في الخامس عشر من شهر أيار(مايو) الماضي نشرت صحيفة السفير اللبنانية، وبالتحديد القسم المتعلق بالتوثيق والبحوث الذي يشرف عليه رئيس التحرير طلال سلمان نفسه، مقالا عظيما بعنوان 'الفلسطينيون جوهرة الشرق' حول الدور المحوري الذي لعبه الفلسطينيون قبل نكبة عام 1948 وبعدها في نهضة لبنان. ولأهمية المقال وددت لو أن كل عربي من محيط الوطن إلى خليجه يطلع عليه ويقبس منه شيئا من الحقيقة الساطعة.
والمقال ليس دعاية رخيصة أو تعبيرا عن تعصب أعمى لمجموعة عرقية لا ينتمي إليها الكاتب أصلا بل بحثا دقيقيا موثقا بالحقائق والأسماء والتواريخ يعرض الحقائق بطريقة موضوعية حول الدور الايجابي الذي لعبه الفلسطينيون في لبنان قبل النكبة وبعدها في المجالات الاقتصادية والثقافية والمالية والإبداعية. فالمقال يعتبر بحق صوتا صارخا ضد التيارات والمجموعات العنصرية والانعزالية التي ما إن تلتقط خطأ سياسيا يرتكبه قائد أو فصيل حتى تفتح فوهات مدافعها ضد كل الشعب الفلسطيني، بأطفاله ونسائه ومثقفيه ومناضليه وكتابه وشعرائه وأساتذته ولاجئيه.
يقول المقال إن الإزدهار اللبناني والانتعاش الاستثماري لم يبدأ إلا بعد نكبة فلسطين عام 1948 وذلك بسبب حجم الدور الإيجابي الذي لعبه الفلسطينيون في لبنان، حيث حملوا معهم ما قيمته 15 مليون جنيه أي ما يعادل مليار دولار بعملة اليوم أنعشت الاقتصاد اللبناني، كما أن انهيار ميناء حيفا ساهم في تنشيط ميناء بيروت وتحوله إلى مركز تجاري لشرق المتوسط عامة، وإغلاق مطار اللد أدى إلى توسيع مطار بئر حسن المتواضع المؤهل لاستقبال الطائرات الصغيرة فقط وتحوله إلى مطار دولي نشط. ولغاية هذا اليوم يحول الفلسطينيون العاملون في دول الخليج إلى لبنان ما قيمته 368 مليون دولار سنويا.
ثم يستعرض المقال أسماء الفلسطينيين الذين ساهموا في نهضة لبنان الحديث، فأول بنك أنشاه الفلسطيني يوسف بيدس وهو الذي أنشأ كازينو لبنان وطيران الشرق الأوسط. كما أنشأ الفلسطينيون في لبنان أول مصنع نسيج للملابس الجاهزة وأول شركة هندسة كبرى وأول شركة تأمين وأول شركة لتوزيع الصحف، وأول شركة تدقيق حسابات وأول محلات سوبر ماركت، ونظام الشقق المفروشة ، وأول من قاد طائرة الجمبو لشركة طيران الشرق الأوسط وأول من رفع علم لبنان في القطب الجنوبي الفلسطيني اللاجئ في لبنان جورج دوماني.
ثم يأتي المقال على أسماء الفلسطينيين الذين أنعشوا التعليم، وخاصة باللغة الإنكليزية، في الجامعة الأمريكية في بيروت ولمع منهم طلال أبو غزالة وحسيب الصباغ وكمال الشاعر وإحسان عباس ومحمد يوسف نجم ويضيف 'ومن بين أساتذة الجامعات الفلسطينيون نقولا زيادة وبرهان الدجاني ونبيه أمين فارس وصلاح الدباغ ونبيل الدجاني ويوسف الشبل وجين مقدسي وريتا عوض وفكتور سحاب ويسرى جوهرية عرنيطة ورجا طنوس وسمير صيقلي ومحمود زايد وعصام مياسي وعصام عاشور وطريف الخالدي'. ويؤكد الكاتب أن عدد خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت من الفلسطينيين يكاد يساوي عدد اللبنانيين.
كما يستعرض كوكبة من الفلسطينيين المبدعين في مجالات الفن والموسيقى والمسرح ومن بين من يذكرهم الموسيقي والإذاعي المبدع حليم الرومي الذي أطلق على صوت نهاد حداد لقب فيروز، وهو والد الفنانة الكبيرة ماجدة الرومي. كما أسس صبري الشريف أول فرقة مسرحية أثرت على عمل الرحابنة وأنشا مروان جرار ووديعة حداد جرار أول فرقة فنون شعبية.
