Showing posts with label elaph. Show all posts
Showing posts with label elaph. Show all posts

Thursday, October 7, 2010

محنة المثقف خالص جلبي

يروي الجاحظ في كتابه (الحيوان) :(أن أبا أيوب المورياني وزير المنصور بينا هو جالس في أمره ونهيه إذ أتاه رسول أبي جعفر المنصور فامتقع لونه وطارت عصافير رأسه، وذعر ذعراً نقض حبوته واستطار فؤاده فتعجبنا من حاله، وقلنا له: إنك قريب المنزلة فلم ذهب بك الذعر واستفزعك الوجل؟ قال سأضرب لكم مثلاً من أمثال الناس) يمضي بعدها الجاحظ فيروي عنه قصة (البازي والديك) فيتهم الأول الديك أنه قليل الوفاء، فبعد احتضان بيضته وإطعامه من الأكف صار لايدنو منه أحد الا وارتعب وطار يميناً وشمالاً، أما (البازي) فهو يقنص الصيد من الجو فيحضره لسيده. قال الديك: ولكنك هل لاحظت أن من يشوى على السفافيد هم الديكة وليسوا الصقور (إنك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مارأيت من الديوك لكنت أنفر مني) يلتفت الوزير المورياني الى الجاحظ وأصحابه معقباً: (لو علمتم ماأعلم لم تتعجبوا من خوفي مع ماترون من تمكن حالي). كانت نهاية الوزير بحد السيف ولم يكن مصيره استثناءً فقد تتابع مسلسل قتل الوزراء بشكل درامي بئيس في العصر العباسي، فكل من وزراء السفاح والمنصور والمهدي والرشيد والمأمون انتهت حياتهم بحد السيف قتلاً، بدءً من أبو سلمة الخلال وانتهاء بالفضل بن سهل، ويروي (التنوخي) قصة الوزير والقرد والقرَّاد على شكل مضحك، فقد اجتمع الناس في شارع ببغداد والقرَّاد يقول للقرد: هل تريد أن تكون برازاً فيوميء القرد برأسه نعم، فيكرر القراد هل تريد أن تكون عطاراً فيرد برأسه نعم، فمازال يكرر عليه طرفاً من الصنائع وهو يهز برأسه نعم، حتى إذا ذكر الوزير انجفل فقال: لا. ويصيح ويعدو بين يدي القراد فيضحك الناس.
من المفيد للمرء التشبع بالوعي التاريخي وأن يحاول تصور الجو الذي عاش فيه الناس فوضعنا المأساوي الحالي لم يولد من رحم التاريخ من لاشيء.
إن قصة (المورياني) هي عينة من ذلك الجو الذي عاشه الناس في العصر العباسي الذي دشنه (ابراهيم الإمام) بتوجيه تعليماته لأبي مسلم الخراساني على الشكل التالي: (إن استطعت الاتدع بخراسان أحد يتكلم العربية الا قتلته فافعل، وإيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، وعليك بمضر فإنهم العدو القريب الدار فأبد خضراءهم ولاتدع على الأرض منهم ديارا).
يروي لنا التاريخ أن جو التجسس (الوشاية) وقتل الناس على الشبهة بالزندقة بسبب عداوة شخصية كان أمراً يومياً كما حصل لدماغ فذ خسرناه هو (ابن المقفع).
جو الرعب الذي عاصره الجاحظ وابن المقفع مع تأسيس الدولة العباسية التي جاءت لإقامة العدل ينعكس في بعض الروايات، ويؤكد قاعدة أن من أخذ السيف بالسيف يهلك. وأن الانقلاب العباسي لم يزد الأمور الا بؤساً، وعن طريق المنهاج النبوي الابعداً.
سئل (العتابي) لماذا لاتتقرب بأدبك الى السلطان؟ فيكون جوابه:(لإني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويرمي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون؟). أن العتابي كان أعقل من عشرة وزراء.
أما (المفضل الضبي) فيدعوه رسول المهدي فيظن أنه الموت، فيتطهر ويلبس ثوبين ويستعد للنطع والسيف، فلايعرف مانوع الوشاية التي وصلت الخليفة. ولكن مفاجأة سعيدة كانت بانتظاره، فالمهدي كان في مزاج جيد، فسأله عن أفضل بيت قالته العرب في الفخر! لم يهدأ روعه تماماً فقد يكون استدراجاً، ولكن تتابع الاسئلة عن الشعر طمأنته أن ليس في الأمر مكيدة، فلما سأله في النهاية إن كان بحاجة لشيء. قال نعم إنه الدين قد ركبني. فيأمر له الخليفة بثلاثين ألف درهم.
إننا أمام مثقفين مفلسين وخلفاء يملكون الرقاب والأموال.
ولم تكن نهاية المثقف (الفضيل بن عمران) سعيدة على هذه الشاكلة فقد وشي به الى المنصور أنه يعبث بغلامه جعفر، وكان الفضيل كاتب ابنه جعفر، والكاتب كان مثقف العصر يومها قد اخذ من كل علم بطرف. أرسل المنصور اثنين من الزبانية وأوصاهما بحرص أن يقتلوه ولو تعلق بالغمام. ويتدخل شخص فيصف الفضيل أنه (رجل عفيف دين) وأنه (أبرأ الناس مما رمي به وقد تعجلت ياأمير المؤمنين) فيرسل المنصور يعزز بثالث
قائلاً له: لك عشرة آلاف درهم إن أنقذته فامض بخطابي بحقن دمه. ولكن الرسول يصل وقد سفح دمه ولم يجف دمه بعد. رجع الرسول مكسوفاً الى الخليفة أن السيف سبق العذل. يلتفت المنصور الى مولاه سويد قائلاً: ماتقول لأمير المؤمنين في قتل رجل عفيف دين مسلم بلا جرم ولاجناية؟ قال سويد: هو امير المؤمنين يفعل مايشاء وهو أعلم بما يصنع. يغضب المنصور ويقول أنا أسألك في الخاصة وأنت تجيبني في العامة.. خذوه من رجله فألقوه في نهر دجلة.
إن إعادة النظر في تاريخنا لاكتشافه حقيقته من جديد ضرورياً لاخراجه من خانة القدسية، واعطاءه حقنة تواضع أنه بشري مختلط بمظاهر الضعف والقصور وملطخ أحياناً بالدم، وأننا مازلنا نرضع من نفس الثقافة العباسية بفارق ألف سنة، وجراثيمها الإمراضية تضرب مفاصل ثقافتنا بألم.
وفي الوقت الذي كان المغني (ابراهيم الموصللي) يأخذ من الرشيد 200 ألف دينار مايعادل ميزانية دولة في تلك الأيام، ويترك المنصور في خزائنه 14 مليون دينار و600 مليون درهم يفرقها المهدي بين الناس سوى ماجبي في عصره، كان الشاعر أبو العتاهية يسجل منظراً مختلفاً لحياة الناس الغارقين في البؤس:
من مبلغ عني الإمام نصائح متواليــــــــــة
إني أرى الأسعـــار أسعار الرعية غاليـــة
وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشية
وأرى غموم الدهر را ئحة تمر وغاديـــــة
وأرى اليتامى والأرامل في البيوت الخاليـــة
يشكون مجهدة بأصوا ت ضعاف عاليــــــة....
في هذا الجو لمع ابن المقفع وترك لنا أفضل كتبه (كليلة ودمنة) التي جمعها من ثقافات شتى وأضاف اليها من عنده، وصبها في قالب بديع من إشراق العبارة وعمق المعنى، وكان يوصف أنه إذا ازدحمت المعاني في صدره توقف عن الكتابة لينتقي أفضل الكلمات فيصبها في رشاقة هندسية كالبناء كل كلمة لبنة تتماسك مع الأخرى.
ابن المقفع اشتهر بكتابه (كليلة ودمنة) ولم يشتهر بكتابه الآخر ( رسالة الصحابة) ويجمعهما هدف واحد هو مسؤولية المثقف في نقد الأوضاع. إن الكتاب الثاني لايقصد به صحابة رسول الله ص بل بطانة الحاكم قدمه الى المنصور بكثير من المدح والحذر يطرح عليه خطة اصلاحية متكاملة أمام الفساد العام، وتدل الرسالة على عبقرية مبكرة، ناقش فيها أخطر أربع مسائل: المؤسسة العسكرية (الجند) وفوضى القضاء وفساد البطانة والاصلاح الزراعي (الخراج)، واقترح لاصلاح الجيش ستة أمور: أن يتم تربيتهم ليس على الطاعة المطلقة بل المشروطة في طاعة الله فإن كانت معصية لله فلاطاعة للحاكم، ولايعقل أن يقول أحد القواد أنه لو أمرنا الخليفة أن نستدبر القبلة في الصلاة لقلنا سمعنا وأطعنا، فهنا لم تعد المؤسسة العسكرية اسلامية بحال. وطرح فكرة فصل الجند عن ادارة الشؤون المالية فسوف تشترى ذممهم، ولإن ( ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة)، وأشار بمراعاة الكفاية في القيادة فتسلم على أساس الكفاءة وليس على أساس القبلية أو الولاء. ورأى تثقيف الجند فلايكون الجندي في يد الخليفة بوقاً أو عصا. ونصح بدفع رواتبهم بدون تأخير. وأوصى بتفقد أحوالهم أكثر من الطاعة وامرهم بقتل الناس.
كان كتاب (رسالة الصحابة) انذاراً للمنصور بوجود أدمغة واعية في المجتمع مقلقة للنوم العام، ولكن الكتاب اللاحق (كليلة ودمنة) كان يتكلم بلغة الطيور وحيوانات الغابة ويحمل رسالة التوعية السياسية بعدما أصيب المجتمع بالعي والخرس، ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، عندما ظن عم المنصور أنه وصل الى شاطيء السلامة بكتاب الأمان الذي وضع صيغته القانونية ابن المقفع بأدبه الرائع، بأنه إذا أخل بشروط الأمان فقتل عمه تكون زوجاته طوالق وعبيده أحرار وليس له بيعة في أعناق الناس. وظن ابن المقفع ان الحبر الكثيف والورق الجيد والعبارات المنتقاة بعناية ستكون حماية من الغدر فأخطأ ودفع حياته ومن كتب له ثمناً لذلك. في عصر يقوم على الغدر والقتل ومازال يلون سياستنا حتى اليوم. وإذا علمنا أن ابن المقفع قتل وهو دون الأربعين أدركنا عظم الفجيعة في حرمان الأمة من أدمغة ناضجة كان يمكن أن ترسم مصيرا مختلفاً للأمة. يربط الفيلسوف (برتراند راسل) بين قيام النهضة العقلية في أوربا وحفنة من الأدمغة المتميزة، ويقول لو تم اغتيال أصحابها لما كانت نهضة. والمنصور وأمثاله قاموا بهذه المهمة على احسن وجه.
