزة السوداء في القطيع والبعير الأجرب، رغم انه كان مؤهلا لو امتلك الارادة والقوة لقلب المعادلة، فالقطيع هو الأجرب، والعنزة السوداء هي بيضاء قطيعها، وقد ظنّ مثل هذا المثقف المنشطر الى ليل شخصي ونهار جماعي ان المسألة حلّت وحسمت لصالحه، ليكتشف بعد فوات الاوان ان النهار زحف الى ليله، ووجد نفسه ملقى على قفاه في ظهيرة سوداء، لا يتعرف فيها على نفسه لأنه أصبح سواه تماما، وتعرّض الى أسوأ استيطان وجودي عرفه الانسان في تاريخه.
ومن ممارسات هذا المثقف المنشطر الى ليل أبيض ونهار اسود، انه يفضل الزواج من فتاة صغيرة شبه أميّة كي يتولى بنفسه تربيتها، ثم ينشىء اطفاله على غرار ما أنشأه والداه الأميّان، ويعيد انتاج تربويات الزجر والعقاب والتحريض على الكذب بحثا عن النجاة بألفاظ جديدة، لأنه يريد ان يكون في الربع الأول من القرن العشرين وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين دون ان يخسر شيئا، ويريد زوجة وابناء ماهرين في الكذب واسترضائه لأنه لا يقوى على عبء حرياتهم التي تنمو بعيدا عن وعيه ورغما عنه . وقد يدلو بدلوه المثقوب في ندوة عن السلطة والمعرفة، والحرية والارتهان، فيقول اقوال الاخرين لبضع دقائق فقط رغم ان مسامير بسطار السلطة مغروزة بين عينيه.

' ' '

المثقف الثالث، ليس ثالثة الاثافي في هذه الخيمة العربية المصنوعة من رخام مستورد، انه الاطروحة المضادة، والمحاولة الباسلة للبقاء على قيد ضميره ومهنته، قابضا على الجمرة بلسانه لا بيده، فهو يكابد على مدار الساعة محروما من النوم للدفاع عما تبقى من ملكوت لم يتسرب اليه العسس او المتسللين بين الطبقات والمهن لإرباك المعيار وحذف الفارق بين النعيق والهديل وبين الفحيح والحفيف، والكتابة عن هذا المثقف الثالث الذي يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ويشم بأنفه متمردا على منة تأجير الحواس، تستحق اضعاف ما كتب عن المثقفين السابقين، لكن حصة الفردوس كما قال دانتي في كوميدياه هي أقل بأضعاف من حصة الجحيم ...
لهذا المثقف الثالث، تشرق شمس الغد اذا اشرقت... ولنقيضه الزائف المصنوع بأنبوب الدولة والحزب والقبيلة تنعب بومة الغسق، فهو الشرارة الهاجعة في الصوّان، وشفق الكون الأبدي... لأنه رديف القيامة، واللقاح في زمن الوباء، وآخر دفاع علني عن خجل الانسان!
فأين هو ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

Saturday, August 22, 2009

العصاميّ الذي صافح نفسه ! - خيري منصور - القدس العربي


انه ليس بطلا روائيا على غرار العصامي اوجينيه في رواية 'الغثيان' لسارتر، وهو ليس النقيض التربوي للعظامي في أدبياتنا الاجتماعية التي انفصلت وانقطعت عن الحراك الفعلي للواقع، وادرجت في متحف المواعظ، هذا العصامي هو المثقف العربي ما قبل الاخير، لأنه في اقاصي العزلة يقبض على الجمرة باللسان، ولو اتيح له ان يفعل ما فعله الإله اندره في الاسطورة لاختفى في ساق زهرة اللوتس، ما دام الشيطان قد امتلك القوة كلها وحكم العالم، واذا كان صعلوك الامس قد تقاعد بعد أن سحبت الصحراء من تحت قدميه، فإن حفيده المعاصر يعيش غربة مزدوجة وله منفَيان، أحدهما التاريخ والآخر هو نفسه، بعد ان شطرته الشيزوفرينيا الى شاهد وشهيد، فلا هو هنا ولا هو هناك، انه المنبتّ الحديث الذي لا ثقافة قطع ولا جسدا أبقى، فالانسان البدائي، يملك جسده على الاقل، ويتعامل مع الكون بحواسه المشحوذة اليقظة، لكن هذا العصامي يقتاده جسده كما تفعل القطط وهي تدنو من شقوق الابواب لتلوذ بما يتسرب من هواء بارد في عزّ القيظ .
ان العصامي الذي لا يعثر على يد ثالثة يصافح بها نفسه يضطر الى ان يبدو كما لو كان يصفق، لأن مصافحة الذات متعذّرة، تماما كما هو تقبيل الذات متعذّر ايضا، فالآخر هنا ضرورة حتى لو كان جحيما، اننا نضطر الى ابتكاره عندما يغيب، لكن المثقف الأعزل الا من حلم غير قابل للتحقق، يصبح احيانا كبطل الاسطورة المعلق بين الارض والسماء، شفتاه مشققتان من الظمأ، ويقرض باطن خديه من الجوع، بينما تدنو منه العناقيد لتنأى وكلما اقترب من الماء وأوشك على ملامسته بشفتيه نأى ايضا، واذا كانت النصوص الادبية في احد ابعادها وثائق تاريخية ووجدانية، فإن بامكان اي مؤرخ قادم ان يفعل ما فعله ذلك الناقد المكسيكي عندما استخلص تاريخ حقبة من بلاده من خلال نصوص ادبية، وهذا ايضاً ما فعله الشاعر الامريكي كيمنغز عندما اصر على كتابة اسمه بحروف صغيرة ، كي ينبىء من سوف يقرأونه ذات يوم بأنه انسان صغير عاش في زمن صغير، او عصر الترانزستور كما سماه ويلهالم رايش الذي عوقب من الاشتراكيين والرأسماليين معا، لأنه تخطى قشرة الايديولوجيا وبلغ النخاع .

' ' '

كان امام العصامي ان يبحث عن احتياطياته الاستراتيجية في ذاكرته وموروثه، او في الناس الذين حذفتهم الدولة المستبدة من اقانيمها، وأنابت سماسرتها عنهم، لكنه شعر بالخذلان، لأن استلاب الوعي لدى الناس حوّلهم الى امعاء تسعى كالثعابين، وان كانت لا تفرغ سمها الا في جسدها، ونادرا ما يعترف العصامي بهذا الخذلان والاغتراب، لأنه يعاني ايضا من استلاب في الوعي يجعله بالغ الحذر من إدانة الناس من حوله ما داموا هم كل ما تبقى، ان هذا التواطؤ بين المثقف في اقصى العزلة والناس في ذروة الانهماك بما هو ضـروري وأولي يعمّق الفجوة، ويفاقم سوء التفاهم، بحيث لا تسمى الاشياء بأسمائها، ذلك ببساطة لأن من يعملون لحساب سادة الفقر والعنف والاستبداد ليسوا كائنات هبطت من كواكب اخرى، او خرجوا من صندوق باندورا اليوناني المليء بالشرور، انهم من هذه الارض، ومن ذوي العصامي المخذول وجيرانه وأصهاره وزملائه .
وكم يبدو الجدار العازل بين نظام سياسي عربي رسمي وآخر شعبي مثيرا للسخرية، اذا عرفنا بأن الاثنين هما توأما ثقافة وأعراف وتقاليد واحدة، وهذا ما يفسر السرعة القياسية التي تعود لها المعارضات الى الاستبداد ذاته عندما تصل الى الحكم، لهذا لا سبيل الى خلق توازن وهمي بتبرئة التخلف من حصته في تبرير الاستبداد، وادامة عمــر النظم الباترياركية التي تجسده، وتحرم القاصرين من حق الفطام .
ان كثيرا من التشخيصات والاجابات على اسئلة مزمنة تبدو عديمة الجدوى، وعقيمة، لأن الخلل كما يقول التوسير يكون احيانا في الصياغة الخاطئة للأسئلة، ولو أخذنا التخلف مثالا قدر تعلقه بعالمنا العربي فإن ما يغذيه ويدفعه الى الامام مدججا بقوة لا تقاوم هو جملة من الأعراف والتقاليد والمفاهيم السائدة والتي تستخدمها الدولة الاستبدادية باستثمار ذكي وبلا حدود لإدامة بقائها وتبريره، وقد يكون ما ترسب في اللاوعي الجمعي من المخاوف والحـــذر والاحتراز من التأويل اسباب كافية لغياب الاسئلة الجذرية، واحلال الاجرائي مكان الاستراتيجي، وبالتالي التورط في عقد اجتماعي طويل، فالعرب سياسيا يعيشون ما قبل الماكنـــاغارتا وبالتـــأكيد ما قبل الدولة ايضا، لأن ديناميات الحكم والسيطرة منـــــوطة حتى الان بقــوى تراوح بين الدين والقبيلة، خصوصا في هذه الآونة التي ساد فيها حكم المال، الذي بدأ هذه المرة ينتج القبيلة، والنفوذ ويعوّض عدة مفقودات تقليدية .