وفي الصحافة ظهرت كوكبة من الفلسطينيين في لبنان كان لها شأن وأثر كبير في انطلاقة الصحافة اللبنانية الني بزّت كل نظيراتها العربية ومن بينهم غسان كنفاني ونبيل خوري ونايف شبلاق وتوفيق صايغ وكنعان أبوخضرا وجهاد الخازن ونجيب عزام والياس نعواس وسمير صنبر والياس صنبر والياس سحاب وخازن عبود ومحمد العدناني وزهدي جار الله وليس آخرهم سمير قصير. والمقال يستعرض كثيرا من الأسماء في مجالات الرسم والفن التشكيلي ودور البحث العلمي والعمل السياحي وغير ذلك من مجالات لا يتسع المقال لتغطيتها جميعا.
مع تقديرنا الكبير للمقال وللأستاذ طلال سلمان الذي وثق كل هذه المعلومات، نود أن نضيف إلى المقال ثلاث نقاط مهمة تجنب المقال ذكرها لا عن جهل بل رفعة في أخلاق الكاتب والناشر وترفعا عن ذكر بعض الشوائب والتي قد تؤثر على رسالة المقال:
أولا: إن هناك من بين الفلسطينيين من أساء فعلا للبنان ولشعبه ولساسته ومؤسساته ورجاله ونسائه خاصة في فترة قيام 'دولة الفاكهاني' سيئة الصيت والسمعة. ففي فترة الفلتان أيام انتقال منظمة التحرير من الأردن إلى لبنان كان هناك مجموعات من الانتهازيين والجواسيس والقتلة والمهربين الذين ركبوا موجة الثورة وليس لهم علاقة بها بل وربما كانوا مدسوسين أصلا لتشويه الثورة وحرفها عن مسارها وضرب العلاقة بين الشعبين، فاستغلوا طيبة الشعب اللبناني وكرم أخلاقه فتحولوا إلى تجار سلاح ومهربين وعربدوا في شوارع الحمراء وسلحوا فريقا ضد آخر وشقوا الصفوف وأمعنوا في الفساد مستغلين البترودولارات التي ملأت جيوب الفئة الفاسدة والتي حولت الثورة الفلسطينية النبيلة إلى مدرسة فساد وإفساد. وما كادت تمر عدة سنوات حتى تحول معظم أبناء الشعب اللبناني من حضن دافئ للثورة الفلسطينية إلى محيط معاد لكل الفلسطينيين. وعندما اجتاحت إسرائيل الجنوب اللبناني وصولا إلى بيروت في صيف عام 1982 لم يطلق الجنوبيون طلقة على القوات الإسرائيلية الغازية وكانوا يقولون وقتها 'خلصنا من الفلسطينيين وخلصنا من تجاوزاتهم'. وبعد الرحيل المرّ إلى المنافي امتشق الجنوبيون السلاح وأطلقوا ثورة حقيقية بعيدة عن الفساد والمحسوبيات والشللية فأنجزوا أول انتصار حقيقي للأمة قاطبة في 24 أيار(مايو) 2000.
ثانيا: إن هناك فئة من بين الفلسطينيين الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية، وغالبيتهم من المسيحيين كما هو معروف، تنكروا لفلسطينيتهم وكأنها تهمة يعاقب عليها القانون. وحاولت هذه المجموعة وما زالت أن تكون أكثر ملكية من الملك بل وشارك بعض أفراد هذه المجموعة الصغيرة في مذابح ارتكبت ضد الفلسطينيين في لبنان. وفي مقابلة حيّة مع واحد من هذا الصنف مع المذيعة جزيل خوري في برنامجها الاسبق 'حوار العمر' على شبكة الإل بي سي، أحمرّ وجه الضيف واصفر وتلعثم وانساب على وجهه عرق الإجهاد والخوف عندما كلمته إحدى قريباته من حيفا وكانت سعيدة جدا برؤيته وشكرت الرب لأنها استطاعت أخيرا أن تتعرف على ابن عمّـها عبر شاشة التلفزيون، وكأنها قفشته متلبسا بتهمة إخفاء أصوله الفلسطينية فما كان منه إلا أن قطعها بجملة يتيمة جافة دون أن ينظر إلى الكاميرا قائلا 'أهلا وسهلا'. وهناك أمثال هذه الشخصية الكارهة للذات كثير.