ينقل (حسين مروة) في كتابه (تراثنا كيف نعرفه) محنة المثقف ( عبد الحميد الكاتب) أنه حين فر مع (مروان بن محمد) آخر خلفاء بني أمية أن مروان قال له: (انج بنفسك ياعبد الحميد، فإنهم إن قتلوني خسرني أهلي وحدهم، وإن قتلوك خسرك العرب جميعاً).
كان على مروان أن يقول سوف تخسرك الانسانية، لإن خسارة المثقف كما جاء في الحديث مناحة تبكي فيها حيتان الماء وطيور السماء. وليس غريبا أن تذكر الآية أن الظالمين لاتبكي عليهم السماء ولا الأرض وماكانوا منظرين.
أما مصير الخليفة الأموي (مروان) فكانت بالسيف في قرية بوصير في مصر، وأما المثقف (عبد الحميد) فاختفى لفترة عند (ابن المقفع) ولكن عيون الجواسيس العباسية كانت خلفه ففاجأت الرجلين في بيت ابن المقفع وهتف الجند أيكم عبد الحميد فليتقدم؟ فوجيء الجند أن الاثنين قفزا معاً كل يقول عن نفسه أنه عبد الحميد! أما ابن المقفع فكان يريد أن يفدي ضيفه بنفسه، وأما الكاتب عبد الحميد فخشي أن يفرط في صاحبه ويسارع اليه الزبانية. تقدم عبد الحميد لرجال السلطة فقال: ( ترفقوا بنا فإنا كلاً منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم ففعلوا وأخذ عبد الحميد).
وفي كتاب (وفيات الأعيان) لـ (ابن خلكان) يذكر نهاية المثقف عبد الحميد أن أبا العباس السفاح الخليفة العباسي دفعه الى صاحب شرطته (فكان يحمي له طستاً بالنار ويضعه على رأسه حتى مات) ويصفه ابن خلكان أنه:(يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب أماماً).
أما مصير (ابن المقفع) فتأخر بعض الشيء ولكنه قتل بأشنع من الكاتب عبد الحميد. يقول (ابن خلكان) أنه لما ألقي عليه القبض والي البصرة قال له ( أنشدك الله أيها الأمير في نفسي. فقال أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، وأمر بتنور فسجر، ثم أمر بابن المقفع فقطعت أطرافه عضواً عضواَ، وهو يلقيها في التنور، وهو ينظر، حتى أتى على جميع جسده، ثم اطبق عليه التنور، وقال ليس علي في المثلة بك حرج لإنك زنديق وقد أفسدت الناس).
يقول بعض الصيادين ان الأفعى عندما تقترب من فريستها تصاب بالرعب فلا تتحرك فتبتلعها لقمة سائغة. وأعرف من غابات ألمانيا أن الغزال يصاب بصدمة الضوء ليلاً فلايبرح وحتى لايعمل السائق الحادث عليه أن يطفيء النور فيفر الغزال. وأمام شحنة رعب من هذا النوع الذي تنقله قصص التاريخ، أو مانراه أحياناً في المنطقة العربية يصلح تفسيراً لحالة الخرس المطبق للمجتمع، فالانسان يتلقى الجرعة القصوى من الرعب أسلمته الى حالة الرهاب المرضية، وقتلت المعارضة اجتثاثا.
راهن (عبد الله بن المقفع) على التغيير العقلي فحاول القيام بمسؤولية المثقف في التوعية، وحاول في (رسالة الصحابة) أن يتناول أهم أربع نقاط في الاصلاح الاجتماعي. كانت الأولى في إصلاح المؤسسة العسكرية، وناقش في الثانية مسألة (القضاء) أن يرجع فيها الى المصلحة العامة والعدل وعدم مراعاة القياس الشكلي فمتى (رؤيت العدالة في غير القياس يجب أن نضحي بالقياس) ويأتي ابن المقفع بمثال على ذلك انك لو سألت أحدهم أتأمرني أن أصدق فلا أكذب كذبة واحدة أبداً لكان جوابهم نعم، ولكن ماذا تقولون لو أن رجلاً هارباً من قبضة ظالم وسألني عن مكانه وأنا أعرف مخبأه هل أدل عليه والتزم الصدق؟ ليصل في النهاية باقتراح مايشبه فكرة الهيئة التشريعية لتقنين القوانين وتعميمها في الدولة ويقرر (أحمد أمين) في كتابه (ضحى الاسلام) أنه (رأي له قيمته ووجاهته وهو يتفق في كثير من نواحيه والآراء الحديثة في التشريع، ولو عمل به المسلمون لكان له أثر كبير في الحالة الاجتماعية) ولم تذهب دعوة ابن المقفع سدى فلعل كتاب (الخراج) الذي وضعه الامام الحنفي (أبو يوسف) لاحقاً لتنظيم أوضاع الأراضي كان من وحي فكرة ابن المقفع، بفارق أن ابن المقفع كان ينطلق من تحليل عقلاني بحت.
وأما الفكرة الثالثة التي عالجها فكانت شريحة (البطانة) وأهمية انتقاء هذه النخبة وهي ماعناها بعنوان الكتاب، فكلمة (الصحابة) قصد بها الحاشية التي تحيط بالحاكم وتدفعه الى اتخاذ القرارات الخطيرة، فيقرر بكل أسف أن (الخليفة يقرب أوغاد الناس وسفلتهم فهرب الخيار من التقرب للولاة) ويروي أن من أتى الى دار الخلافة أيام السفاح أبوا أن يزوروا الخليفة لما يعلمون من بطانته وسوء سيرتهم. وذكر أنه (مارأينا من اعجوبة قط أعجب من هذه الصحابة ممن لاينتهي الى أدب ذي نباهة، ولاحسب معروف، ثم هو مسخوط الرأي مشهور بالفجور) ليصل الى نصح الخليفة أن لايقرب اليه الا (رجلاً أتى بمكرمة عظيمة أو رجلا له من الشرف وجودة الرأي والعمل مايؤهله، أو رجلا فقيها مصلحا ينتفع الناس بفقهه) ويقرر في عمل هذه النخبة، أنه (يجب أن يعين لكل منهم اختصاص في عمل لايتعداه) مايسمى بالتكنوقراط في أيامنا.
ويذكرنا هذا الكلام مع ماوصف (عبد الرحمن الكواكبي) في كتابه (طبائع الاستبداد) طبقة الحاشية هذه أن تكون : (النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طباعاً أعلاهم وظيفة وقرباً). ويصل ابن المقفع في البند الرابع من رسالته الى فكرة الاصلاح الزراعي (الخراج) أن تمسح بشكل جيد مع التدوين الدقيق والضريبة المناسبة، ولكنه اعترف أنها مسألة ليست بالسهلة أمام خيانة مستفحلة.
يبدو ان رسالة الصحابة لابن المقفع لم ترو غليله فاستعان بأدوات الأدب لينتج معجزة أدبية رائعة كانت فكرة في أفلام الكرتون التي نراها عند الأطفال اليوم، فإذا لم ينطق الناس فلتنطق الحيوانات، وإذا أصاب البشر الخرس فلابأس من إرسال الأفكار على لسان القرد والغيلم والببر والجرذ والسنور، وهكذا بدأ كتابة كليلة ودمنة، وذكر في مقدمتها أهدافاً أربعة: أن يسارع الى قراءته أهل الهزل من الشبان، وإظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ والألوان ليكون انسا لقلوب الملوك، والثالث أن يكثر استنساخه فلايبطل أو يخلق على مرور الأيام، أما الغرض الرابع فقد أخفاه واحتفظ به لنفسه تحت عبارة غامضة (والغرض الرابع وهو الأقصى وذلك مخصوص بالفيلسوف) ويعقب احمد أمين على هذا الغرض الخطير (والظاهر أن هذا الغرض يمكن تلخيصه في أنه النصح للخلفاء حتى لايحيدوا عن طريق الصواب، وتفتيح أعين الرعية حتى يعرفوا الظلم من العدل، فيطالبوا بتحقيق العدل. ولم يوضحه لإن في إيضاحه خطراً عليه من المنصور ولعل هذه النزعة كانت من الأسباب في الايعاز بقتله). يبدو أن كتاب (كليلة ودمنة) قتل صاحبه ولم يشفع لصاحبه نبل اخلاقه ولاسعة علمه ولاأنه من المع الشخصيات في الأدب العربي. شعر الخليفة المنصور أن شخصيات من هذا النوع غير مرحب بها، فهو يريد عبيدا وليس مفكرين احرار. يريد أدوات للاستخدام وليس ارادات لقيادة جماعية. يصف من عاصر ابن المقفع مثل (محمد بن سلام) (سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن احمد ولاأجمع، ولاكان في العجم أذكى من ابن المقفع ولاأجمع) ويصفه الجاحظ:(كان جوادا فارسا جميلا) ويعجب الناس بأدبه فيسألونه من ادبك؟ فيقول( نفسي إذا رأيت من غيري حسنا أتيته وإن رأيت قبيحا أبيته). كتاب كليلة ودمنة كان رسالة من ابن المقفع
للمنصور فتسلمها بامانة ورد عليها، فأوعز الى أحد أدواته المدعو (سفيان بن معاوية) وهو يعلم حقده عليه فيلقي عليه القبض قائلاً: (ياابن الزنديقة لادخلنك نار الدنيا قبل الآخرة) وهو يعلم أن تهمة الزندقة ليس فيها استتابة، وهي تهمة لايخرج منها صاحبها الا مع خروج الروح. إن الأمة خسرت الكثير من هذه الكنوز في جو الاستبداد فالمقفع قتل وعمره 36 سنة شأن العباقرة، ولكنه ترك بصمات عمله على كل الأدب العالمي. ونكاد ننسى اليوم أنه قتل من اجل أفكاره ومن قتله. أما ابن المقفع فيلتمع كأشد كوكب دري في السماء إضاءةً. يذكر (مكيافيلي) صاحب كتاب (الأمير) عن الفرق بين الدولة العثمانية والفرنسية، أن الأولى صعب قهرها سهل الاحتفاظ فيها بعد كسرها، أما الدولة الفرنسية فسهل كسرها في البداية صعب الاحتفاظ فيها بعد ذلك. ويكشف السر عن ذلك عن طبيعة الحاكم والأمة والعلاقة بينهما، أن الأمة التركية غنم على رأسه راعي منفرد فإذا قتلت الراعي وضعت يدك على غنم لاتملك حولا ولاطولا، أما الأمة الفرنسية فهي مجموعة رعيان متشاكسون على رأسهم أحد الرعاة، فإذا تغلبت على راعي وقعت في مصيدة الرعيان بايديهم عصي كثيرة.