' ' '

العصامي مطرود من الجحيم ايضا وليس من الجنة فقط، ولا هامش على الاطلاق للمراوحة في منطقة الاعراف حسب ادبياتنا او ما يسميه دانتي الليمبو، وهذا النمط الجديد من المنفى يتجاوز الجغرافيا والتاريخ معا، ويقترب من الميتافيزيقا، لأن هذا المطرود يضطر احيانا للهبوط الى العالم السفلي، او للتماوت على طريقة البعير كي ينجو، وبالرغم من ذلك فهو لا ينجو، لأن العقاب يشمل النوايا، وثمة محترفون لترجمة الصمت بحيث يحولونه الى نص بليغ في المعارضة، والعصيان، ان ثقافة موشومة بالوشاية منذ بواكيرها لا تطيق البطالة عن فقه الاستعداء وتحويل النّميمة خصوصا في بعدها السياسي الى نمط انتاج، وما قاله هربرت ريد عن التحالف الاستراتيجي بل الأزلي بين المثقف المرتهن والقارىء الاعمى يقبل التأويل الى تحالف من الطراز ذاته بين الدولة المهجوسة بالبحث عن شرعية استمرارها وبين المثقف الذي يعاني من عقدة اللااستحقاق، والذي يستكثر على نفسه اي شيء، لهذا فهو مستعد لأن يسبق الحرامي كما يقال في امثالنا الشعبية لإرضاء وليّ النعمة بالنسبة اليه، وولي النقمة بالنسبة لسواه. اننا جميعا نراوح بين سؤال ناقص واجابة مبهمة والمريض العربي المسجى الآن تعالج اورامه بكمادات الماء البارد، وما كان حتى الامس مجرد حمّى تحول الى التهاب سحايا... والاستخفاف على اشده بكل شيء، حتى من قبل هؤلاء الذين انتدبوا انفسهم ناطقين رسميين باسم الشقاء القومي، ومن لم يشهدوا الطائرة لحظة الاقلاع، عبثا نطالبهم بأن يتابعوا حجمها الصغير وهي تختفي وراء الغيوم، وما اقلاع الطائرة وفق هذا المفهوم الا جذر المسألة كلّها، سواء كان هاجعا في تربويات كيدية ملغومة بثقافة التنابذ والاقصاء المتبادل او في شكل السلطة التي تجد من شهود الزور ما يكفي لأن يكون الزواج شرعيا، ليس بين بطلي رواية او فيلم على غرار شيء من الخوف فقط بل بين سلطة ذكورية وشعب يصطبغ بصفات انثوية، فهو الزوجة التي تعاد الى بيت الطاعة بالقوة وهو ايضا الغنيمة لمن يسبق ويسطو على مصيره وقراره .

' ' '

ثمة لحظات تنتاب الانسان يود فيها لو انه اثنان هذا على الاقل ما قاله جان جويو وهو يكتب عن المثقف الذي ينوء بعزلته، وقد تسقط عليه فكرة كالرؤيا يزوغ معها بصره، هذا الكائن الذي يحتاج الى مجدافين وهو يعبر النهر الصّعب، يضطر احيانا الى تقبيل ذاته او مصافحتها، وقد يتزوج نفسه اذا استبدت به الوحشة، لا بالمعنى الجنسوي الساذج الذي يتبادر الى الذهن في مثل هذه الحالات، بل بالمعنى الميتافيزيقي العالي، ما دام الانسان الفاني والعابر بجسده، هو ايضا الأبدي والباقي لهذا لا نبرىء معظم من درسوا الصوفية من القصور، عندما عزلوها عن السياسة، مثلما عزل دارسو الحب العذري عن السياسة ايضا، والتهميش الاجتماعي، الى ان فتح الباحث الاجتماعي الطاهر لبيب أفقا في هذا السياق .
وانني لأتساءل احيانا عن سرّ الانقلاب في حياة مثقفين وناشطين من العرب بحيث يميلون الى الزهد وينكفئون داخل شرانقهم في النهايات... ما الذي يصاب به هؤلاء؟ هل هو اليأس الذي يتحول الى قنوط وبالتالي استقالة شاملة من التاريخ ! ولدينا من أمثولات التخلي والخذلان والردّة ما يكفي لأن نجد تفسيرا لهذه الظاهرة ليس بمعنى ان لنا كعرب طبيعة من طراز غير بشري، كما قال بعض المستشرقين ومنهم طومسون الذي وصف العقل العربي بثمرة الصّبير ورينان الذي صنّف العقل العربي بأنه ما قبل منطقي، ولكن بمعنى سايكولوجي محض، فالافراط في العسف والاستبداد يشلّ الارادة الانسانية، وقد يحول الضحية الى مريض بالماسوشية يستمرىء الألم والاضطهاد، ولا يعيش من دونهما .

' ' '

ان العصامي يقف الآن بين ارهابَيْن، وطاغيتين أحدهما سلطوي مسلح له قوة المحتل او لم يكن اسمه، والآخر تخلف مدجج بأعراف تتفوق على القوانين، والرّوم الذين يقفون خلف الروم كما قال المتنبي هم الآن من صلب هذه الضحية الخرساء، التي تتطوّع بصمتها لكي تصبح جريمة الاجهاز عليها كاملة وبلا شهود او نقصان !