ثالثا: إن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين من غير المجنسين والذين ما زالوا يسكنون في لبنان لا خيارا بل قسرا، يعانون من أبشع أنواع الحرمان والتهميش والإقصاء بحجة عدم التوطين. فما دام رفض التوطين قد أصبح مادة في الدستور تجمع عليه كافة القوى اللبنانية بل ويتمسك به الفلسطينيون أصلا فما هي المبررات التي تساق لمنع الفلسطيني من ممارسة أكثر من ثمانين مهنة؟ كيف يعقل تحت أي مبرر قانوني أو سياسي أو إنساني أو أخلاقي الاّ يستطيع الفلسطيني أن يمارس مهنة الطب أو المحاماة أو جمع القمامة أو توزيع البريد في بلد منفتح حضاري كلبنان بحجة رفض التوطين؟ كيف يعقل أن يسمح لكافة جنسيات الأرض بالتملك في لبنان إلا الفلسطيني الذي لا يعرف وطنا إلا لبنان؟ أليست هذه العنصرية بعينها كما قال السيد سليم الحص رئيس الوزراء الأسبق؟
وأخيرا نود هنا أن نؤكد أن الشعب الفلسطيني ليس أفضل من غيره من الشعوب العربية الطيبة المعطاءة. إلا أنه وبحكم تجربته المتقدمة في صراعه مع موجات الاستعمار الإستيطاني الإحلالي في فلسطين تمكن من إنضاج خبرة فريدة من نوعها في تمتين عناصر القوة الذاتية من علم ومعرفة وشجاعة واتساع أفق ووعي قومي وإبداع، وعمل بعد النكبة وما زال على نقل هذه المعرفة والتجربة إلى إخوته العرب، إلا أن تلك الجهود والمساهمات كثيرا ما قوبلت بالنكران والجحود.
نتمنى أن يخرج أكثر من طلال سلمان واحد وأكثر من جريدة ومجلة ودورية في الكويت والإمارات والبحرين وقطر والسعودية وليـــبيا والجزائر يتحدثون عن فضل الفلسطينيين على هذه الدول ويوثقون أدوارهم ومساهماتهم في نهضتها، بعيدا عن أخذ الشعب الفلسطيني بجريرة قياداته وسلطته وفصائله والتي غالبا لا ترتقي إلى المستوى الحضاري والعلمي والثقافي لهذا الشعب. هذه ليست دعوة عصبوية بل إحقاقا للحق وتوثيقا للحقائق التي كثيرا ما تكون أولى الضحايا عند الخلافات السياسة.
' أستاذ جامعي وكاتب سياسي يعيش في نيويورك
Showing posts with label Lebanon. Show all posts
Showing posts with label Lebanon. Show all posts
Tuesday, June 9, 2009
زي ما هي! الياس خوري
الشعار الانتخابي الذي رفعه رفيق الحريري عام 2000، داعيا مناصريه الى اسقاط اللائحة من دون تشطيب، في نظام الانتخابات الأكثري في لبنان، تحوّل مع انتخابات 2009، الى سمة عامة للوضع اللبناني.
في صبيحة يوم الاثنين 8 حزيران (يونيو)، اكتشف اللبنانيون مع نتائج الانتخابات، ان الانتخابات لم تغيّر شيئا في الواقع السياسي اللبناني. كأن الانتخابات لم تجرِ، وكأن الاعوام الأربعة المنصرمة، بما حملته من ازمات وحروب وخطابات سياسية، لم تكن. اذ لا شيء تغير بعد معركة انتخابية كانت الاكثر قسوة، والأشد تنافسا في تاريخ لبنان الانتخابي.
كيف نقرأ الانتخابات؟
كنت اتمنى ان يكون في مقدورنا قراءة النتائج في وصفها مؤشرات على تغيّر في الرأي العام. غير ان مقولة الرأي العام نفسها تحتاج الى تدقيق. فكرة الرأي العام تستند الى افتراض وجود حس بالمواطنة وبالفرد. اما حين تكون المواطنة انتماء الى الطائفة، فإن افتراض تغيرات الرأي العام يصير بلا معنى. فالطوائف تشكّل رأيا خاصا مغلقا، وهذا ما يجعلها معصومة عن التغير الا ككتلة موحدة.
يستطيع المراقب ان يلاحظ تشققا في الخطاب السياسي لدى الطوائف المسيحية. صحيح ان الطرفين المتنافسين: التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون والجبهة اللبنانية بحزبيها الرئيسيين: القوات والكتائب، استخدما لغة الشحن الطائفي نفسها تقريبا، غير ان التشقق في الخطاب العوني المتحالف مع حزب الله، انعكس تراجعا لافتا في التأييد الشعبي الذي كان يحظى به عون، مما جعله يخسر دائرتين مسيحيتين صافيتين: البترون والكورة. غير ان هذا لم يؤثر في النتائج الانتخابية، فبقي القديم على حاله.