Tuesday, October 27, 2009

الاعتقالات في دول المخابرات خالص جلبي إيلاف

تاريخ 14 أكتوبر 2009م تم اعتقال المحامي هيثم المالح، بيد النظام المخابراتي الكالح، حيث كان يوما خالد بن الوليد يخلص دمشق من قبضة الروم والرومان، لتقع في قبضة الانقلابيين الحشاشين.
وجاء في حيثيات اعتقاله عقب حواره الهاتفي مع مذيع برنامج بانوراما على فضائية بردى، عن القبضة الأمنية التي تشتدّ من شهر إلى آخر، ومن سنة إلى أخرى في سوريا.. وقال أن أحوالنا في هذا العام هي أسوأ من العام الماضي، فالاعتقالات تزداد.. وأشار إلى نهب المال العام والفساد المستشري، واعتقال زميله الأستاذ مهند الحسني لمجرّد رصده للمحاكمات التي كانت تصدر في محاكمات علنية فتضايق منه الأمن واعتقله؟!!
وأن إعلان دمشق مثلاً ينادي بالتغيير السلمي الديمقراطي المتدرّج، وأن القوانين لدينا في الكتب فقط، وأن الكتب على الرفّ منذ زمن بعيد، وأن هناك تدمير مُدَبَّر ومُمنهَج لدمشق.
كما قال أنه لا يعرف من بيده الأمر في هذا البلد من أجل حلحلة مشاكل الناس، ومن بيده مفتاح المستقبل؟!!
وقال أنه ليس من حق الدولة أن تمنع جريان نهر بردى؛ فهذه جريمة بحق دمشق... ولكن مَن يحاسب مَن في هذا البلد؟؟
واستغاث المالح قائلاً.. أن دمشق تسير نحو التصحّر وما من مجيب!!.
وفي نفس إطار الحديث عن أزمة العشوائيات، قال المالح أن سوريا دولة غنية، ولكنها ابتُليت بنهب المال العام وبالهَدْر والتبذير الذي يجري من قِبَل السلطة.
وعن حال القانون في سوريا، قال المالح أنه لا يُطبَّق إلا على الضعيف في هذا البلد، بينما القوي لديه عدة وسائط وطرق لعمل أي شيء!!
وبقي المالح متفائلاً في حديثه قائلاً أن المستقبل مرهون بيد الشعب، وأن على الناس أن تدافع عن مصالحها، وأنه على كل مواطن أن يعي حقوقه ويدافع عنها.
وفي أواخر الحوار أضاف المالح أنه يجب أن لا نتنكّر عن الحقّ وإلا تدمّر البلد؟؟
وحاليا تحرك الانترنت في كل العالم لنصرة هذا الرجل الشيخ مذكرا بسقراط الذي سممته أثينا، أما في دمشق فلا حاجة لسم الشوكران لوفرة أفاعي الصل والأناكوندا سما والتقاما.
وهو محظوظ حاليا بسبب هشاشة النظام البعثي المحتظر المحتضر، فهو في وقت شباب النظام المتوحش لبث في السجن بضع سنين، ويروي عن سجنه أنه لم يسأل كلمة في دخوله ولا كلمة في خروجه، بعد ثماني سنوات عجافا ذهبت هباء من حياته.
وأنا شخصيا لي تجارب في الاعتقالات تجعلني أفهم الأوضاع تماما؛ قبل أن أغادر ديار البعث إلى يوم البعث.فقبل أن أغادر جحور الأفاعي تم لدغي بالاعتقالات مثنى وثلاث ورباع!!
وكان الاعتقال الرابع لي أنا وداعية السلام جودت سعيد، في طريقنا لزيارة صديقنا الذكي المثقف خالد حسون في السلمية، وصدف أن تحركت مظاهرة اعتراض في حمص؛ فتم مسح المنطقة على قطر ألف كم، من حلكو وعامودة إلى سمنين وبير عجم، ومن الكلّة و(تركمان بارح) حتى نصيب ونصيبين.
تم اعتقال الآلاف على شكل (احترازي) وكان نصيبنا الفلق وتحطيم الأسنان بالبوكس الحديدي، حتى صلحت نابي المحطم في أرض الفرنسيس والجرمان.
وكان الشباب (الطيبة) يضربون بمتعة بالغة، وما زال في خيالي وجه جودت المحمر من صفعة هائلة!!
وسبق ذلك ثلاث اعتقالات الأولى حين زربنا ثلاثين وقوفا، في غرفة تتسع لسبع أنفار، وكان معنا مصاب بالبروستات فبال على الأرض تحت أقدامنا فنمنا في مستنقع؟؟
كان ذلك في قبو المخابرات العسكرية في القامشلي، وأنا أتهيأ لاجتياز أهم امتحان في حياة الطالب البكالوريا؛ فهي من تحدد مصير ومسار الطالب إلى أين؟
بعدها دخلت الطب وما زلت أمارسه حتى الساعة، فلا أمان للمفكر إلا في شاطئ المهنة، والويل للمفكر إن عول في رزقه على مهنة الكتابة وحرفة القلم والارتزاق منها، فمصيره في بطن حوت الدولة، أو سمك قرش أمير أو رفيق، أو أفعى أناكوندا من مؤسسة متهالكة، ومسئول فاسد متنفذ.
وأفرج عني قبل الامتحانات بـ43 يوما، فكنت أمر كل صباح بجنب قلعتهم وهم يلوحون لي بالقبضات العسكرية والبساطر!!
وفي مثل هذا الجو من الضغط النفسي، وتحت شعور المطاردة قدمت الامتحان في الحسكة، وكنت الأول في المنطقة؛ فتحركت إلى العاصمة الجميلة دمشق أدرس فيها الطب، ولم أعلم أن علي ثلاث زيارات منحوسات أخرى إلى فروعهم، التي تعطيك اليقين بوجود جهنم، وبذلك فقد أحيت لنا المافيا إيماننا بالقيامة وسقر؟؟
الأولى كانت حين تم اقتحام المسجد الأموي بالمصفحات والطبنجات والرصاص، وتم زرب خمسة آلاف شخص في المسكية، عند مدخل المسجد في مساحة تتسع لمائة نفر!! وساعدت طفلا من الاختناق حين رفعته فوق رأسي!!
وتعرفت يومها على معتقل الرعب الأول (سجن المزة العسكري) وقضيت فيه ثلاث أضعاف فترة القامشلي 39 يوما، ويومها فاجأنا (أمين الحافظ) أبو عبدو الملقب بـ (الجحش) فنظر في الزاوية؟ وقال من هؤلاء؟ قالوا له طلبة جامعة؟ قال يتحملوا لا تقصروا فيهم؟؟ فهجم علينا جلاد أول شيء فعله نتف لحية طالب شريعة فلسطيني ساقه حظه العاثر إلى هذه المزبلة.
أما الاعتقال الثالث فكان علي رؤية جلاد من كلاب جهنم هو الطحطوح؟؟
وكنت شاهدا في كراكون الشيخ حسن على حفلات تعذيبه الليلية، فالرجل (السيكوبات) أبو فواز ؟!! كان مولعا مثل دراكولا بالقدوم نصف سكران عند الفجر، فلا تطلع الشمس إلا على ملسوع أو مفجوج أو مفدوغ أو مهشم العظام مكسر الأسنان، أو واحدا مثلي مشبوحا إلى حائط يحمل على كتفيه دولاب سيارة في تعذيب مستمر لأيام؟؟
وسمعت عنه أنه هذه الأيام قد أصبح تاجر عقارات مرموق من أموال الضحايا؟؟ فقد خدم وتعب ويأكل رزقه من عرق الجبين والجلد؟؟
أما في سجن القلعة فله رواية رعب رائعة؛ فقد غنى المعتقلون يوما يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما!! فقدم مع الزبانية، فأخرج الجميع وحاجاتهم البائسة، ثم صب المازوت والكاز على أمتعتهم وطعامهم الهزيل، ثم أمرهم بالتدحرج والتقلب عليها مثل ألأفعوان، ثم أمسك بشاب راقه الضرب على رأسه، فما زال يضرب على اليافوخ، حتى فار الدم، ووقع في نوبة تشنج صرعية، فما زال يعاني منها حتى اليوم؟؟