Saturday, July 25, 2009

الإبادة الثالثة! خيري منصور 25/07/2009

عرف التاريخ نوعين من الإبادة، إحداهما دموية، والأخرى سلمية بيضاء، وقد تكون الابادة الثانية اشد خطورة وتنكيلا من الأولى، لأنها تتم بتواطؤ من الضحية ذاتها، عندما تتأقلم مع الصورة التي ترسم لها، ولكي تنجز الابادة السلمية لا بدّ للضحية ان تكون قد أوغلت في الماسوشية، واستمراء القضم، والثقافة ليست في منأى عن هذه الابادات، انها جوهرها وليس في الصميم منها فقط، سواء تمثّلت في لغة او نصوص او أية مرجعيات، لهذا يشكل انقراض اللغات الآن هاجسا جذريا لدى ثقافات تستشعر الخطر عن بعد، واللغة التي تنقرض تأخذ معها كل ما كتب فيها، لأنها ليست مجرد اناء يكسر فيسيل ما يملأه او ينقل الى اناء آخر، وذلك لأن جدلية الفكر واللغة وجمالياتها يتجاوز ثنائية الشكل والمحتوىِ، او الثمرة وقشرتها، فاللغة ليست قشرة لحضارة او ثقافة، انها الأنساغ، والجذور، ونحن نفكر بها أولا، وثمة فنون كالشعر هي فنون لغوية بامتياز لأنها تتأسس على المغامرة داخل اللغة، وقد دفع هذا الاستثناء سارتر الى اعفاء الشعرء من الالتزام الذي طالما كان اطروحته الفكرية قدر تعلق مهنة الكتابة بالتاريخ .
الابادة الحمراء، او الدموية، قد لا تحقق ما تحققه الابادة البيضاء، لأن الاولى تستولد ردود أفعال فورية، وتجتذب شهودا كي تبقى الجريمة ناقصة، اما الثانية فهي الجريمة الكاملة الوحيدة في التاريخ، لأن المفعول به يندغم في الفاعل بل يتماهى معه، ويتلاشى فيه، ونحن الان إزاء ابادة ثالثة، هي نصف دموية ونصف بيضاء، فالسياسة تتولى النصف الاحمر والثقافة تتولى النصف الابيض بلون الكفن لا بلون الياسمين او الثلج، وقدر تعلق هذا بالعرب المعاصرين، فإن امثولة النكبة الفلسطينية رغم تحفظنا على هذا المصطلح لأنه مستعار من كوارث الطبيعة وليس من كوارث التاريخ، قدمت نموذجا لثلاثة انماط من الابادة، فالبداية كانت احتلالا تحول الى استحلال، اي شرعنة السطو ونيل الاعتراف الدولي به، وتحويل المسروق الى استحقاق، ثم كانت المرحلة الثانية وهي اذابة الهوية القومية من خلال الثقافة والفولكلور، لأن استيطان الأرض يتطلب استيطانا موازيا للذاكرة، وهذا ما يفسر سطو اسرائيل على مظاهر فولكلورية في فلسطين، والزعم بأن اشكال التعبير والطقوس الشعبية في مختلف المناسبات هي ذات جذور يهودية، فالطارىء غالبا ما يكون مسكونا ومهجوسا بالريبة لهذا يسعى الى نيل الاعتراف بما اقترف، لأن مثل هذا الاعتراف في حال تحقق هو الضمانة الوحيدة للفرار من المساءلة، في بعديها السياسي والاخلاقي !

'''
ان هذه المرحلة التي دشنها الاعتراف غير المتكافىء منذ خمسة عشر عاما هي مزيج من ابادتين مجرّبتين دموية وبيضاء، وقد بدأت المسألة بما سمي كسر الحاجز النفسي، وهذه عبارة تبدو عابرة في أدبيات الميديا الاختزالية، لكنها ذات دلالات بالغة العمق والتعقيد، فالحاجز النفسي يتأسس على عداء كان سببه الأذى الكبير الذي الحقه طرف قوي بطرف أضعف منه، وتوشك عبارة الحاجز النفسي ان تكون المرادف المجازي لثأر مؤجل، ما دام الظرف الراهن لا يتيح للمعتدى عليه ان ينتقم لنفسه او يتحرر من السطو المسلح الذي حاول تدجينه وحذف هويته، فالتحالف الان استراتيجي وحاسم بين ثلاثة مستويات من الابادة، التي تكون ضحيتها خليطا من اللحم البشري والثقافة واللغة واخيرا الهوية والكينونة .
واذا كانت ردود الافعال السياسية والعسكرية على الابادة الحمراء مشروطة بما يحاصر الضحية ويحول دون استخدام ارادتها، فإن ردود الافعال الثقافية والمعرفية ليست على هذا النحو، وقد لا تستكمل الابادات الثلاث اهدافها الا حين تفرغ الثقافة من محتواها ومن شحنتها ودورها في إعادة الوعي السالب الى وضعه السوي، وما هذا التأقلم المتسارع مع الامر الواقع الا البداية الثانية لانجاز ابادة محرومة من الشهود، لأن اول ما يمكن قوله عن الضحية الخرساء والمتماهية مع جلادها، بل المتلاشية في اطروحاته الثقافية هو ان الاخرين لن يكونوا ملكيين اكثر من الملك، او ضحايا اكثر من الضحية، وما يجب التذكير به في هذا السياق وفي هذا الاوان الرمادي، هو ان الضحايا مستويات منها ما هو امتثالي وماسوشي ومتأقلم ومنها ما هو العصيان ذاته، واذا استبد وباء التأقلم بالضحية فإنه يحولها الى عدو نفسها بامتياز، وهذا ما يفسر لنا انقضاض الضحايا على ضحايا آخرين من جلدتهم بدلا من الانقضاض على الفاعل والذي يرشح ضحاياه الى ائتلاف وتناغم في مصير واحد، ان هذا أبسط الدفاعات الغريزية لدى الكائنات، لكن الانسان انفرد بهذه السايكولوجيا التي تعفّ عنها حتى الحشرات والهوام وهي تدافع عن وجودها وسرّ بقائها، وهناك حالات من ردود الافعال الباسلة على مختلف صيغ الابادات تعيد للغة ومنجزاتها الجمالية الاعتبار، فقد تقوى قصيدة عزلاء الا من رؤاها وجمالياتها وشحنتها الانسانية على صدّ ابادة منظّمة لأن فلسفة الابادة وفقه التطهير العرقي لا ينكسر امتداده الا عند حدود لغة محروسة بمبدعيها، وقد يكون النموذج الذي قدمه الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1948 مدخلا مناسبا في هذا السياق، فهم منذ المستوطنة الاولى، اعلنوا العصيان على الترجمة القومية، وتشبثوا باللغة والذاكرة والتاريخ مثلما تشبثوا بالتراب، فكانوا بعد عقدين من الاحتلال التام والعزل القسري رافدا اساسيا في حركة الابداع العربي، وهذا بحد ذاته مقاومة في أقصى درجات التصدي، لأنهم لو تكاثروا عضويا فقط ولم يفرزوا هذا المنجز الثقافي لكان الوضع مغايرا... خصوصا في عصر لم يكن انقراض الهويات والشعوب فيه عضويا وماديا فقطـ، فهناك انقراض معنوي قد يطال شعبا برمته، رغم انه بان على قيد الحياة، لكن اية حياة !! انها ادنى مفاهيم البقاء الذي يتاح حتى للديدان والطحالب !

'''
للثقافة ايضا كما للأجساد الحية دورات دموية وخلايا بيضاء للمناعة، وهي تتعرض احيانا لأنيميا من طراز آخر، اشدّ فتكا، خصوصا اذا انسحب المثقف من الحلبة، وتشرنق كي يجتر ذاته الفقيرة، ويعيد انتاجها حتى وهو ينظر الى الشمس او سلسلة جبال، ولا يعنينا ما يقال او ينشر من توصيفات للمشهد السياسي العربي، والهشاشة الدفاعية لدى العسكرتاريا الصفراء، لأن هذا كله لن يكون له معنى الا اذا فقدت الثقافة مناعتها، وتحولت الى ظل وصدى وسادت عليها الروح الامتثالية الببغاوية، بحيث يجد المثقف نفسه كالمضبوع في الحكاية الشعبية، يعدو راجفا خلف الضبع الذي نفخ في وجهه وهو يناديه يا أبي ...
وثقافتنا العربية الان مضبوعة، ولا سبيل الى اعادتها للرشد التاريخي الا باسترداد الوعي، بعد كل هذه القرون لا العقود من السبات، والاستغراق في غيبوبة معرفية، لم تكن الغيبوبة السياسية الا من تجلياتها وافرازاتها السّامة !
واذا كان لا بد من فواصل تاريخية هي بمثابة مقتربات منهجية لاستقراء الابادات الثلاث، فإن عام 1492 وهو عام سقوط غرناطة، فاصل تاريخي بامتياز، دفع اكثر من مؤرخ وباحث في عصرنا الى اعادة النظام العالمي الجديد الى تلك الفترة او ذلك السقوط، وهو العام الذي تزامن مع اكتشاف العالم الجديد او الزائر غير المرغوب فيه حسب تعبير شهير لريجيه دوبريه، وقبل غرناطة، كان سقوط بغداد عام 1258 علامة فارقة، حيث أعلنت البومة الخريف ونعبت في الغسق، كنقيض للمثل الانكليزي القائل بأن السنونوة الاولى تعلن الربيع.. وقد نحتاج الى عقدين قادمين او ثلاثة كي نتأكد من ان سقوط بغداد الثاني في مطلع القرن الحادي والعشرين هو شاهدة ثانية على ضريح مغمور بالغبار، وقد يختزل هواة جمع القشور سقوط العواصم الكبرى بسقوط نظام او جنرال او حتى دولة، والحقيقة ان للسقوط دلالات أخرى تتجاوز هذا الاختزال الثأري والقراءة العوراء والكيدية للتاريخ، وكأن على النظام السياسي العربي ان يدرك في تلك الظهيرة السوداء انه فقد عذريته السياسية او ما كان يتوهم انه كذلك، خصوصا بعد ان اتضح ان الدولة العربية السايكوبيكوية هي شجرة لبلاب لا سنديانة او نخلة .