لماذا جرت الانتخابات اذا؟
الواقع انه لم تكن هناك انتخابات حقيقية في اغلبية الدوائر، ففي الجنوب الشيعي، والشمال السني والجبل الدرزي وبيروت السنية، كانت الانتخابات اشبه باستفتاءات. المعارك حصلت في الدوائر المسيحية فقط. حتى هنا وباستثناءات قليلة حسم الصوتان الشيعي والسني الانتخابات. في جبيل وبعبدا كان الحسم شيعيا، اما في زحلة فكان الحسم سنيا. اضافة الى الحسم الأرمني لمعركة المتن، رغم ان كثافة التصويت الطاشناقي لم تفد حزب الطاشناق نفسه اذ سقط ثلاثة من مرشحيه في بيروت وزحلة، ولم يفز له سوى نائبين.
لذا انتهت الانتخابات، في الموقع نفسه الذي انتهت فيه انتخابات 2005. وثبت ان الشكوى من قانون العام 2000، الذي سمي قانون غازي كنعان، واستبداله بالعودة الى قانون 1960، لم يبدّل في الأمر شيئا. فبقي الاصطفاف الطائفي سيد الموقف، واستعاد لبنان المشهد السياسي نفسه، الذي ظهر بعد انتخابات 2005.
الطريف ان المحللين الغربيين ركزوا على الطبيعة السياسية للانتخابات، باعتبارها استفتاء على سلاح حزب الله. لكن ما فاتهم هو ان هزيمة تحالف الثامن من آذار- مارس، لم تتم على قاعدة خيارات سياسية، بل على قاعدة خيارات طائفية.
الفرق بين الخيار السياسي والخيار الطائفي شاسع. فالطوائف لا سياسة لها، سوى سياسة تحسين موقعها في السلطة. لذا بدا ان التيار العوني نجح في احداث انقلاب جذري في الرأي العام المسيحي لجهة تأييده للمقاومة الاسلامية وسورية. غير ان شعارات الحملة سرعان ما بددت هذا الانطباع، لأن العونيين كالقواتيين انغمسوا في الشعار الطائفي، مبررين خياراتهم السياسية بأنها الأفضل من اجل تحسين مواقع الموارنة في السلطة. اي ان ما بدا من الخارج مسألة سياسية بامتياز، اتخذ في الداخل اللبناني شكل المرض الطائفي الذي لا شفاء منه.
كان البعض يعتقد ان الانتخابات سوف تغيّر المعادلة السياسية في لبنان، لكن الواقع الطائفي اعلن انه عصي على التغيير. فمنذ استحضار احداث السابع من ايار- مايو 2008 الى الخطاب الانتخابي، تحصنت كل طائفة في مواقعها، وصارت الانتخابات شكلا سلميا للحرب الأهلية. وفي الحرب الأهلية لا مكان للعقل، بل تحتل الغرائز المساحة السياسية برمتها. لذا جرت الانتخابات وكأنها لم تجر. واستيقظ اللبنانيون على تبدل بعض الأسماء القليلة، لكن من دون اي تبدل في المحصلة النهائية.
قد يقول المراقب ان هذه النتيجة تعني ان لبنان محكوم بالتوافق بين طوائفه المختلفة، وهذا قد يكون صحيحا، غير ان ما يتناساه اصحاب نظرية التوافق، هو ان هذا التوافق الداخلي محكوم بتوازن اقليمي. اذ في اللحظة التي ينهار او يتخلخل فيها هذا التوازن، فإن مصير التوافق يصير في مهب الريح.
الطوائف لا تنتج اوطانا، هذه هي محصلة انتخابات لبنان. من هذه النقطة يبدأ اي تحليل عقلاني للواقع اللبناني، وللخيارات السياسية المطروحة في لبنان. غير ان الغاء الطائفية، وسيادة فكر علماني عروبي، دونهما اهوال احداث عملية تجديد جذرية في الفكرة العربية نفسها، واحداث تغيرات جوهرية في النظام السياسي، وفي القوانين المدنية. وحتى نصل الى هذا التغيير، الذي يتطلب ورشة فكرية وسياسية كبرى، سوف يبقى لبنان في 'الزي ما هي'.
في صبيحة يوم الاثنين 8 حزيران (يونيو)، اكتشف اللبنانيون مع نتائج الانتخابات، ان الانتخابات لم تغيّر شيئا في الواقع السياسي اللبناني. كأن الانتخابات لم تجرِ، وكأن الاعوام الأربعة المنصرمة، بما حملته من ازمات وحروب وخطابات سياسية، لم تكن. اذ لا شيء تغير بعد معركة انتخابية كانت الاكثر قسوة، والأشد تنافسا في تاريخ لبنان الانتخابي.