وأبو فواز كان يحب الضرب على الرؤوس كما رأيت ذلك في حفلة أبو راكان في سجن الشيخ حسن.
بجنب مقبرة الدحداح اجتمعنا بالأموات الأحياء، وحشرت في انفرادية لمدة 54 بدون ذنب وجناية سوى التقارير السرية والشبهة والحكاية!!
إنها أيام خالدات لا تنس يجب رواياتها لأولادنا وأحفادنا وذرارينا من بعدنا، وتسجيلها وتوثيقها وإنشاء مركز استراتيجي لها، كما فعل وايزمان مع حكايات النازيين، والتقاطهم على مدار قطر الكرة الأرضية ولو بعد ثمانين عاما؟؟
يجب حفظها وروايتها حتى لا تُنس قط، وتعرف الأجيال ثمن الحريات!! فمسلسل الدياسبورا وروايات الفاشيين والنازيين البعثيين مع قصة المالح في ظل النظام الكالح لم تختم بعد؟؟
يجب نصب تذكاري لمصرع الألف في ليلة، في تدمر، وكما فعل الكنديون عند حدود بلجيكا فرفعوا نصبا هائلا يحمل جناحيه أسماء كل القتلى في الحرب الكونية، وكذلك يجب أن يفعل السوريون عند بقايا زنوبيا في تدمر؟؟
إن مشكلة الأنظمة الشمولية أنها تخضع لقوانين دول المخابرات وليس الدستور كما طالب المالح فتحول إلى قالب ملح في بطن الحوت؟
ولكن ما هي قوانين المخابرات؟
عندما اعتلى الثعلب (محمد علي باشا) كرسي الخلافة في مصر عام 1805 م طلب من وزيره الأرمني (آرتين) أن يترجم له من الإيطالية كتاب (الأمير ) لمكيافيللي.
وينقل (علي الوردي) في كتابه (تاريخ العراق الحديث) عن الوزير أنه كان يترجم له كل يوم عشر صفحات، حتى كان اليوم الرابع حينما استوقفني قائلاً:
"لقد قرأت كل ما أعطيتني إياه من مكيافيللي؛ فلم أعثر على شيء جديد يذكر في صفحاتك العشر الأولى، إلا أنني كنت آمل أن تتحسن الحال.
لكن الصفحات العشر الأخرى لم تكن أفضل. أما الأخيرة فليست سوى مجرد عموميات.
إنني أرى بوضوح أنه ليس لدى مكيافيللي ما يمكنني أن أتعلمه منه؛ فأنا أعرف من الحيل فوق ما يعرف. فلا داعي للاستمرار في ترجمته"
وفي كندا روت لي طالبة كانت تدرس العلوم السياسية في جامعة (مك جيل) في مونتريال، أن الأستاذ وقف يوما فقال هل تعلمون كيف يحكم فلانا وذكر أحد الأنظمة الاستخباراتية؛ فبدأ الطلبة الكنديون الأبرياء الذي عاشوا عمرهم في الديمقراطية يعصرون أدمغتهم في محاولة استحضار كل أساليب الشيطان الممكنة.
وفي كل مرة يضحك الأستاذ من سذاجتهم ويقول لا.. لا.. إنه أذكى منكم جميعا؟!!
ثم بدأ يشرح بشكل ماكينة الحكم والعبقرية الإستخبارتية التي وصل إليها قائد البلد المنكوب.
وكان تحت قانون التنين بسبع عشرة رأساً كما سوف أشرحها.
يجب فتح العين على حقيقة مفزعة أن المواطن وصل إلى مرحلة مطبقة من اليأس، وهو مستعد أن يتقبل أي وضع يغير وضعه، فلم تكن أمريكا لتأتي لولا ذلك، وحين يجتمع النمل أو تحلق النسور، فحول جثة ذبابة وجيفة بقرة، ولكن المشكلة أن هذه (غريزة) وليست (وعياً)؛ فعندما فرت الديناصورات من يوكوتان عندما ضربها المذنب قبل 65 مليون سنة، هلكت بالشتاء النووي.
وعندما زال (صدام) جلس (مصدوم) محله.
إنه من المهم أن يفتح المواطن عينيه على الواقع المدمر المليء بالإحباط فهذا وعي مقدس، وجميل أن يتعذب فيضرب ويهان على يد كلاب جهنم من الجلادين، وتكسر أسنانه وتطحن عظامه، لأنه لاشيء يبقى في الذاكرة مثل الألم. ولا شيء يطهر الإنسان مثل الألم. ولاشيء يحرض على تغيير الظلم مثل الألم.
والألم هو الذي غير غاندي حينما رمي في تلك الليلة الباردة من القطار لأنه جلس في مكان البيض درجة أولى؟!
ويجب استيعاب أن الوطن لا يبقى وطنا مع تبخر أمن المواطن، وإذا وصلت الأمور إلى هذه الحافة؛ فيجب على المواطن أن يوطن نفسه على أمرين: فإما غادر المكان وهاجر، والتحق بوطن جديد فيه حرية.
وإما كرس نفسه واستعد للمقاومة، وإلا حاقت به لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
ويجب أن تكون المقاومة مدنية، والاستعداد بالتخفف من كل ثقل، مثل سفينة تواجه الإعصار؛ فتلقي كل حمولة زائدة، لأن أي متعة لن تبق متعة، وكل طفل يولد سيولد للمعاناة والفقر في ظل الظروف الديكتاتورية. وفي يوم هرب تركماني في شمال العراق بعد أن تم طلبه لقذفه في أتون الحرب الإيرانية؛ فصعد للسطح وهم بإلقاء طفلته الرضيعة من السطح، وهو ينظر في السماء ويقول أي حياة تنتظرها وأي مستقبل لها؟
ولكن هاتفا هتف به أن يرفق بالرضيعة فنجت من الموت.
ثم ترك بيته وما يملك، وهرب مع تسعة من أفراد عائلته عبر جبال كردستان، وهو يردد لعنة لوط ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون.
ويجب أن لا نخش من السجن بل نعتمد استراتيجية تفجير السجن؛ فالنظام لا يمكنه أن يسجن عشر الأمة.
ويجب أن نعالج الأوضاع ليس بالكراهية؛ فالطبيب الذي يعالج مريضه يحقنه الدواء ولا يكرهه.
ولو فعلت المقاومة في الجزائر ضد الجنرالات المتفرنسين هذا لما مات عشر معشار ما مات حتى الآن.
والأهم ولادة الأمة على نحو سليم محررة من علاقات القوة. لأن من أخذ الأمور بالسيف بالسيف يهلك، ومن أزال القوة بالقوة سقط رهين القوة. ومن أزال اللاشرعية ونظام المخابرات استبدل السافاك بالساماك، كما فعل الملالي في إيران.
ويجب أن لا نراهن على المصالحة، لأنها تدخلنا اللاشرعية حيث نظام المخابرات يتغذى على الدماء مثل الدراكولا، بل يجب تغيير البنية الأساسية في الحكم والتربة الثقافية.
فهذه قوانين وجودية.
في العالم العربي قانونان الأول اسمه الدستور وهو مكتوب.
والثاني اسمه قانون المخابرات وهو خفي وعملي وغير مكتوب.
ولكن الحياة لها قوانين عملية ولا تأبه بالمكتوب، ولذا فإن حياة المواطن تخضع لقانون المخابرات، مثل قوانين القراصنة سابقاً، مع فارق أن القرصان الجديد إذا صعد إلى سطح السفينة تلوا عليه قانون القراصنة. والناس مثل المالح تتحدث عن القانون المكتوب؟؟
ينص قانون المخابرات (غير المكتوب ؟؟) على سبع فقرات مثل أبواب جهنم السبعة، لكل باب منهم جزء مقسوم. وهذا القانون غير المكتوب سوف نحاول كتابته.