'''
الابادة الثالثة المستولدة من الابادتين الحمراء والبيضاء هي ثقافية، واللغة احد اهدافها البعيدة بل الاستراتيجية، فاذا كان ابو الطيب قد وقف غريب اللسان والقلب في شعب بوان ذات يوم فإن ذرية برمتها قد تكتشف في لحظة ما بأنها ترطن باللغة الأم، وتفتش في سرب الغربان الذي يغطي أفقها عن ريشة بيضاء او حتى رمادية، وقد تجدها، لكن في غراب اشيب .
اننا لا نحتاج الى مناسبة لفتح مثل هذه الملفات المغمورة بالغبار او الملقاة في خنادق امتلأت ببول الكلاب والمارة، وان كانت نوبة السعارالصهيونية التي تعتري دولة مسكونة بهاجس اسبارطي تحرضنا على الاسراع في فتح هذه الملفات وما يسمى عبرنة التضاريس الفلسطينية واسماء المدن والمعالم هو مقدمة لاقصاء اللغة العربية عن الاماكن الممهورة بها، لكأن هناك تاريخا آخر يبدأ بعد التاريخ .
وما يشعرنا بالهلع هو لا مبالاة الثقافة الرخوة بهذه الافخاخ، التي تستدرجها كي تصبح ثقافة أقلية تنتهي الى فولكلور وطقوس موسمية . العَبرنة والتهويد هما مستويان من الابادة، يستكملان ما بدأت به الأَسرَلة، فالاستيطان بدأ بالارض ثم تمدد الى اللغة واخيرا الى الثقافة كلها، وثمة ضحايا لديها الاستعداد ان تقايض دمها كله بحفنة علف او بوسام اقل قيمة من ريشة دجاجة ميتة .
لقد أفرط مؤرخو هذه الحقبة في وصف ما يسمون المابعديات بدءا من ما بعد الحداثة وما بعد الصهيونية وما بعد الاستعمار، واخيرا ما بعد الانسان وما بعد التاريخ، لكنهم اهملوا شيئا اساسيا هو ان هذه المابعديات الشكلاينة عودة غير مظفرة الى الماقبليات بدءا من ما قبل الدولة وما قبل التاريخ وما قبل القانون !
لقد اعلنت الدقّة الثالثة على خشبة المسرح المنهار الابادة الثالثة !!

Sunday, June 7, 2009

شعرية الجهل المسلّح! خيري منصور

اذا صحّ ما نسب الى محمد علي باشا بأنه قال لأحد مستشاريه عندما حمل اليه بضعة كتب كي يقرأها منها 'الأمير' لميكافيلي : انا متفرغ لصناعة التاريخ، اعط هذه الكتب لمن تفرغ للكتابة عن التاريخ، فإن ما يعادل هذا الموقف في ثقافتنا العربية وخصوصا في مجال الشعر، هو عزوف أحفاد عبقر عن القراءة، لأنها تفسد الفطرة، وثمة حسب هذه القسمة من يتفرغ لكتابة الشعر مستلهما ذاته وحدها وما تفرزه من هذيان نرجسي وثمة بالمقابل من يتفرغ للقراءة والكتابة عن الشعر او نقده، ولم يحدث من قبل ان تحول الجهل الى مطلب ابداعي، تماما كما تحوّل الفقر الى مطلب قومي، في ثقافة عنكبوتية، اعتمدت على لعابها فقط لصيد ما تيسر من الذباب، سواء كان ذباب القصائد الميّتة او ذلك الذباب الذي حيّر الشاعر والناقد كرورانسوم عندما سأله عامل في مزرعته ما الذي جعل الذباب ذباباً؟؟
وفي هذه المناسبة اتذكرعبارة كان يرددها الصديق الباقي محمود درويش كلّما تحاورنا حول الكتابة، فقد كان يقول بصوت تمتزج فيه السخرية بالغضب، دعنا من طنين البعوض ولنعد الينا... وسواء كان الطنين للذباب او البعوض او لنقد كالذي وصفه تشيكوف عندما صوّره يحوم حول كفل الحصان، فإن الموقف من الجهل مرّ بثلاث مراحل منذ بواكير ثقافتنا العربية، المرحلة الاولى ما عبّر عنه عمرو بن كلثوم عندما قال نجهل فوق جهل الجاهلينا، والمرحلة الثانية هي مرحلة الشعور بشيء من الخجل بسبب هذا الجهل، أما المرحلة الراهنة فهي الزهو بهذا الجهل لأنه مدجج بأجنحة الدجاج ومناقيرها، فلا هو يطير، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه وكل ما يفعله هو التقاط الحبوب من النفايات او التعثر بأجنحته وهو يعدو بشكل اخرق مثير للسخرية.
كان الاقدمون منا ومن سوانا ينسبون الابداع الى مصادر سحرية، واحيانا الى الشياطين، لكن أجدادنا الشعراء انفردوا بالادعاء بأن شيطانهم الملهم ذكر وليس انثى كما قال الفرزدق، وكنا نظن ان ما تبقى من هذه الاساطير قد تحوّل الى فولكلور ثقافي ينفع الحفريات الانثروبولوجية فقط، لكننا نفاجأ بين وقت وآخر بأن الفرزدق لا يزال بيننا بكامل عموديته ومزاعمه بتهديد مربعٍ الذي قال له ابشر بطول السلامة.
كان اول ما استوقفني للكتابة عن هذا الشجن هو تهرّب شعراء من شعراء درءاً لأي حوار، وبالتالي عزوف شعراء آخرين عن الالتقاء بأي مثقف مهجوس بأسئلة كبرى، وسمعت مرارا بعضهم يقولون ان الجلوس مع فلان يثير الصداع ويفتح نوافذ على الريح العاصفة، من الافضل اغلاقها، ولا ينفصل هذا عن تهرّب اصحاب الاختصاصات والمهن عموما من امثالهم وذلك رغبة في تحقيق الذات وهميا أمام غير ذوي الاختصاص، فالطبيب الذي يتحدث بفخر عن فتوحاته الأبوقراطية امام مرضاه فقط لن يجد من يقاطعه، والشاعر الذي يستغرق ساعات في مقهى او بيت وهو يتحدث عن مغامراته في الابداع امام اناس عاديين لن يجد ايضا من يقاطعه، انه يلعب الكرة مع نفسه ويسجل اهدافا بلا انقطاع ضد نفسه ايضا، وكان من نتائج تحويل الجهل الى مطلب ابداعي ان حلّ التواطؤ مكان الحوار الفاعل، فقد يقرأ شاعر نصّا امام زميل، فيراه يشد شعره ويضرب رأسه تعبيرا عن الاندهاش، وذلك كمقدمة لموقف آخر، تكتمل فيه المقايضة، والثقافة لها مستنقعاتها ايضا عندما تفقد التيار والحراك الخلاق، بحيث تطفو على هذه المستنقعات سراخس وفطريات، وهي معروفة لدى علماء الاحياء بمقايضاتها، لكن الناقد الادبي لم يهتد بعد الى ما يماثلها في الثقافة.