كيف نقرأ الانتخابات؟
كنت اتمنى ان يكون في مقدورنا قراءة النتائج في وصفها مؤشرات على تغيّر في الرأي العام. غير ان مقولة الرأي العام نفسها تحتاج الى تدقيق. فكرة الرأي العام تستند الى افتراض وجود حس بالمواطنة وبالفرد. اما حين تكون المواطنة انتماء الى الطائفة، فإن افتراض تغيرات الرأي العام يصير بلا معنى. فالطوائف تشكّل رأيا خاصا مغلقا، وهذا ما يجعلها معصومة عن التغير الا ككتلة موحدة.
يستطيع المراقب ان يلاحظ تشققا في الخطاب السياسي لدى الطوائف المسيحية. صحيح ان الطرفين المتنافسين: التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون والجبهة اللبنانية بحزبيها الرئيسيين: القوات والكتائب، استخدما لغة الشحن الطائفي نفسها تقريبا، غير ان التشقق في الخطاب العوني المتحالف مع حزب الله، انعكس تراجعا لافتا في التأييد الشعبي الذي كان يحظى به عون، مما جعله يخسر دائرتين مسيحيتين صافيتين: البترون والكورة. غير ان هذا لم يؤثر في النتائج الانتخابية، فبقي القديم على حاله.
لماذا جرت الانتخابات اذا؟
الواقع انه لم تكن هناك انتخابات حقيقية في اغلبية الدوائر، ففي الجنوب الشيعي، والشمال السني والجبل الدرزي وبيروت السنية، كانت الانتخابات اشبه باستفتاءات. المعارك حصلت في الدوائر المسيحية فقط. حتى هنا وباستثناءات قليلة حسم الصوتان الشيعي والسني الانتخابات. في جبيل وبعبدا كان الحسم شيعيا، اما في زحلة فكان الحسم سنيا. اضافة الى الحسم الأرمني لمعركة المتن، رغم ان كثافة التصويت الطاشناقي لم تفد حزب الطاشناق نفسه اذ سقط ثلاثة من مرشحيه في بيروت وزحلة، ولم يفز له سوى نائبين.
لذا انتهت الانتخابات، في الموقع نفسه الذي انتهت فيه انتخابات 2005. وثبت ان الشكوى من قانون العام 2000، الذي سمي قانون غازي كنعان، واستبداله بالعودة الى قانون 1960، لم يبدّل في الأمر شيئا. فبقي الاصطفاف الطائفي سيد الموقف، واستعاد لبنان المشهد السياسي نفسه، الذي ظهر بعد انتخابات 2005.
الطريف ان المحللين الغربيين ركزوا على الطبيعة السياسية للانتخابات، باعتبارها استفتاء على سلاح حزب الله. لكن ما فاتهم هو ان هزيمة تحالف الثامن من آذار- مارس، لم تتم على قاعدة خيارات سياسية، بل على قاعدة خيارات طائفية.
الفرق بين الخيار السياسي والخيار الطائفي شاسع. فالطوائف لا سياسة لها، سوى سياسة تحسين موقعها في السلطة. لذا بدا ان التيار العوني نجح في احداث انقلاب جذري في الرأي العام المسيحي لجهة تأييده للمقاومة الاسلامية وسورية. غير ان شعارات الحملة سرعان ما بددت هذا الانطباع، لأن العونيين كالقواتيين انغمسوا في الشعار الطائفي، مبررين خياراتهم السياسية بأنها الأفضل من اجل تحسين مواقع الموارنة في السلطة. اي ان ما بدا من الخارج مسألة سياسية بامتياز، اتخذ في الداخل اللبناني شكل المرض الطائفي الذي لا شفاء منه.
كان البعض يعتقد ان الانتخابات سوف تغيّر المعادلة السياسية في لبنان، لكن الواقع الطائفي اعلن انه عصي على التغيير. فمنذ استحضار احداث السابع من ايار- مايو 2008 الى الخطاب الانتخابي، تحصنت كل طائفة في مواقعها، وصارت الانتخابات شكلا سلميا للحرب الأهلية. وفي الحرب الأهلية لا مكان للعقل، بل تحتل الغرائز المساحة السياسية برمتها. لذا جرت الانتخابات وكأنها لم تجر. واستيقظ اللبنانيون على تبدل بعض الأسماء القليلة، لكن من دون اي تبدل في المحصلة النهائية.
