Showing posts with label arabic. Show all posts
Showing posts with label arabic. Show all posts

Sunday, October 5, 2014

تحليل اداء الجيش المصري في حرب الخليج 1991

كانت المشاركة المصرية في حرب الخليج محدودة لكنها مهمة. فقامت الدولة بإرسال قواتها للسعودية ضمن عملية درع الصحراء لحماية المملكة من غزو عراقي محتمل. و في النهاية وافقت القاهرة على المشاركة في عاصفة الصحراء لاخراج العراقيين من الكويت. ارسلت مصر ثاني اكبر مشاركة عربية و كانت من اكبر المشاركات في الحرب بشكل عام. أرسل مصر فرقتين و لواء: 

1- الفرقة الثالثة ميكانيك
2- الفرقة الرابعة مدرعة
3- اللواء 20 صاعقة

كل هذه التشكيلات تملك معدات امريكية و تطبق اﻷسلوب اﻷمريكي و قد ارسلت بسبب اعتبارها نخبة القوات المصرية. مجموع 40000 مقاتل و  400 دبابة.

كان المصريون عماد قوة العمل المشتركة الشمالية JFC-N و كانت هذه القوة احدى التشكيلين الرئيسيية للقوات العربية في عاصفة الصحراء (القوة الثانية كانت القوة المشتركة الشرقية و تضم السعودية و قطر و الكويت و عملت على الساحل). اضافة للقوة المصرية، ضمت JFC-N لواءان سعوديان مدرعان و لواءان كويتيان و فرقة سورية مدرعة و لواء صاعقة سوري. و قد اعتبر المصريون التشكيل الرئيسي بسبب حجم قواتهم و ﻷن المخطط اﻷمريكي توقع ان تكون القوات المصرية اﻷكثر قدرة و اعتمادية:
1- القوات السورية بقي هناك شك في اشتراكها حتى اللحظة اﻷخيرة، و بسبب كون معداتها الروسية مماثلة للعراقية تم ابقائها في الخلف كاحتياطي استراتيجي لتجنب مشكلة النيران الصديقة.
2- لم يتم اعتبار القوات الكويتية و السعودية ذات قدرات قتالية جدية من قبل ضباط الاتصال الامريكان الملحقين في تلك القوات.

و عليه كانت الخطة أن تتقدم الفرقة الثالثة ميكانيك المصرية و ان تعزز الفرقة الرابعة المدرعة الهجوم لو حصل اختراق و ان يكون للكويتيين و السعوديين دعم الجانب اﻷيمن للمصريين و بقاء السوريين كاحتياط.

و رغم ان اﻷمريكيين ابدوا ثقة في المصريين و قدراتهم اكثر من القوات العربية اﻷخرى، فهذا الكلام كان نسبيا فقط. فقد وضع اﻷمريكان الفرقة المدرعة اﻷمريكية اﻷولى خلف المصريين لتكون جاهزة للتدخل لو حصلت مشاكل للقوات العربية.

حددت القيادة المركزية القاطع بين الفيلق اﻷول لمشاة المارينز و الفيلق السابع لقوات JFC-N. و كانت مهمتها دخول الكويت من الغرب و التوغل خلف العراقيين لقطع انسحابهم عن طريق السيطرة على طريق البصرة - الجهراء الذي يجب على القوات العراقية جنوب الكويت المرور منه لو ارادت الانسحاب. و كان هناك هدف اخر هو حماية اجناب فيلقي المارينز و الجيش اﻷمريكي في اثناء تقدمهم بحيث لا تستطيع الدبابات العراقية الموجودة وسط الكويت عمل هجوم مضاد. وهو سبب اخر لوضع الفرقة اﻷولى مدرعة اﻷمريكية لمنع العراقيين من تحقيق مثل هذا العجوم المعاكس حتى لو تم هزيمة JFC-N.

كانت ساعة الصفر ل JFC-N مقررة بأول ضوء لليوم الثاني للهجوم البري (25 فبراير 1991). و لكن الهجوم الرئيسي لمشاة البحرية على الكويت من الجنوب سار بشكل ممتاز لدرجة ان القيادة المركزية قررت تفديم موعد هجوم الفيلق الامريكي السابع و هجوم JFC-N. و من ضمن كل الوحدات التي اعلمت بالخبر، كانت الوحدات المصرية هي الوحيدة التي رفضت الاستجابة. و قد حاول الجنرال شوارتزكوف بالاقناع و المسايرة و التهديد ان يقنع المصرييين بالتحرك قبل الموعد المحدد لكنهم رفضوا. و في النهاية اضطر شوارتزكوف ان يتصل بالقاهرة ليطلبوا من قواتهم التحرك! و حتى بعد ذلك، لم يستطع المصريون الهجوم قبل الساعة الثالثة عصرا. و بشكل متأخر كثيرا عن الطلب اﻷصلي.