'' ''
على العارف اذن ان يعتذر عن ثقل دمه وثرثرته وما يسببه من صداع لجاهل فقد براءة الجهل الأول، وتقمّص عمرو بن كلثوم، حتى لو كان ما يكتبه هذياناً لا يستحق الادراج تحت عنوان السوريالية او الدادائية، وليس معلّقة مستوفية لشرطها العمودي. هنا تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة وليس العكس ويصبح الاستثناء السلبي وفق القاعة القصديرية التي يأكلها الصدأ هو الايجابي بل النموذج، فالمرحلة كلها كذلك، بجنرالات احصوا اوسمتهم بالهزائم، ورجال مال احصوا ثرواتهم بالتهريب والاسواق السوداء والغسيل السري، وبنجوم فن في التمثيل والغناء استولدتهم شركات الاعلان بالانبوب الملون. وقد نشرت احدى الصحف مؤخرا تحقيقا عن متعهدين جدد لتسويق مطربين وفنانين مقابل تسعيرة محددة، ان كل شيء الان مباح بقدر ما هو متاح، وما من كوابح الا ما تبقى لدى أناس يعيشون حياتهم كما لو كانوا يقطعون مستنقعا، وقد وضعوا ايديهم على انوفهم واحيانا على عيونهم.
والمسألة اخيرا هي القدرة العجيبة على خداع الذات والتصديق بأن النافذة المرسومة على جدار سوف تخدع الطير والريح والضوء، لقد تحولت ديناميات التفكيك والتذرر وقضم الذات الى متوالية فيزيائية، فأصبح التخلّف ليس مجرد مساحة غامضة او كم مهمل، انه الان يتفاقم بقوانين نمو صارمة، وهذا ما يحدث للذائقة التي تم افسادها بشكل مبرمج وممنهج، فالسوق شبه مملوك الان لحزمة من هادمي التاريخ، كمقابل لما سماه ستيفان زفايج بناة التاريخ، واذا كانت الرأسمالية في ذروة توحشها قد احدثت كل هذا الانهيار الذي طال حياة الافراد مثلما طال المؤسسات الكبرى، فإن ما أفرزته ايضا وفقا لثقافة الاستهلاك، والانسان ذي البعد الواحد حسب وصف هربرت ماركيوز على صعيد المعرفة والفنون لا يستهان به، وان كان ما يبدو منه الان هو الجزء الذي نتأ من جبل الجليد، فالكوكب برمّته عرضة للارتطام بما يشلّه ويحوّله الى أطلال وليس تايتانك فقط. لهذا تصبح التفاسير التي قدمها نقاد جادون وعلماء جمال للشكلانية التي تظهر بشكل فج واستعراضي في مراحل بعينها، هي مراحل الخريف التي تنتاب الحضارات وتفرغها من المعنى والهدف، تماما كما حدث في نهايات الحضارة الرومانية، عندما تحول النوع الى كم والداخل تمدد الى الخارج، وعصف الفراغ الروحي العميق بالانسان حتى شيّاه وحوّله الى مجرد شبه جملة في الكون!!

'' ''

عاملان اساسيان ساهما في تعويم المعيار المعرفي، اولهما التضخم المبالغ فيه حتى التسّرطن في وسائل الاعلام والاتصال والمنابر الباحثة عن علف على مدار اللحظة، وثانيهما هو الانصراف الاجتماعي عن الاسئلة والهواجس الوجودية، فالناس تصوغ أمزجتهم شركات اعلان، لا تكف عن اسالة لعابهم على ما لا يملكون وما لن يملكوا على الاطلاق، وهذا ما عالجه اريك فروم على نحو بالغ العمق والحساسية في كتابه ' ان تملك او ان تكون ' وهذا العنوان تحريف مقصود للمقولة الشكسبيرية : ان تكون او لا تكون.. تلك هي المسألة.. وقد سخر فروم مثلما فعل فالهالم رايش في نصائحه للإنسان الصغير او الانسان الترانزستور في عصر تقزّم فيه كل شيء الا التوافه فهي مجرد محارات ملونة لكنها فارغة من اللؤلؤ، واحيانا تحشى بكرات من البلاستيك ذي الألوان الفسفورية الخاطفة للأبصار!
ان قوة الجهل رغم كونها عمياء، هي الان ما يرسم تضاريس الحياة، سواء تحت شعار العولمة التي لا تعني ما هو أبعد من القطعنة ونزع الدسم والخصائص وتحويل البشر الى قطع غيار متماثلة او باسم حريّات عديمة الجذور وبلا آفاق لأنها تنحصر في نطاق اشباع الغرائز، والاستجابة العضوية لمؤثرات صناعية مدروسة ومعدّة بعناية استراتيجية. وقد تكون العيّنات التي تقدم احيانا من طلبة الجامعات في العالم ومنسوب الوعي والثقافة العامة لديهم دليلا يجسّد ما ارتهن اليه عالمنا عندما قبل بأن يعيش بالخبز وحده، ويعيش ليأكل فقط رغم انه لا يحقق حتى هذا الهدف البدائي الذي تحققه الكائنات الادنى بلا ضجيج، واسوأ ما يمكن حدوثه في مرحلة ما هو العودة الى جدول الضرب والبديهيات المنطقية لأن معي ذلك ان الشك في جدوى العقل والخبرة الانسانية قد بلغ ذروته، بحيث نضطر احيانا الى التورط بسجالات حول دور الثقافة في الفن وتأثير الفلسفة على الابداع، او الدفاع عن حق المبدع في تحصيل المعارف المنجزة في مختلف الثقافات، هذه العودة البائسة الى جدول الضرب، تحرمنا من مراكمة خبرات جديدة، ومن متابعة ما يطرأ على المعرفة بمختلف حقولها من انقلابات حفرية، والمثقف العربي قد يضطر لهدر ثلاثة أرباع طاقته ليدافع عن حقه في استخدام الربع الباقي، لأنه لم يحدث في أية ثقافة او محيط حضاري ان طولب العارف بالاعتذار عما اقترف من معرفة، وعليه ان يشرب من نهر الجهل والجنون معا كي يستطيع التأقلم والتفاهم مع من شربوا.
وقد ساهمت الفضائيات في بث ثقافة استهلاكية وبضع مصطلحات يتداولها الناس بمعزل عن سياقاتها وجذورها مما خلق وهما بالمعرفة، وهو أنكى من الجهل، لأن نقيض الوعي هو الوعي الزائف كما ان نقيض الديموقراطية ليس الديكتاتوريات كما نتصور احيانا، بل هو الديموقراطيات الشكلانية الزائفة التي تحقق اشباعا وهميا لرغبات مزمنة. والكلام لبضع دقائق او كتابة عمود صحافي من مئة كلمة قد لا يفتضح عري الامبراطور المزهو بعباءته المطرزة وصولجانه المكسور، لأن ما يبث من ثقافة شفوية ، يكفي لصياغة بضعة سطور هي في حقيقتها شيك بلا رصيد سواء في بنك صاحبها او حسابه المعرفي.

'' ''
كان الجهل البريء حافز المعرفة الأولَِ، لكنه ما إن أصبح صناعة عصرية، وتلبية لاستراتيجيات سياسية وسلطوية حتى فقد براءته، وتسلح بأنياب تدافع عنه ضد كل معرفة. وكم يبدو الكاتب حتى لو كان شاعرا او روائيا مثيرا للعطف وهو يشيح عن معارف يتصور انها خارج ملكوته الابداعي، فالاقتصاد في بعده المعرفي من صميم مشروع الكاتب، الذي يدرك الان او لا يدرك بأن هناك اسواقا وبورصات ومافيات للورق والطباعة والنشر والتوزيع، وصناعة النجاح الموسمي.
وبامكان الشاعر العربي الذي ادار ظهره للمكتبة وألقى بجسده على رصيف العالم ان يستمر في اوهامه ولامبالاته... لكن ذلك لن يعفيه من الصدمة التي تحدث عنها سبندر عندما قال بأن شاعرا من هذا الطراز في الحرب العالمية الثانية ، لم يعفه جهله بالفيزياء من قتل والده... بأمر عسكري تسربت اشاراته من مسامير المقعد الذي كان يتقاسمه مع صديقته في حديقة عامة!!