(1) الفقرة الأولى:
اعتماد الكذب هادياً ودليلاً؟؟
فيجب أن يكذب العنصر على زوجته التي في حضنه. وتحت آلية الكذب؛ فيجب أن يكذب ولو لم تكن هناك حاجة للكذب. وفي يوم اعتقالي الرابع كانت زوجتي تسأل عن مصير زوجها؟ فقال لها المجرم عدنان الدباغ: هو بخير وسنفرج عنه بعد أيام؟!
ولكن لم يكن زوجها (بخير) قط بل كان يفلق ويحرق وتكسر أسنانه ولم يفرج عنه إلا بعد سنة.
والشاهد أن الجبار رئيس الفرع الأمني قوي، ولا يحتاج للكذب، ولكن الكذب أصبح في دمهم مثل الكريات الحمراء، فلا يتنفس ولا يزفر إلا كذبا.
وفي النهاية مات عدنان الدباغ الجبار رئيس فرع المخابرات العامة حتف أنفه مختنقا بسرطان الرئة، مثل أي كذاب أشر، ويوم القيامة هو من المقبوحين.
ومن الغريب أن رجل المخابرات يسّود وجهه مع الوقت، بما عانت نفوسهم، فطبعت النفس بصمتها على الجباه.
وهي ظاهرة يعرفها من رآهم وعرفهم.
وفي القرآن تغشى وجوههم قطعا من الليل مظلما...
وهي تحتاج لدراسة بذاتها.

(2) والفقرة الثانية من القانون الاستخباراتي تقول:
لا ضمانة لأي شيء أو إنسان في أي زمان ومكان.
وتطبيق هذه الفقرة هي استباحة المواطن في كل شيء، والمخابرات هنا ليست وظيفتها التجسس للخارج، بل التجسس على المواطن.
وفي ألمانيا الشرقية كان (الستازي STASI) جهاز الاستخبارات عنده عشرين ألف غرفت للتنصت على المواطنين. وزجاجات فيها روائح المعارضين فقد ثبت احتفاظها بالرائحة وصمودها وزيادة تركيزها مع الوقت، وليس أسهل من شمشمة الكلاب الرائحة ثم إطلاقها على المعارضة والمعارضين..
وهو يذكر بمرض خطير في الطب في التهاب اللوزات، تحت قانون حاميها حراميها؛ فهي بالأصل خلقت كجهاز للدفاع عن الجسم، ولكنها مع الوقت تتحول إلى وكر للجراثيم؛ فترسل الذيافين والسموم إلى كل الجسم فتلحس المفاصل وتعض القلب وتعطب الكلية.
والأطباء عندها يلجئون إلى الجراحة فيستأصلون اللوزات. وهو ما فعله الشعب الروماني مع السيكورتات التي خلقها تشاوسسيكو اللعين. بعملية جدا دموية
وتحت الفقرة الثانية يجب ترويض المواطن، وترويعه، واقتحام خصوصيته، والاستيلاء على الفاكس في بيته، ومصادرة سيارته (وموتورسيكله كما فعلوا معي) ونهب ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة، وإخضاعه للرب الأعلى الذي اسمه الحاكم لأنه ظل الله على الأرض. ويجب أن يرى المواطن المخابرات في المنام وأثناء مضاجعة زوجه تلوح في الأفق مثل ملائكة العذاب فتعكر كل حياته.
نعم يجب إدخال القلق وداء الرعاش وعدم الهدوء إلى ضمير المواطن، ويجب أن يشعر بهم، ولو هاجر إلى كندا، واختفى في غابات يوكوتان، وجزيرة كمشتكا وبتاغونيا.
وفي يوم اعتقالي وكنت طالبا جامعيا فقير الحال مع موتورسيكلي الذي أتنقل به، فلما أفرج عني لم أستطع المشي من تيبس المفاصل، فقد كنا مزروبين عشرة في غرفة لشخصين؟ وكان موتورسيكلي أشلاء فقد استعمله رجال الفرع بمتعة وتدمير طول فترة الاعتقال.
وإذا استبيح الإنسان فما معنى أغراضه التافهة؟