قد يقول المراقب ان هذه النتيجة تعني ان لبنان محكوم بالتوافق بين طوائفه المختلفة، وهذا قد يكون صحيحا، غير ان ما يتناساه اصحاب نظرية التوافق، هو ان هذا التوافق الداخلي محكوم بتوازن اقليمي. اذ في اللحظة التي ينهار او يتخلخل فيها هذا التوازن، فإن مصير التوافق يصير في مهب الريح.
الطوائف لا تنتج اوطانا، هذه هي محصلة انتخابات لبنان. من هذه النقطة يبدأ اي تحليل عقلاني للواقع اللبناني، وللخيارات السياسية المطروحة في لبنان. غير ان الغاء الطائفية، وسيادة فكر علماني عروبي، دونهما اهوال احداث عملية تجديد جذرية في الفكرة العربية نفسها، واحداث تغيرات جوهرية في النظام السياسي، وفي القوانين المدنية. وحتى نصل الى هذا التغيير، الذي يتطلب ورشة فكرية وسياسية كبرى، سوف يبقى لبنان في 'الزي ما هي'.
Labels:
6/9/2009,
alquds al arabi,
elections,
Elyas Khouri,
Lebanon,
Politics
Monday, May 4, 2009
في معنى الطائفية؟ الياس خوري القدس العربي 5/4/2009
دار نقاش طويل بين المؤرخين اللبنانيين، حول جذور الدولة الوطنية اللبنانية. ثم رسا ما يشبه الافتراض المسيطر، وهو ان جذر الدولة الوطنية يعود الى امارة فخرالدين المعني الثاني. لكن اصحاب هذا الافتراض تناسوا ان امارة فخرالدين امتدت الى فلسطين، وانها كانت تشبه امارات واقطاعات نشأت في صلب الدولة العثمانية، وسعت الى توسيع استقلاليتها.
النقاش حول جذر الدولة الوطنية، وضرورة تأسيسه على قاعدة طموحات محلية، جاء كنتيجة للشكل الذي تأسست فيه دولة لبنان الكبير عام 1920، التي تحولت عام 1926 الى الجمهورية اللبنانية. فالذي اعلن تأسيس دولة لبنان كان الجنرال الفرنسي غورو، والدولة تأسست على اشلاء المملكة الفيصلية، التي سُحقت في ميسلون.
غير ان مصير لبنان لم يكن مشابها لمصير الدويلات في سورية التي اعلنها الفرنسيون، فدويلات دمشق وحلب والعلويين والدروز تلاشت وذابت في سورية، بينما استعصت دولة لبنان الكبير على الذوبان، رغم معارضة اغلبية سكان المدن الثلاث الرئيسية لها: بيروت وطرابلس وصيدا.
وهذا ما اعطى السؤال عن الجذر التاريخي للوطنية اللبنانية شرعيته، وسمح لبعض المؤرخين باعتبار الامارة المعنية نقطة انطلاق ممكنة.
لكن ما فات الجميع ان لبنان الصغير الذي تمتع بحكم ذاتي في حماية الدول الاوروبية، لم ينشأ الا بعد حرب اهلية مدمرة في جبل لبنان، انتهت الى تأسيس اول نظام سياسي تستند شرعيته الى الطوائف الدينية. فتألف مجلس ادارة على اساس المحاصصة الطائفية، يساعد المتصرف العثماني في ادارة شؤون الجبل.
لم تكن المتصرفية صيغة قابلة للحياة، ميناؤها كان بيروت، وهي عاصمة ولاية عثمانية تحمل الاسم نفسه، وغذاؤها يعتمد على قمح سهلي البقاع وحوران، الواقعين خارجها. وربما كان تأسيس المتصرفية، وفقرها المدقع احد اسباب نزيف الهجرة الى الأمريكتين، وهو نزيف سوف يستمر، ويحول الأكثرية المسيحية في لبنان الى اقلية.
الافتراض المنطقي ان جذر لبنان يعود الى الحرب الأهلية الطائفية، اي ان شرعية الوجود اللبناني، التي سمحت لدولة لبنان الكبير بالبقاء وعدم الذوبان هي شبح الحرب الأهلية.
وطن مدين بشرعية وجوده الى الحرب الأهلية، لذا لم يكن من المستبعد ان تلعب الطائفية دورا معاكسا. فالدور التأسيسي في زمن الانتداب سوف يتحول دورا تدميريا في مرحلة الاستقلال السياسي.