Saturday, May 30, 2009

أربعة بورتريهات وكاريكاتور! خيري منصور

تروي اليزابث درو حكاية رسام ظلّ يرسم شجرة يوميا حتى تحوّل هو الى شجرة، وهذا الحلول ليس صوفيا، كما انه ليس أورفيّا بحيث تناسخت أرواح كائنات منها الثرثار ومنها الصامت، لكن الشجر ايضا يثرثر من خلال خضرته وحفيفه، لهذا لم يجد بيكاسو ذات يوم وبعد ان فرغ من رسم تجريدية خضراء ما يقوله سوى انه مشى طويلا في الحقول حتى اصابت التخمة عينيه، فبكى دموعا خضراء، وقد لا تليق عبارة تصفية الحسابات بالفنون ومنها الرسم، رغم ان المسألة لا تخلو من ذلك، فلكل فنان عدو يبتكره منذ الطفولة ان لم يجده متحققا في الواقع، هذا العدو قد يكون معلما صارما او أمّاً قاسية من طراز امهات رامبو وميلر وشوبنهاور فهذا الاخير كان يقول لأمه وهي كاتبة متواضعة ان التاريخ سوف يذكرها لأنها مقترنة به كأم فقط.. أما ميلر فكانت امه تسخر من كتابته وتقول له بأنه يصنع فاصولياء من الطين، ومنذ زمن راودتني فكرة الرسم باللغة، لكن ليس على طريقة الراحل نزار قباني في ديوانه 'الرسم بالكلمات'، لأنني تعلمت من سيمونيدس ان الموسيقى رسم ناطق والرسم موسيقى صامتة، وبين هذين الشاطئين تتحرك امواج ودوامات كثيرة ....
ان البورتريه كما أعنيه هنا ليس شخصية روائية تبحث عن مؤلف، على غرار شخصيات بيراندلو في مسرحيته 'ست شخصيات تبحث عن مؤلف'، انه مقاربة سايكلوجية بقدر ما هي اجتماعية لأشخاص صاغتهم ظروف استثنائية، منها فائض الفقر ومحاصيله من الشقاء، والمهارة في فن التأقلم الحربائي بحثا عن النجاة، ومنها الفشل المتكرر الذي لم يعثر على مشجب من الذرائع المقنعة للآخرين.
والبورتريه الأول، لشخص يشبه الى حد بعيد احد أبطال ديستويفسكي، الذي كان يتذرع بمرض امه وعنايته بها كي يبرر كسله اولا، ومن ثم فشله في مهنة الكتابة، هذا الكائن لم يعش في القرن التاسع عشر ولم تتجمد عروقه في سيبيريا، عاش على الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط وحلم وهو صبي بعدة مهن، كانت كلها مستقاة وبالتالي متقمصّة من افلام سينمائية في مرحلة الأبيض والأسود، كان يشاهد المحامي الوسيم العاشق فيتقمصه على الفور، واذا شاهد بعد ذلك طبيبا او مهندسا او صحافيا يسرع الى تقمصه لعدة ايام، واحيانا كان يروي لأصحابه ممن لم يشاهدوا تلك الافلام حكايات هو بطلها وكل ما يفعله هو تغيير اسماء البطلات، ولم يستطع طيلة مرحلة المراهقة ان يفوز بعلاقة واحدة مع طالبة او ابنة جيران او حتى خادمة، لهذا اعترف ذات يوم بأنه كان يدفع للبغايا أجرا مضاعفا كي يستجبن له اذا ناداهنّ باسماء نساء اخريات، هذا الكائن نصف ذكر وليس نصف انثى، لأنه أدمن ابتكار اناثه من صلبه الذكوري، وهو نصف شاذ ايضا لأن ميوله غير الطبيعية توقفت عند طور العذراء، بمعنى آخر لم يتحول الانحراف النفسي الى انحراف عضوي، لهذا بقي الاشتباك على أشدّه بين نصف الذكر ونصف الانثى، وقد حاول ان يجمع عدة انصاف دفعة واحدة، حتى على الصعيد المهني، فهو نصف صحافي ونصف معلم ونصف تاجر، وبأبسط القواعد الحسابية فإن هذه الانصاف لا تقبل الجمع، بل تبقى انصافا متباعدة ...
البورتريه الثاني لنصف امرأة، قررت منذ طفولتها الذكورية المحاصرة بأعراف صارمة ان تتعهد الغلام الذي ولد من صلبها، والذي حملت به من غير رجل فهي اشبه بنوع من الأفاعي ذات التكوين الجنسي المزدوج والمكتفي بذاته.
هي نصف رجل عندما يتطلب الامر استدعاء الاحتياطي الذكوري لوظيفة او نشاط سياسي، ونصف امرأة اذا أيقظت نرجسيّتها الهاجعة اشارة او كلمة او حتى ايماءة، ونادرا، بل من المتعذّر، ان يجتمع النصفان في بنطال واحد، وهذا النمط من الشيزوفرينيا يتجاوز التعريفات الكلاسيكية لازدواجية الشخصية لأنه خاضع للوعي، ومحسوب بدقّة، وتتوزع الأدوار تبعا لمتطلبات واقعية . قالت مرة لإحدى صديقاتها انها تحسد النساء اللواتي يحملن اسماء تقبل ان تكون لذكور واناث مثل جهاد وصباح، لأن هذا يسهل عليها العزف على وترين معا، واذا كان نصف الرجل يتعاطى ذاته على المستوى الجسدي ولا يحتاج الى طرف آخر لتحقيق رغبة ما فإن نصف المرأة ايضا تفعل ذلك ولها علاقة بذاتها فقط .
نصف الرجل يغار من المرأة لأسباب معينة، ونصف المرأة تغار ايضا من الرجال، لأن الأمر ليس محسوما لدى الطرفين، والتبسيط الجنسوي لهذه لكائنات يحرمها من الغنى والتنوع والعمق، لأنها اذا صنّفت بالشذوذ فذلك على المستوى السايكولوجي الممنوع من الترجمة العضوية .

'''

البورتريه الثالث لشبه مثقف، لا يعي أنه هو النقيض الفعلي للمثقف وليس الانسان العادي، حتى لو كان جاهلا، لا يرى هذا الكائن من المثقف غير القرائن المصاحبة له سواء على صعيد اللباس والاكسسوارات وطريقة الكلام والافراط في مسرحة ملامح الوجه، او حركة الاصابع، او على صعيد اصطناع الحيرة والتهجم والضيق بكل ما تقع عليه العين، ولا تشكل القراءة أي بعد في تكوين هذا الشبيه، لأن ما يلتقطه من المقاهي وكلمات الناشرين على الأغلفة يكفي ولو لبضع دقائق من ثرثرة المقاهي، او حتى لمقالة من مئة كلمة، غير قابلة للتكرار كبيضة الديك، واذا تجاوز زمن الثرثرة او السجال ربع ساعة فقط يتذرّع هذا الشبيه بالحاجة الى الذهاب الى اي مكان، حتى لو كان الحمام مثلا، فالمؤونة التي اعدت لا تكفي اكثر من هذا الوقت، اما آراء هذا الشبيه بالمثقفين من مختلف المستويات والاتجاهات فهي خلاصة لأدبيات النميمة في مجتمع تفتك به البطالة، فيأكل الناس فيه لحم بعضهم احياء وموتى... ومن هذه الآراء التي اصبحت مستعملة حدّ التهرؤ ومحفوظة عن ظهر قلب او قلم، ان من يحقق قدرا من النجاح في مجاله لا بد ان تكون هناك مطية قد حملته الى هذا المرتفع، ولا يتردد الشبيه في ابتكار القصص خصوصا ذات الايحاء الجنسي لتفسير نجاح كاتبة او كاتب، فالكاتبة لا بد ان يكون لها عشيق مجهول يكتب لها او يعيد صياغة ما تكتب على الأقل، واذا عزّت الابتكارات الجنسية فإن السياسة وقاموسها الهجائي المتوارث خمسة عشر قرنا تقدم البديل، فالمثقف الذي يحلق ذقنه بانتظام ويستحمّ ويعتني بنفسه بحيث لا تكون له رائحة نعجة أو ضبع هو يميني، وبورجوازي متعفن، لأن الشبيه يحتكر اليسار كله قدر تقديم هذا الاحتكار مبررات للفشل. وهو ايضا عدمي وعبثي يردد ثلاث او اربع مقولات لسارتر او كامو او كيركيغارد، رغم ان هؤلاء تجاوزوا عدميتهم الأصيلة بإعطاء حياتهم معنى، وكانوا اخلاقيين اكثر من خصومهم التقليديين الذين وصفوهم بالهلستية والتسيّب وانعطاب البوصلة الاخلاقية، ولا يعرف هذا الشبيه ان الحرية لدى من يدّعي الانتساب الى سلالتهم الوجودية هي ان لا يفعل المرء ما يريد وليس العكس.
وحين احتلت باريس لم يدر سارتر او كامو او اراغون ظهورهم ليقولوا بأن الوجود لا معنى له، بل استبدلوا اقلامهم بالبنادق، واحيانا حوّلوا الاقلام الى بنادق كما حدث في منشورات منتصف الليل وافتتاحيات جريدة 'كومبا'!
ولقد تساءل سارتر مثلا كيف يمكن لمثقف ان ينام ولو ساعة واحدة بلا كوابيس اذا كانت بلاده محتلة، وهويتها مستباحة او منتهكة، العدمي الشبيه يبحث عن ذريعة ثقافية كي تتحول الى ورقة توت تستر عورته كلص او أفّاق او سمسار متجول.