و عندما تحرك المصريون اخيرا، كان سير عملياتهم سيئا. و تحركوا امام مقاومة عراقية شبة معدومة ببطء شديد. و قد هاجم المصريون قطاعات الفرقة 20 و 30 مشاة للجيش العراقي، و كانت كلتا الفرقتان منهكتان من القصف الجوي المستمر لست اسابيع. و بالاضافة لذلك فقد دمرت طائرات A-10 الكثير من معدات الفرقتين (المدفعية والدروع). و قد علق الجنرال CalvenWaller مسؤول مسرح العمليات بالقول" ان ما واجهته القوات المصرية تستطيع (فاتاتان - استخدم لفظا اكثر سوقية) مريضتان التعامل معه". و كانت مهمة المصريين في اليوم اﻷول اختراق الدفاع العراقي و احتلال ثكنة اﻷبرق حوالي 35 كم داخل الكويت. و لكن عندما وصل المصريون الخندق العراقي المملوء بالنفط اشعله العراقيون. و توقف المصريون! و على ما يبدو، لم يخطر على بال المصريين كيفية اختراق حاجز ناري من قبل،و بدل ان يفكروا في حل، جلس المصريون بنتظرون النار ان تنطفئ، و هو ما استغرق 10 ساعات. و في نهاية اليوم لم يعبر المصريون الخط الدفاعي ناهيك عن مواجهة القوات العراقية حسب الخطة.

في اليوم الثاني، هربت القوات العراقية من تشكيلاتها، و تسارع الهروب عندما صدر الامر للعراقيين بالانسحاب العام من الكويت مساء ذلك اليوم. انطلق المصريون بهجومهم في الساعة السابعة صباحا بقيادة فرقة المشاة الثالثة. بسبب تفكك القوات العراقية، لم يواجه المصريون اي مقاومة تذكر في اختراق الدفاعات العراقية. و قد اطلقت المدفعية كمية كبيرة من الذخائر للتمهيد للتقدم، و لكن هذا القصف كان محدود التأثير بسبب اصرار لمصريين على قصف مواقع اعتبرتها الاستخبارات اﻷمريكية فارغة و متروكة. و لكن بسبب وجود هذه المواقع في الخطة الموجودة للمدفعية، اصر قائد المدفعية على القصف! و بعد بدء التقدم، واجهت الفرقة الثالثة مقاومة متفرقة من بعض البطاريات العراقية. و قد صرح ضابط اتصال امريكي "لم تكن المدفعية العراقية في اي وقت تشكل خطرا على العملية" توقف المصريون مجددا. و قد طلبوا دعما جوا، و لم يسمح الجو السيء بتنفيذ ذلك. و عندما اقترح المستشار اﻷمريكي ان يتم اسكت المدفعية بقصف مضاد رفض المصريون: فقد تعدت المدفعية الصرف المسموح للعملية! و قررالمصريون ببساطة التوقف و الانتظار حتى يوقف العراقيون قصفهم. و هو ما حصل الساعة 10:00 صباحا.

عندما عاود المصريون هجومهم مرة اخرى، كانت القوات العراقية الباقية على الخط الأمامي قد هربت معظمها او استسلمت. و رغم ذلك، تابع المصريون ببطء مؤلم اختراقهم للخط العراقي الفارغ تقريبا. و في الساعة 1:00 ظهرا لم يكونوا قد اكملوا عملية اختراق الخط مما سبب توترا شديدا للقيادة المركزية التي ارادت من المصريين التقدم بكل اسرع لقطع انسحاب العراقيين من جنوب الكويت. و قد ذكر صحفي عربي مرافق للقوات المصرية انهم واجهوا بضع دبابات عراقية من اي نوع خلال اول يومين من الحرب البرية. و لم يحاول المصريون تسريع هجومهم للحاق بالعراقيين المنسحبين. و في النهاية شعرت القيادة المركزية بالقلق من تباطؤ المصريين مقارنة بالهجوم على يمينهم و يسارهم اﻷمر الذي قد يكشف اﻷجناب و تم سحب قوات من المارينز من الهجوم الأساسي لتغطية الثغرة.