والغريب ان الوعي اللبناني للخطر الطائفي لم يتجاوز المستوى اللفظي. فالدعوات الى الغاء الطائفية، على السنة افراد الطبقة الحاكمة، كانت تترجم ترسيخا للبنى الطائفية في الواقع السياسي، بحيث نجح اللبنانيون في تحويل قضية كبرى كقضية المقاومة الفلسطينية الى جزء من الصراعات الطائفية على السلطة، وتابعوا الأمر بعد الخروج الفلسطيني، محولين قضية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي الى جزء من لعبة توازنات السلطة.
لذا لم يكن انهيار مشروع 'انتفاضة الاستقلال'، عام 2005، التي اخرجت الجيش السوري من لبنان، سوى مسألة وقت، وذلك بسبب قراءة الانتفاضة طائفيا، مما ابعد عنها طائفة كاملة، وجعل مشروعها مستحيلا.
هذه هي مأساة الوطنية اللبنانية، انها معادلة ناقصة دائما، لأن الطوائف لا تنشئ اوطانا، بل تستخدم الخطاب الوطني من اجل تأكيد نفوذها في السلطة.
الولادة كانت سببا للموت، او لما يمكن ان نسميه الاحتضار الطويل. فلبنان منذ انفجار حربه الأهلية، ومنذ ذلك التصريح الشهير الذي ربط فيه مؤسس حزب الكتائب بين الكيان والنظام، وهو يؤكد ان كيانه هو نظامه، وان استمرار الكيان مرهون باستمرا النظام الطائفي.
لا شك في ان من وضع بروتوكولات تأسيس المتصرفية، كان يؤسس لنظام الحرب الأهلية المستمرة. لكن تحويل هذا النظام الى حالة دائمة، تم لسببين:
سبب اقليمي، يعود الى فشل الحركة القومية العربية في تقديم بديل حديث وعلماني لنظام الملل العثماني. ومما زاد في العجز مصادرة العسكريتاريا العربية للسلطة، وتأسيس انظمة الإستبداد، التي ساهمت في تحويل حلم الحداثة الى كابوس.
وسبب داخلي، تتحمل مسؤوليته النخب اللبنانية، التي لم تعر النضال ضد الطائفية ما يستحقه من اهتمام، بل انها انخرطت في صراعات هذه البنى تحت شعارات ثورية او قومية، متجاهلة ان لبنان لا يمكن ان يصير وطنا، في ظل النظام الطائفي، بل سيبقى ساحة تمتطي فيها القوى الاقليمية والدولية الطوائف اللبنانية، وتحولها ادوات لصراعاتها.
وهذا ما بدأ يتفشى للأسف الشديد في المنطقة العربية. اذ بدل ان تكون التجربة اللبنانية المرة درسا يتعظ منه المشرق، اذا بالمشرق الغارق في ظلام العجز، يتلبنن بمعنى ما، ويخلق لنفسه مشاكل طائفية، لا يعلم احد كيف يمكن الخروج منها.
في الماضي اعطت الطائفية لبنان شرعيته، وهي تقوم اليوم بقتله، او تمهد لإلحاقه من جديد بنظام الإستبداد العربي. وهنا تقع احدى مفارقات التاريخ، الذي يعلمنا ان الخطأ لا يستمر الا بمزيد من الخطأ.
النقاش حول جذر الدولة الوطنية، وضرورة تأسيسه على قاعدة طموحات محلية، جاء كنتيجة للشكل الذي تأسست فيه دولة لبنان الكبير عام 1920، التي تحولت عام 1926 الى الجمهورية اللبنانية. فالذي اعلن تأسيس دولة لبنان كان الجنرال الفرنسي غورو، والدولة تأسست على اشلاء المملكة الفيصلية، التي سُحقت في ميسلون.
غير ان مصير لبنان لم يكن مشابها لمصير الدويلات في سورية التي اعلنها الفرنسيون، فدويلات دمشق وحلب والعلويين والدروز تلاشت وذابت في سورية، بينما استعصت دولة لبنان الكبير على الذوبان، رغم معارضة اغلبية سكان المدن الثلاث الرئيسية لها: بيروت وطرابلس وصيدا.
وهذا ما اعطى السؤال عن الجذر التاريخي للوطنية اللبنانية شرعيته، وسمح لبعض المؤرخين باعتبار الامارة المعنية نقطة انطلاق ممكنة.
لكن ما فات الجميع ان لبنان الصغير الذي تمتع بحكم ذاتي في حماية الدول الاوروبية، لم ينشأ الا بعد حرب اهلية مدمرة في جبل لبنان، انتهت الى تأسيس اول نظام سياسي تستند شرعيته الى الطوائف الدينية. فتألف مجلس ادارة على اساس المحاصصة الطائفية، يساعد المتصرف العثماني في ادارة شؤون الجبل.