'''

البورتريه الرابع، الثوري تائب، تقاضى ثمن هذه التوبة، وتحول الى واعظ بالواقعية، وهو كما يتجسد في الشيوعي الذي حوّل الاعتذار عن الماركسية الى نمط انتاج في الحرب الباردة، فهو الطبال الذي لم تتحدث عنه السيدة سوزان مؤلفة كتاب 'من يدفع للزمار'، ومن المعروف ان الحرب الباردة قدمت سوقا سوداء، وما هو أشبه بالبورصة تحددت فيها التسعيرات لمن عاد اليهم الرشد وأعلنوا الفطام بل الختان المتأخر عن موعده عشرين عاما على الاقل، وهذا الكائن الذي زحف باتجاه اللمبو من جحيم الشيوعية الى الفردوس الارضي كما قدمته الرأسمالية في ذروة توحشها لم يمكث عند ذلك الهامش طويلا، بل كان بانتظار فيزا الدخول الى الملكوت الاخضر لا بلون غاباته او عشبه كما صوره والت ويتمان، بل بورقة الدولار.
والثوري التائب قد يكون شاعرا او روائيا او مجرد ناشط سياسي، احس في الثلث الاول من الطريق بانعدام الماء والزاد وحتى الرفيق كما قال ازرا باوند، لهذا كان العود بالنسبة اليه هو الأحمد، ونادرا، ونادرا ما كان تبديل الجلد واجراء جراحة لاستئصال الوشم تلبية لهاجس نقد الذات بالمعنى الذي اشار اليه جورج لوكاتش الذي اعتذر بعد التحول او بمعنى ادق بعد النضج عن مقالة شهيرة كتبها عن الشاعر طاغور.
ان ما يقابل نمط الانتاج الاسيوي نمط انتاج ثقافي آخر، له صلة ايضا بدولة الاستبداد وتجليات المسألة الشرقية ثقافيا.. والتحول من مثقف ذي مزاعم واطروحات راديكالية الى عسس اعلامي في الاسبارطات الحديثة شكل نمط انتاج تزاوج فيه الرّيع مع فساد الضمير، ما دام المعيار المقترح من بنات افكار جحا، ومن موروث النقائض الاموية، والسيرة الشعرية للحطيئة واحفاده!

'''

الكاريكاتور في بعده المقاوم، سفّه الديكتاتور وسعى بوسائله الى تقزيم مردة من ثلج او زَبَد .... هنا أرسمه لمثقف استولد بالانبوب الايديولوجي او الصقت له السلطة ساقين من الخشب وادخلت الى حنجرته آلة تصدر صوتا يشبه الصهيل لاخفاء موائه وفحيحه.
له اذن اكبر من اذن الفيل وعين اصغر من عين فيل طفل، مطلوب منه الاصغاء فقط لأن شهيقه زفير وزفيره شهيق، ولا مانع لديه ان يباعد بين جثتين كي ينام اذا استبد به نعاس القيلولة الذئبية.

Saturday, May 9, 2009

حرف وثلاث نقاط! خيري منصور القدس العربي 5/9/2009


النقطة الاولى على هذا الحرف الأصمّ هي لرينر ماريا ريلكة، الشاعر الالماني الذي قال عنه الفيلسوف مارتن هايدجر ما يبقى يؤسسه الشعراء. وكان هذا الفيلسوف قد اعترف بالفضل للشاعر الميتافيزيكي الذي قال بأننا نغادر الوجود قبل ان نتقن عادة الحياة وان الموت هو البذرة التي تولد مع الجنين وفي جذر كل شيء حيّ، وليس هذا هو المقصود بنقطة ريلكة على الحرف، انه شيء آخر، لخّصه الشاعر بعبارة مشحونة بالاسى والرواقية معا، عندما قال 'كل من يقترب مني يغتني ويهجرني'. وللأمانة فإن أول من لفت انتباهي الى هذه العبارة هو الشاعر فوزي كريم، عندما جعلها مصباحا على عتبة احدى قصائده، ولا بد ان الشاعر الذي استوقفته العبارة، أحس ذات يوم بأن الاخرين سريعو الاقتراب، ولكنهم بطيئون في الهجران، ليس فقط بحثا عن مزيد من الاغتناء بل لأن الفرار في مثل هذه المواقف يقترن به احساس بالإثم، لكنه احساس سرعان ما يتبدد كالخجل تماما، لأن الانسان مفطور بالسليقة على التّسويغ وسرعة التأقلم. لهذا فإن المرايا مضللة لمن يدمن التحديق اليها، فهو يكبر في السّن وتتغير ملامحه وتظهر الاخاديد في وجهه بالنسبة للآخرين، الذين لا يرونه يوميا ولا يشاركونه التحديق الى مراياه !
انها ثلاث خطوات... على التوالي اقتراب فاغتناء فهجران، لكن ريلكة ليس كشاعر معنيا بالتحليل السايكولوجي لهذا الهجران، فهو ككل الشعراء العظام يقطر رحيق خبرته في صور بالغة العمق وقابلة لتأويلات لا حصر لها....
تفسيرنا لهذا الهجران بعد الاغتناء هو ببساطة كون المقترب الذي يشكو اساسا من فراغ روحي عميق، ومن رغبة في تحقيق الذات من خلال عوامل خارجية، يخشى الافتضاح، خصوصا عندما يتورط في محاكاة النموذج الذي اجتذبه، فالاعجاب بالآخر ان لم يكن على مستوى ولو في الحد الأدنى من النديّة يتحول الى عاطفة سلبية، لأن كل مشبّه يذكّرنا بالمشبه به، وكل صورة تذكرنا بالأصل، بحيث لا يكتمل غياب الاصل الا اذا كانت هناك صورة شائهة تذكرنا به، فالنقيض العضوي والحقيقي لأي شيء هو ما يماثله ويقلده وبالتالي يكون على شاكلته بمعزل عن المكونات الأصلية والجوهر ..
ما قاله الشاعر ريلكة رواه مثقفون فرنسيون ومن امريكا اللاتينية عن ازرا باوند، حيث قال أحدهم ان كل من اقتربوا من الرجل واغتنوا هجروه، وما من واحد منهم لم يطعنه عندما أزفت الفرصة، لهذا فإن ' بروتوسات ' ازرا باوند وأمثاله أنكى من بروتوس في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، وفي رواية 'شيء من الخوف' التي تحولت الى فيلم سينمائي عربي شهير يقترب أحد الشخوص الذين يعانون من تجوّف في بناء الذات من البطل عتريس، ويعجب به، ثم يتقمّصه لكنه ما إن يضبط عتريس مع زوجته حتى يصاب بالجنون بعد ان يدرك بأن هناك عتريسا واحدا من لحم ودم، وان من يتقمصه هو مجرد ظل او صدى !
ان حياتنا اليومية خارج النصوص تعج بأمثلة من هذا الطراز، فثمة كائنات فقيرة المناعة ورخوة في كينونتها، لهذا فهي سريعة التأثر، وهاملتية الى اقصى الحدود في ترددها وخوفها من اتخاذ اي قرار حاسم ! وما قاله الشاعر العربي أعلمّه الرماية كل يوم... لا يخرج عن هذا السياق فما ان يشتد ساعد الظلّ او التابع حتى يرمي من علّمه الرماية، وذلك أمر مفهوم من الناحية السايكولوجية، لأن التابع لا يريد أي قرينة تذكّره او تذكّر الناس من حوله بالأصل الذي ينسج بمنواله، ويقتفيه واخيرا يتقمصه !
أما الحكمة المأثورة القائلة اتقّ شرّ من احسنت اليه، فيندر ان نجد لها مرادفا في الثقافات الأخرى، وان كانت العبارة التي اطلقها يوليوس قيصر في وجه بروتوس هي الاقرب اليها، لهذا قلت ذات يوم ساخرا بأنني أصدق ما يقال عن أصل شكسبير بأنه عربي.. فقط من أجل تلك العبارة التي ولدت من (اتق شر من احسنت اليه) !