(3) والفقرة الثالثة:
تنص على استخدام أي أسلوب للوصول إلى المعلومة ولو تبق معلومة.
وتطبيق مبدأ (الحلاوة والكرباج)، أي (حلحلة) المواطن بين قطبين من الترغيب المعسول والتهديد الماحق. وأي أسلوب مشروع. وكل حديث عن القيم ليس بقيمة. وكل المحرمات مسوغة. وإذا تطلب اغتصاب زوجة المستجوب فعلوا ولم يترددوا، ويجب أن تكون بحضوره.
وكان لينين يعطي تعليماته بشنق المعارضين بعد انتقاء كرام القوم وبحضور الناس أجمعين.
وفي يوم طالب فرع الأمن السياسي مني مراجعته بورقة صفراء ممزعة قبيحة ناولوني إياها من بوابة المطار، لمراجعة الفرع 223 ؟!! والأرقام كثيرة؟؟!!
لاكتشف أن الأمر يعود إلى تقرير كيدي، من امرأة طلقها زوجها قبل عشرين سنة.؟!!
وعندما راجعتهم بدأوا من نقطة الصفر، فلعلهم يفوزون بشيء جديد ينافسون به الفروع الأمنية الأخرى، بعد أن تحول المواطن إلى حمار لم يبق على ظهره مكان للركوب.
بدأوا أولا في السؤال عن نوع الحليب الذي تغذيت به في الطفولة هل كان سيريلاك أو سيميلاك؟؟
وفي النهاية بعد مراجعة مضنية لمدة 17 يوما، قالوا لي كان بإمكاننا اعتقالك من الحدود؟ قلت نعم أشهد بذلك.
قالوا له إن الأمن في بلدنا مستقر!! يشهد بهذا القاصي والداني؟؟ قلت لهم نعم أشهد...
وهمست بيني وبين نفسي؛ إنه هدوء يشبه سكون المقابر؛ فلم يبق مواطن، بل قبور تبلع، وحفّار جاهز بالرفش وجثث تتوافد.
وعندما صعدت الطائرة وأنا أنفض عني غبار الاعتقال، كان بجانبي راكب باكستاني، قلت له ما الذي لفت نظرك في بلدنا؟
تردد الباكستاني ثم ابتلع ريقه وقال لم أر هدوءً وأمنا مثل هذا البلد!!
ثم تنحنح وتابع، ولكن صور الزعيم كثيرة جدا في البلد؟!
وفي صالة مستوصف حقير في خان أرنبة وهي قرية حدودية تافهة، كان على الجدران 17 صورة للقائد الأبدي وابنه، ولا ديمومة إلا لله، واليوم أصبح وجه القائد طعاما للدود؟؟

(4) الفقرة الرابعة:
الشك والشك بدون حدود.
وعندما انتشر تنظيم العباسيين في خراسان كان أبو مسلم زعيم عصابة المخابرات، وكانت التعليمات تقضي بأن يقضى على كل مشتبه به، ولو كان طوله خمس أشبار.
وفي يوم قال ضابط أمني لواحد، هل تعلم لماذا ضحك عليكم الزرزور وكان تاجرا جمع أموال الناس بدعوى الربح السريع الوفير؟!
وكان منهم قسم من أفراد عائلتي وضعت في يده مليون ريال!!
قال: لأنكم تثقون ونحن لا نثق بأحد، ولو زوجتي التي في حضني، وابنتي التي ربيت؟!!
إنها كائنات مشوهة، كما جاء في رواية التحول عند (كافكا) فأصبح الإنسان صرصورا بحجم فيل له خرطوم طويل وذيل وثيل؟؟

(5) الفقرة الخامسة:
مسك الناس بقانون الرعب!!
فيجب ضرب أبشار الناس، ونشر أخبار الضرب، وبكل سبيل يوعدون ويصدون عن سبيل الله، وعلى كل منبر ووحيا، من بين الأسطر والتعبيرات، ونقل هذه الأخبار عن طريق المجندين من خلاياهم السرية، ومن سار في دربهم إلى يوم الدين؛ فالأفعى تتغذى على هذا القانون. والضفدع الذي يرى الثعبان يتجمد من الرعب فيلتهمه الثعبان.
وعندما دخل المغول بغداد، كان الجندي المغولي يمسك العشرات لوحده فينبطح الناس للنطع والسيف.
وفي أحد الحفلات افتقد الجندي سلاحه فلم يكن على جنبه؟! قال لهم امكثوا ولا تبرحوا، قالوا سمعا وطاعة، فغاب ساعة، ولم يفكر أحد بالهرب. فعاد وذبحهم بشفرة حادة فلم يتألموا كثيرا.
وفي ألمانيا بعد أن عرض فيلم الهولوكوست عام 1982م ذكر يهودي تجربته، أنهم كانوا يؤخذون إلى خنادق الموت وحفر القبور الجماعية والرشاشات تحصد من قبلهم، وما زال فيهم ولو (جزيء Molecule) ـ شدد وعصّب عند هذه الكلمة ـ من أمل أنه ربما عفي عنهم؟!
ولم يتحولوا في معتقداتهم حتى أطبق عليهم اليأس.
ومن أساليب المخابرات قانون (الفنتيل) أي (التنفيس) وعدم إيصال الأمة إلى حافة اليأس، كما في مسرحيات الكوميديا للعظمة والطوشة، فهم يرتزقون، أما رياض الترك ففي الانفرادية 17 عاما، لأن بعدها الطوفان. وهو ما أشار له أتيين لابواسييه في بحثه عن جذور الاستبداد في كتابه العبودية المختارة أن أسلوب التلهية اعتمده أباطرة الرومان، ومن أجل هذا بني الكولوسيوم فقتل في مائة يوم خمسة ألف من الحيوانات الضواري ومعها عشرة آلاف مجالد؟؟ واليوم استبدلت بفرق كرة القدم؟؟
والمجرم يريد حلب الناس إلى يوم القيامة ولذا فهو يسمح بالتنفيس مثل المسلسلات المضحكة، أو الاستعراضات لمجالس شعبية، وانتخابات مزيفة، ومظاهرات مسيرة من الباب للمحراب، لصناعة مجالس قرود يمكن أن تغير الدساتير في اللحظة الحرجة في دقيقة أو دقيقتين، فهي لهذا صنعت، ومن أجل هذا بنيت، وهي ضحكة كبيرة يطلقها الطاغوت من فم ابتلع كل العباد.

(6)الفقرة السادسة:
الوصول بالمواطن إلى (التوبة النصوح) حسب شروط فقهاء العصر العباسي؟؟
بمعنى الندم عما فعل، والاعتراف بالخطأ، وأن لا يعاود النشاط للمستقبل، وأن يفتح كتاب (النبات) ويدرس (وظائف) النبات؛ فيكون النبات له قدوة؟!
مثل هل يتغذى النبات ويتكاثر؟ الجواب نعم.. إذا على المواطن أن يتغذى ويتناسل مثل الأرانب لإنتاج مزيد من العبيد.
ومثل هل يتحرك النبات أو يحرك؟ والجواب لا يتحرك ولكن يُحرَك مثل نقل النباتات من نافذة لأخرى. إذا على المواطن أن لا يتحرك في مظاهرة بل تحركه يد المخابرات.
ومثل هل يفكر النبات؟ والجواب لا النبات لا يفكر قط.
وعلى المواطن الصالح أن لا يفكر، لأن التفكير خطير، ومصيره أن يصبح نزيل أقبية المخابرات، يرفس بالغدو والآصال.