لم تكن المتصرفية صيغة قابلة للحياة، ميناؤها كان بيروت، وهي عاصمة ولاية عثمانية تحمل الاسم نفسه، وغذاؤها يعتمد على قمح سهلي البقاع وحوران، الواقعين خارجها. وربما كان تأسيس المتصرفية، وفقرها المدقع احد اسباب نزيف الهجرة الى الأمريكتين، وهو نزيف سوف يستمر، ويحول الأكثرية المسيحية في لبنان الى اقلية.
الافتراض المنطقي ان جذر لبنان يعود الى الحرب الأهلية الطائفية، اي ان شرعية الوجود اللبناني، التي سمحت لدولة لبنان الكبير بالبقاء وعدم الذوبان هي شبح الحرب الأهلية.
وطن مدين بشرعية وجوده الى الحرب الأهلية، لذا لم يكن من المستبعد ان تلعب الطائفية دورا معاكسا. فالدور التأسيسي في زمن الانتداب سوف يتحول دورا تدميريا في مرحلة الاستقلال السياسي.
والغريب ان الوعي اللبناني للخطر الطائفي لم يتجاوز المستوى اللفظي. فالدعوات الى الغاء الطائفية، على السنة افراد الطبقة الحاكمة، كانت تترجم ترسيخا للبنى الطائفية في الواقع السياسي، بحيث نجح اللبنانيون في تحويل قضية كبرى كقضية المقاومة الفلسطينية الى جزء من الصراعات الطائفية على السلطة، وتابعوا الأمر بعد الخروج الفلسطيني، محولين قضية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي الى جزء من لعبة توازنات السلطة.
لذا لم يكن انهيار مشروع 'انتفاضة الاستقلال'، عام 2005، التي اخرجت الجيش السوري من لبنان، سوى مسألة وقت، وذلك بسبب قراءة الانتفاضة طائفيا، مما ابعد عنها طائفة كاملة، وجعل مشروعها مستحيلا.
هذه هي مأساة الوطنية اللبنانية، انها معادلة ناقصة دائما، لأن الطوائف لا تنشئ اوطانا، بل تستخدم الخطاب الوطني من اجل تأكيد نفوذها في السلطة.
الولادة كانت سببا للموت، او لما يمكن ان نسميه الاحتضار الطويل. فلبنان منذ انفجار حربه الأهلية، ومنذ ذلك التصريح الشهير الذي ربط فيه مؤسس حزب الكتائب بين الكيان والنظام، وهو يؤكد ان كيانه هو نظامه، وان استمرار الكيان مرهون باستمرا النظام الطائفي.
لا شك في ان من وضع بروتوكولات تأسيس المتصرفية، كان يؤسس لنظام الحرب الأهلية المستمرة. لكن تحويل هذا النظام الى حالة دائمة، تم لسببين:
سبب اقليمي، يعود الى فشل الحركة القومية العربية في تقديم بديل حديث وعلماني لنظام الملل العثماني. ومما زاد في العجز مصادرة العسكريتاريا العربية للسلطة، وتأسيس انظمة الإستبداد، التي ساهمت في تحويل حلم الحداثة الى كابوس.
وسبب داخلي، تتحمل مسؤوليته النخب اللبنانية، التي لم تعر النضال ضد الطائفية ما يستحقه من اهتمام، بل انها انخرطت في صراعات هذه البنى تحت شعارات ثورية او قومية، متجاهلة ان لبنان لا يمكن ان يصير وطنا، في ظل النظام الطائفي، بل سيبقى ساحة تمتطي فيها القوى الاقليمية والدولية الطوائف اللبنانية، وتحولها ادوات لصراعاتها.
وهذا ما بدأ يتفشى للأسف الشديد في المنطقة العربية. اذ بدل ان تكون التجربة اللبنانية المرة درسا يتعظ منه المشرق، اذا بالمشرق الغارق في ظلام العجز، يتلبنن بمعنى ما، ويخلق لنفسه مشاكل طائفية، لا يعلم احد كيف يمكن الخروج منها.
في الماضي اعطت الطائفية لبنان شرعيته، وهي تقوم اليوم بقتله، او تمهد لإلحاقه من جديد بنظام الإستبداد العربي. وهنا تقع احدى مفارقات التاريخ، الذي يعلمنا ان الخطأ لا يستمر الا بمزيد من الخطأ.
Labels:
Arab World,
Elyas Khouri,
Lebanon,
Middle East,
Modern History,
Politics
Subscribe to:
Posts (Atom)