'''

النقطة الثانية على هذا الحرف هي ما أراد جان جينيه ايصاله عبر مسرحية الخادمتان، حيث ينتهي مشهد الاعجاب والتقمص الى الكراهية وأخيرا الشروع في قتل النموذج، لكن ذكاء جينيه وخبرته النفسية جعلته يحرم الخادمة من تحقيق هذا الثأر، لأنها ادركت عبر المؤلف بالطبع ان سيدتها ومخدومتها التي تقمصتها واصبحت ترتدي ثيابها وتستخدم ادوات التجميل الخاصة بها ومراياها قد اصبحت في داخلها تماما لهذا لا سبيل الى قتل السيدة الا بانتحار الخادمة، لأن السيدة لم تعد خارجها !
ان تأويلات مسرحية جينيه تشمل السياسة ايضا، فمن يولدون في ظلال زعماء ذوي نفوذ يبدأ لديهم الحلم بالحلول مكانهم، وقد تكون الانقلابات العسكرية خير مثال لهذا، وهناك مسرحية لألبير كامو تناولت هذا الموضوع بمهارة مثقف خذلته السياسة هي مسرحية 'العادلون'، فالذي يأتي بعد الطاغية ويعد الناس بالاصلاح، سرعان ما يصبح الأسوأ مما يستدعي الحنين الى سابقه .
في جميع بلدان العالم تتكررهذه الظاهرة، وان بدرجات متفاوتة، وثمة أنماط من المعارضات السياسية اذا اتيح لها ان تستحوذ على السلطة تصبح اسوأ بكثير ممن انقلبت عليهم، لأنها تكرر أفعالهم وتضيف اليها ما تشعر بأنه يخصها ضد تكرار التجربة .
بالعودة الى جان جينيه، نجد ان الافراد الذين تجتذبهم نماذج بعينها وتأسرهم بحيث تفقدهم الحول والقوة، ما إن تشتد سواعدهم حتى يبدأون بالرماية، والهدف الأول الذي يجري التدريب عليه سرا هو المعلم، ولا تبعد هذه الأمثلة كثيرا عمّا يسميه فرويد جريمة قتل الأب، فالأب هنا ليس مجرد رب العائلة، انه النموذج المحلوم بالاحتلال مكانته ودوره سواء كان قائدا او شاعرا او من اي مجال آخر، فالمعنى يتجاوز ثنائية الآباء والأبناء في بعدها العضوي، وما يكتب احيانا عن ضيق الاجيال الشابة برموز الأدب وعلاماته الفارقة ينتمي الى جريمة قتل الاب، رغم ان ثقافتنا العربية التي لم تفرز علماء نفس من طراز فرويد أفرزت جرائم قتل اخرى على صعيد رمزي، منها جريمة قتل الأخ وجريمة قتل الابن واخيرا جريمة قتل الزميل، اضافة الى جريمة ابادية قد تشمل العائلة كلّها !

'''

النقطة الثالثة على هذا الحرف ليس لها مرجعية معرفية محددة، فهي مبثوثة في حياتنا لكن شدة الألفة تعمينا عن رؤيتها، انها الضّيق النفسي الذي يشعر به الانسان النكرة او من يعتقد بأنه كذلك، بالرغم من أن الشهرة بكل تجلياتها ومغناطيسها هي مجرد وهم، وما ان يحقق الانسان قدرا منها حتى يشعر بالحصار، خصوصا اذا كان ذا شجن أصيل، وهواجس نابعة من قلق وجودي عميق، وفي احدى قصص المنفى والملكوت لألبير كامو يضطر كاتب الى ان يبني لنفسه قفصا كبيرا فوق شجرة كي يحقق العزلة التي كلما حقق شيئا منها استبيحت، ومفهوم العزلة هنا ليس بالمعنى التقليدي، انها عزلة برديائيفية بامتياز، لأن برديائيف كان أفضل من فرق بين العزل والانعزال، اما البير كامو فقد اراد بمفهوم العزلة الاقامة في لحم الوجود ذاته، اي ان يكون المرء وحيدا بقدر ما يكون الجميع، لهذا ادان كامو البشرية كلها اذا تعاملت مع سجين في اقصى العالم لأنها لا تسمع انينه، وهو المعنى ذاته الذي كتب عنه الشاعر الاسباني لوركا، عندما تحدث عن أنين حمامة جريحة أخطأتها رصاصة الصيّاد .
ان الفارق الجوهري بين فنان يحدق الى اعماقه وبالتالي الى أعماق الناس جميعا وبين فنان يتجه الى خارجه، يتجلى في المنتج الفني لكلا الاثنين، فالاول يستقرىء ذاته اولا، والثاني يحتاج الى ما يرتطم به كي يتأكد من أنه موجود، تماما كما هو الرجل الطائر في أحد براهين ابن سينا على وجود النفس وبالتالي خلودها، وهي التي هبطت كما قال من السماء الأرفع، زرقاء ذات تمنّع .
ان الفنان ليس صياد مفارقات، فهو أشبه بالنورس الذي يضرب به المثل في الرشاقة الفائقة لأنه يصطاد السمكة قبل ان يراها . ولاستكمال النقطة الثالثة، او الأقنوم الأخير في هذه التداعيات، لا بد من ربط ما بين التقمص والعزلة الطوعية، فالعزلة قد تكون وقاية من الانجذاب الكاذب، ومن خادمة جان جينيه التي انتهى بها الاعجاب الى الكراهية، لهذا تشتد العزلة عندما يستشري الوباء وتصبح العدوى أسهل من الشهيق والزفير .

'''

لقد دفع اورفيوس ثمن فضوله الوحشي عندما التفت الى حبيبته وهي تتبعه من العالم السفلي، وبذلك اخلّ بشرط سادة ذلك العالم الذين أتاحوا له ان يهبط الى حبيبته الميتة كي يعيدها الى العالم، وقد تكون اسطورته احد تجليات مفهوم الخطيئة .
لكن المثقف الذي أغواه الانجذاب الى نموذج ما بالتقمص، لا يملك حتى هذا الفضول او هذه الخطيئة البريئة، لأنه أشبه بإناء يتشكل بما يسكب فيه... ويبدو ان النقاط قد ضلّت الطريق الى الحروف، فأصبحت الأبجدية كلها صمّاء ولا يدري المرء عمّ يتحدث هؤلاء الذين حوّلوا العالم الى شبه عالم والكتابة الى شبه كتابة واخيراً الجملة الكونية كلها الى شبه جملة غير مفيدة على الاطلاق !