(7) قانون التنين:
بمعنى خلق كائن أسطوري له تسعة عشر رأسا.
وفي مونتريال في كندا كان أستاذ العلوم السياسية يشرح للطلبة هذا القانون، وهو أن رئيس العصابة يسخر الفروع الأمنية، أن تعمل بشكل غير مركزي. وتتنافس فيما بينها. ولا يوجد تقاطع في المعلومات. ولا أحد يعطي معلومة لأحد. وكل يعمل بذراعه وحافره ورجله ومسدسه.
وكل يركب المواطن من الأمام أو الخلف بالطريقة التي يشتهيها.
وأن نسبة القتل المسموح بها 6%؟!
وأنه مسموح لهم باعتقال من يشاءون، بالكمية التي يرغبون، ولكن إطلاق عصفور ويعسوب تتم بيده ومذيلة بتوقيعه.
وبذلك يتحول البلد الواحد إلى 19 دولة، وينقلب الوضع إلى قبائل أمنية، بفارق أن القبيلة الأمنية مضاربها كل البلد، وشيخها يمسك أي مواطن، في أي لحظة؛ فيفعل به ما يشاء.
عندما سمع الطلبة الكنديون ذلك فتحوا أفواههم من الدهشة ولم يعقبوا.
يختلف العرب في كل شيء إلا الموضوع الأمني، ولذا تسامر وتحابب وتصاهر رؤوساء الفروع الأمنية في العالم العربي، ونشأت بينهم علاقات القربى الحميمة وزواج ومصاهرة مع الحريم والشيطان.
والكل معه جواز سفر كندي أو أوربي له ولذريته من بعده، تحسباً ليوم الزلزلة إذا زلزلت الأرض زلزالها؟
والكل عنده حسابات سرية بأسماء سرية للزوجة والذرية، في البحرين واليونان وليشتن شتاين، ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل.
ويل يومئذ للمكذبين.
والكل يرسل أبناءه إلى دول الاستعمار والرأسمالية، وهو يحارب الاستعمار والرأسمالية على الورق، وفي المظاهرت المزيفة.
وإذا وقع مواطن عربي في يد واحد منهم، قاموا بتسليمه لبعضهم بأريحية عربية وكرم حاتمي، ولا حرج من حفلة دربكة على جلده، كما فعل بعرار السوري الكندي، المشحون من أمريكا، عبر بوابة خلفية من نظام ملكي رجعي إلى نظام تقدمي ثورجي من جبهة الصمود؟!.
وبقدر اختلاف الأنظمة العربية ونزاعها، بقدر توافقها وتفاهمها الاستخباراتي.
فهي مسألة بقاء ونزع الروح؟؟
وفي يوم كنت على حدود بلد عربي، فأرادوا إلقاء القبض علي، فتعجبت وقلت لهم لعل في الأمر خطأ؟؟ قالوا لا ..
ثم قالوا لي ألست أنت خالص جلبي الملقب بكنجو، من أيام المدرسة الثانوي؟!
قلت نعم وأهنئكم على ذلك.
وقلت في نفسي إن ملفي لا شك أصبح عند الموساد.
بعد أن اغتال سليمان الحلبي الجنرال الفرنسي (كليبر) قلبوا مصر بحثاً عنه، حتى وجدوه بجانب جدار يصلي، ومعه المدية ملطخة بالدم. ولكن نهايته كانت عجيبة كما ذكر ذلك المؤرخ المصري (عبد الرحمن الجبرتي) في كتابه، فقد تمت محاكمته على الطريقة الفرنسية، ولكن تنفيذ الحكم تم بطريقة المماليك حرصا على التقاليد المحلية، فشويت يده، ثم وضع إسته على الخازوق بالطريقة العصملية؟؟
مع كل الظلام المطوق للضمير العربي فمن المهم أن نعرف ثلاث حقائق:
(1) الأولى أن عصر الجليد انكسر وذاب. وأن عصر الديناصورات انقرض وولى. وأنهم يكافحون حتى الرمق الأخير للاحتفاظ بامتيازاتهم.
وأنهم يشبهون ساحرات العصور الوسطى، فيقاتلون بمكانس القش الأطباق الطائرة من فوقهم، تطير بسرعة الضوء.
ومع أنهم ينفقون أموالهم لمراقبة الانترنيت، أكثر مما أنفقوا لبنائه، فسينفقون أموالهم للمخابرات، ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون.

(2) والحقيقة الثانية الاستعداد للمقاومة المدنية، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة والسلاح والعنف، لأنهم يتمنون ذلك، ونكون بذلك دخلنا بطن الحوت من جديد، من حيث أردنا أن يلفظنا من جوفه، كما فعل مع النبي يونس.
(3) والحقيقة الثالثة أن هناك جوهر صاعق وسر مكنون في الإنسان، لا يمكن إطفاء سراجه.
وسحرة فرعون كانوا يريدون المال؟؟ فقالوا أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ ولكن فرعون أضاف إليها المراكز الحزبية والنفوذ؟!! فقال نعم وإنكم لمن المقربين.
ولكن خلال لحظات انقلبوا سجدا لله رب العالمين، وقالوا لفرعون اقض ما أنت قاض إنما تقض هذه الحياة الدنيا.
فهذا السر الرائع من تمرد الإنسان، هو الذي يصنع التاريخ، وهو الذي نراهن عليه.
ولتعلمن نبأه بعد حين.
وفي النهاية فإن نظام المخابرات يشبه السرطان؛ فيقضي على نفسه بنفسه، حينما يبلغ الحجم المدمر، وهو ما أشار إليه فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) أن النظام السوفييتي شعر بالخطر من جهاز الرعب، الذي يسمى الأمن مقلوبا، فعمد إلى تفكيكه، بعد أن أصبح يعيد قصة فرانكنشتاين.
وهذا المصير سيلحق جمهوريات البطالة والرعب والمخابرات، كما سيلحق أمريكا بأجهزتها التنينية، ولن ينجو من هذا المصير ملكيات وممالك ومشيخات وجمهوريات وجملوكيات المنطقة..
وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا..