و في صباح اليوم الثالث من الحرب البرية، كان المصريون ما يزالوا لم يصلوا لثكنات اﻷبراق (هدف اليوم اﻷول). و قررت القيادة المركزية توجيه المصريين للتوجة مباشرة لطريق الجهراء و ترك الثكنة فورا. و مرة اخرى، رفض المصريون تغير الخطة اﻷصلية. و بعد تأكيد اﻷوامر مرة اخرى ارسل المصريون جزءا  من قواتهم نحو الجهراء و لكنها كانت تتقدم بشكل بطيء لدرجة ان القيادة المركزية ارتأت سحب المهمة و توكيلها للواء اﻷول مدرع و اللواء الثاني مشاة ميكانيك للجيش اﻷمريكي. و في تلك اﻷثناء قررت القيادة لن تدخل القوات المشتركة (القوات الشرقية التي كانت تجلس جنوب الكويت و القوات الشمالية) مدينة الكويت لاظهار التضامن العربي. و في يوم 26 (ثاني يوم للعملية البرية - و كان العراقيون قد انسحبوا ) كانت القوات المصرية لا تزال بعيدة عن العاصمة و بدل انتظار المصرين تم طلب ارسال وحدات صغيرة لدخول الكويت العاصمة مع الكويتيين و السعودين و القطريين. و مرة اخرى رفض القائد المصري هذا اﻷمر و اضطر شوارتزكوف ان يتصل بمبارك شخصيا ليصدر الأوامر للقوات المصرية. و في نهاية الحرب كانت خسائر المصريين 100 بين قتيل وجريح و لم يكن هناك الكثير من الانجازات على اﻷرض.