Wednesday, July 8, 2009

الحمل المستكن - خالد منتصر - 7/8/2009 - ايلاف

فى مؤتمر طبى بإحدى كليات الطب الخاصة وقف أستاذ طالباً الكلمة وقال "لماذا لانناقش فى المؤتمر الحمل المستكن؟!"، ولما سأله الحاضرون عما يقصده بالحمل المستكن، رد قائلاً : أقصد الحمل الذى يظل عاماً وعامين وثلاثة وأربعه!!، إندهش الحاضرون أساتذة وطلبة وتساءلوا: هو فيه حمل بيقعد ثلاث أو أربع سنين!!، رد الأستاذ واثقاً وساخراً من جهل زملائه :طبعاً..إذا كان الإمام مالك ظل فى بطن أمه ثلاث سنوات.
خطورة هذا الرأى أنه قد صدر عن أستاذ طبيب المفروض أنه قد تعلم المنهج العلمى فى التفكير، والمفروض أن مرجعه فى الطب هو المراجع والمجلات العلمية، وفى قضية طبية مثل معلومة أقصى مدة للحمل لابد أن يعود إلى ماتعلمه وقرأه فى هذه المراجع وليس إلى ماقرأه فى كتب الفقه، ولكن هذا الأستاذ للأسف لايعبر عن نفسه ولكنه صار يمثل ظاهرة تغلب النقل على العقل، ويلخص تياراً مستعداً للتضحية بكل ماتعلمه من طب فى سبيل تغليب نص فقهى أوالإنتصار لفتوى تراثية، بدليل أن هذا الأستاذ ليس الوحيد الذى ينتصر لمثل هذه الآراء ولك أن تعلم أن من يتزعم تيار دعم وتأييد ختان الإناث لدرجة أنه قد إختصم وزير الصحة أمام المحاكم يعمل أستاذاً للنساء والتوليد!!.
بعض الفقهاء مثل الحنفية يرون أن أقصى مدة للحمل قد تطول إلى سنتين، والمالكية والشافعية أربع سنوات، والبعض يرى أنها خمس سنوات، والبعض مدها إلى أكثر من ذلك!!، وهو كلام نقبله كنوع من الفولكلور ولانقبله على الإطلاق كنوع من العلم أو الحقيقة، ومن الممكن تبريره كما سنرى لاحقاً نتيجة سوء فهم لبعض الظواهر آنذاك مثل إنقطاع الحيض والتى لم يستطع القدماء تفسيرها إلا بأنه حمل مؤكد فحدث الإلتباس، أما أن يفرض كائن من كان على تفكيرى وعقلى أن أقبل هذه الخزعبلات تحت مسمى تطبيق الشريعة فهذا ماأرفضه أولاً للإسلام دين العقل بأن تلصق به هذه الأفكار التى تنتمى للقرون الوسطى، وثانياً أرفضه بالنسبة لعقلى الذى يفرض عليه أن يقبلها لمجرد أن المفتى قد ذكرها فى كتابه أو لأن الأزهر يدرسها فى منهجه!، فكيف أقبل علمياً مالم يشاهده طبيب نساء وولادة واحد منذ إختراع علم طب النساء والتوليد، ومالم يسجله جهاز سونار واحد حتى فى بلاد واق الواق؟!!، وكيف أقبل أخلاقياً أن أسمح بطوق نجاة فقهى لإمرأة من الممكن أن تمارس الفاحشة بعد وفاة زوجها ثم تنسب طفل الخطيئة للأب المتوفى إحتماء بمظلة الحمل المستكن أو تستراً وراء فتوى فلان أو مذهب علان كما حدث فى 19 جمادى الآخرة عام 1346هجرية فى المحكمة الشرعية فى مكه عندما حكم القاضى مصطفى عبد القادر العلوى بإلحاق نسب طفل ولدته أمه بعد موت زوجها بخمس سنين!!.
ولكن السؤال المهم هل ظل مفهوم الحمل المستكن سجين كتب الفقه لايطبق إلا فى الدولة الدينية أم تسلل إلى قوانين الدولة المدنية المذعورة من شعارات جماعات ضغط الإسلام السياسى؟، هل نحن دولة تحترم العقل والتفكير أم تقدس النقل والتكفير؟.
العلم يعرف كلمة الجنين ولايعرف أو يعترف بمايسمى الحمل المستكن أو مدة الحمل التى تتعدى عشرة شهور فمابالك بحمل السنتين والأربعه!، والمفروض بداهة أن يتبعه القانون ولايحاول مجاملة الفقهاء على حساب العلم، فهذه إجتهادات زمانهم ولابد أن توضع فى إطار هذه الظروف ولاتصبح سيفاً على رقبة المشرع، ولايعقل أن يضم القانون المصرى والسورى والخليجى نصوصاً تتحدث عن الحمل المستكن بمفاهيم القرن الرابع، فعلى سبيل المثال القانون رقم 15 لسنة 1929 " لاتسمع دعوى النسب لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج"، وفى القانون 131 لسنة 1948 فقرة تقول "حقوق الحمل المستكن يعينها القانون"، وفى مرسوم بالقانون رقم 67 لسنة 1980 "الحمل المستكن أهل لثبوت الحقوق.."، وفى المادة 29 من قانون الأحوال الشخصية "على الوصى على الحمل المستكن إبلاغ النيابة العامة بإنقضاء مدة الحمل.."، وكذلك فى المادة 128 من القانون السورى، وكذلك فى قانون الولاية على المال فى البحرين.
دائماً يأتى الرد من أنصار النقل وأعداء العقل بأن الفقهاء يحسبون حساب الأشياء الشاذة التى من الممكن أن تحدث ولو نادراً، والفرق كبير بين الشاذ والمستحيل، فالمرأة التى تنتمى لفصيلة الإنسان لايمكن أن تتحول فجأة لفيل آسيوى ويتجاوز حملها السنتين!، وحتى مدة السنة الشمسية التى جامل فيها القانون الفقهاء وأصابه الحرج منهم مدة مستحيلة، وبوادر إنقباضات الولادة لها أسس ونظريات علمية مستقرة وواضحة، فالرحم ليس مخزناً صامتاً، والقاعدة هى أنه مستعد للفظ الحمل كجسم غريب ولكن الحكمة الربانية تضبط الإيقاع الهورمونى فيحتفظ الرحم بالحمل حتى يحين موعد الولادة وشرارة الإنقباض التى وضع لها العلماء نظريات منها أن عضلات الرحم عندما تصل لدرجة معينة من "السترتش" والتمدد تبدأ الولادة بدليل أن التوائم تولد مبكراً لأن التمدد أكبر، ونظرية أخرى هى أنه عند نضوج الرئة تفرز مادة البروستاجلاندين التى تذهب لمستقبلات عضلات الرحم فينقبض إستعداداً للولادة، وهناك نظرية تليف وضمور المشيمة التى لها عمر محدد لن تتخطاه ولن يصل إلى الجنين أى غذاء بعدها، ولو ظل هذا الجنين أكثر من 42 أسبوع فهو معرض للوفاة داخل الرحم، ولو أكثر من 43 فسيتوفى حتماً، ولابد من تدخل الطبيب بحسم عندما تتجاوز الأم الحامل ال 42 اسبوع، فمابالكم بجنين الخمسين أسبوع الذى يتحدثون عنه، من المؤكد أنه سيتعفن داخل الرحم، وحتى هذا الطفل المتوفى داخل الرحم لن يستطيع الطبيب تركه لمزاجه وللظروف لسبب بسيط هو أن هذا الجنين المتروك ميتاً داخل الرحم سيتسبب فى تغيرات فى تجلط دم الأم التى ستصبح معرضة للموت،ومعرضة أيضاً لجلطات السائل الأمنيوسى التى ستودى بحياتها.
إذن مدة الحمل غير متروكة للصدف والإحتمالات وتغير الأمزجة والأزمنة، ومن يقل الآن أن الإمام مالك ظل ثلاث سنوات فى رحم أمه يهزل فى موضع الجد، والذنب ليس ذنب من قال قديماً، ولكن الذنب ذنب من تبنى هذا الرأى حديثاً!!،
مناقشة آراء رجال الدين والفقهاء وإنتقادها ليست إنتقاداً للدين أو إنتقاصاً منه، والمفروض ألا تكون هناك حساسية عندما تناقش مسألة علمية أخطأ فى فهمها وتفسيرها الفقهاء قديماً، ولايجب أن نرفع السيوف متحفزين عند مناقشة هذه الآراء، فالخطأ ليس خطأ من يناقشها ولكنه خطأ من يعتبرها من صلب الدين، والأسئلة الإستنكارية التى يلقيها رجال الدين مثل هل تكذبون الفقهاء؟، ومن أنتم حتى تطاولوا قامة هؤلاء؟، مثل هذه الأسئلة معوقة لأى تقدم فكرى وعلمى، فنحن لانتهم الفقهاء بالكذب بل نضع أراءهم فى ظروف زمانهم ولانقدسها لأنها فقط صدرت عن رجال ثقات، فالحقيقة العلمية لها شروط أخرى غير مدى تقوى وورع صاحبها، وأيضاً كل من يناقش رأياً فقهياً فى العلم ليس معناه أنه يناطح الفقهاء ويطاول قامتهم، من الممكن ألا يكون أفضل منهم ورعاً وإيماناً ولكنه بالقطع يمتلك وسائل بحث عصرية أفضل منهم، وهذا لايعنى بأى حال إنتقاصاً منهم أو جرحاً لإجتهاداتهم.
قضية علمية مثل أن أقصى مدة للحمل سنة أو سنتان أو أربعة، لانستطيع أن نقبل تسللها إلى نصوص القانون وأمخاخ طلاب الأزهر لمجرد أن الفقهاء القدماء قالوها ورددوها، ولكن من الممكن أن نفسر وقوعهم فى هذا الخطأ بمفاهيم زمانهم وبيئتهم، فماقيل عن أقصى مدة للحمل رددته سيدات هذا الزمن بفولكلور هذا الزمن وعلم هذا الزمن، فسروا أى إنقطاع للحيض بأنه حمل، وبدأن فى حسابات خاطئة بناء على هذا التفسير، فكان من الممكن أن ينقطع حيض إمرأة بسبب الرضاعة سنة أو أكثر ثم تحمل أثناء هذا الإنقطاع فتضيف المدة الأولى على الثانية وتتوهم أن حملها سنتان!، والحمل الكاذب من الممكن أن يعطى نفس النتيجة، ففى هذا الحمل ينقطع الحيض وتحس المرأة بنفس أعراض الحمل تقريباً من قئ وتقلصات بل وإنتفاخ بطن، وتفسر حركة الأمعاء على أنها حركة جنين، فإن تم الحمل الحقيقى أضافت هذه المرأة الملهوفة على الحمل مدته إلى مدة الحمل الكاذب، وأيضاً إذا ولدت المرأة طفلاً بأسنان،فسرت وترجمت هذا الحدث على أن هذا الطفل تجاوز العام داخل الرحم!!، مع أن هذه الأسنان زائدة وعادة ماتسقط لينمو بدلاً منها الأسنان الطبيعية ويراها أطباء النساء الآن بدون أن يفسروا ذلك على أنه معجزة طفل ولد فى سن المدرسة!!.
قضية الحمل المستكن تفتح الباب أمام مناقشة كل ماإعتبرناه علماً وطباً داخل كتب الفقه، فلايمكن الآن فى القرن الحادى والعشرين أن نقول كما قال الفقهاء قديماً أن دم الحيض هو لتغذية الجنين وينقلب لبناً أثناء الرضاعة!، ونرمى كل ماتعلمناه فى مراجع طب النساء من تغيرات هورمونية تضبط إيقاع الدورة الشهرية وتمنع حدوثها أثناء الحمل، ولايمكن أيضاً أن نعتمد على مفاهيم ماء الرجل وماء المرأة فى تناول قضايا الوراثة والسكسولوجى وعلاج العقم، ونغض الطرف ونتجاهل مفاهيم الحيوان المنوى والبويضة والإنفجار المعرفى الذى حدث بعد إكتشاف الدى إن أيه، وكذلك المفاهيم التى تلصق بالدين على أنها فرائض طبية وهى فى الحقيقة ممارسة طبية مناسبة لزمانها مثل الحجامة التى من فرط الدفاع عنها ظننتها الفريضة السادسة.
أعتقد أن هواية التحنيط لم تندثر عند المصريين، فهاهم الآن يحنطون الدين والعلم معاً.