Tuesday, October 27, 2009

الاعتقالات في دول المخابرات خالص جلبي إيلاف

تاريخ 14 أكتوبر 2009م تم اعتقال المحامي هيثم المالح، بيد النظام المخابراتي الكالح، حيث كان يوما خالد بن الوليد يخلص دمشق من قبضة الروم والرومان، لتقع في قبضة الانقلابيين الحشاشين.
وجاء في حيثيات اعتقاله عقب حواره الهاتفي مع مذيع برنامج بانوراما على فضائية بردى، عن القبضة الأمنية التي تشتدّ من شهر إلى آخر، ومن سنة إلى أخرى في سوريا.. وقال أن أحوالنا في هذا العام هي أسوأ من العام الماضي، فالاعتقالات تزداد.. وأشار إلى نهب المال العام والفساد المستشري، واعتقال زميله الأستاذ مهند الحسني لمجرّد رصده للمحاكمات التي كانت تصدر في محاكمات علنية فتضايق منه الأمن واعتقله؟!!
وأن إعلان دمشق مثلاً ينادي بالتغيير السلمي الديمقراطي المتدرّج، وأن القوانين لدينا في الكتب فقط، وأن الكتب على الرفّ منذ زمن بعيد، وأن هناك تدمير مُدَبَّر ومُمنهَج لدمشق.
كما قال أنه لا يعرف من بيده الأمر في هذا البلد من أجل حلحلة مشاكل الناس، ومن بيده مفتاح المستقبل؟!!
وقال أنه ليس من حق الدولة أن تمنع جريان نهر بردى؛ فهذه جريمة بحق دمشق... ولكن مَن يحاسب مَن في هذا البلد؟؟
واستغاث المالح قائلاً.. أن دمشق تسير نحو التصحّر وما من مجيب!!.
وفي نفس إطار الحديث عن أزمة العشوائيات، قال المالح أن سوريا دولة غنية، ولكنها ابتُليت بنهب المال العام وبالهَدْر والتبذير الذي يجري من قِبَل السلطة.
وعن حال القانون في سوريا، قال المالح أنه لا يُطبَّق إلا على الضعيف في هذا البلد، بينما القوي لديه عدة وسائط وطرق لعمل أي شيء!!
وبقي المالح متفائلاً في حديثه قائلاً أن المستقبل مرهون بيد الشعب، وأن على الناس أن تدافع عن مصالحها، وأنه على كل مواطن أن يعي حقوقه ويدافع عنها.
وفي أواخر الحوار أضاف المالح أنه يجب أن لا نتنكّر عن الحقّ وإلا تدمّر البلد؟؟
وحاليا تحرك الانترنت في كل العالم لنصرة هذا الرجل الشيخ مذكرا بسقراط الذي سممته أثينا، أما في دمشق فلا حاجة لسم الشوكران لوفرة أفاعي الصل والأناكوندا سما والتقاما.
وهو محظوظ حاليا بسبب هشاشة النظام البعثي المحتظر المحتضر، فهو في وقت شباب النظام المتوحش لبث في السجن بضع سنين، ويروي عن سجنه أنه لم يسأل كلمة في دخوله ولا كلمة في خروجه، بعد ثماني سنوات عجافا ذهبت هباء من حياته.
وأنا شخصيا لي تجارب في الاعتقالات تجعلني أفهم الأوضاع تماما؛ قبل أن أغادر ديار البعث إلى يوم البعث.فقبل أن أغادر جحور الأفاعي تم لدغي بالاعتقالات مثنى وثلاث ورباع!!
وكان الاعتقال الرابع لي أنا وداعية السلام جودت سعيد، في طريقنا لزيارة صديقنا الذكي المثقف خالد حسون في السلمية، وصدف أن تحركت مظاهرة اعتراض في حمص؛ فتم مسح المنطقة على قطر ألف كم، من حلكو وعامودة إلى سمنين وبير عجم، ومن الكلّة و(تركمان بارح) حتى نصيب ونصيبين.
تم اعتقال الآلاف على شكل (احترازي) وكان نصيبنا الفلق وتحطيم الأسنان بالبوكس الحديدي، حتى صلحت نابي المحطم في أرض الفرنسيس والجرمان.
وكان الشباب (الطيبة) يضربون بمتعة بالغة، وما زال في خيالي وجه جودت المحمر من صفعة هائلة!!
وسبق ذلك ثلاث اعتقالات الأولى حين زربنا ثلاثين وقوفا، في غرفة تتسع لسبع أنفار، وكان معنا مصاب بالبروستات فبال على الأرض تحت أقدامنا فنمنا في مستنقع؟؟
كان ذلك في قبو المخابرات العسكرية في القامشلي، وأنا أتهيأ لاجتياز أهم امتحان في حياة الطالب البكالوريا؛ فهي من تحدد مصير ومسار الطالب إلى أين؟
بعدها دخلت الطب وما زلت أمارسه حتى الساعة، فلا أمان للمفكر إلا في شاطئ المهنة، والويل للمفكر إن عول في رزقه على مهنة الكتابة وحرفة القلم والارتزاق منها، فمصيره في بطن حوت الدولة، أو سمك قرش أمير أو رفيق، أو أفعى أناكوندا من مؤسسة متهالكة، ومسئول فاسد متنفذ.
وأفرج عني قبل الامتحانات بـ43 يوما، فكنت أمر كل صباح بجنب قلعتهم وهم يلوحون لي بالقبضات العسكرية والبساطر!!
وفي مثل هذا الجو من الضغط النفسي، وتحت شعور المطاردة قدمت الامتحان في الحسكة، وكنت الأول في المنطقة؛ فتحركت إلى العاصمة الجميلة دمشق أدرس فيها الطب، ولم أعلم أن علي ثلاث زيارات منحوسات أخرى إلى فروعهم، التي تعطيك اليقين بوجود جهنم، وبذلك فقد أحيت لنا المافيا إيماننا بالقيامة وسقر؟؟
الأولى كانت حين تم اقتحام المسجد الأموي بالمصفحات والطبنجات والرصاص، وتم زرب خمسة آلاف شخص في المسكية، عند مدخل المسجد في مساحة تتسع لمائة نفر!! وساعدت طفلا من الاختناق حين رفعته فوق رأسي!!
وتعرفت يومها على معتقل الرعب الأول (سجن المزة العسكري) وقضيت فيه ثلاث أضعاف فترة القامشلي 39 يوما، ويومها فاجأنا (أمين الحافظ) أبو عبدو الملقب بـ (الجحش) فنظر في الزاوية؟ وقال من هؤلاء؟ قالوا له طلبة جامعة؟ قال يتحملوا لا تقصروا فيهم؟؟ فهجم علينا جلاد أول شيء فعله نتف لحية طالب شريعة فلسطيني ساقه حظه العاثر إلى هذه المزبلة.
أما الاعتقال الثالث فكان علي رؤية جلاد من كلاب جهنم هو الطحطوح؟؟
وكنت شاهدا في كراكون الشيخ حسن على حفلات تعذيبه الليلية، فالرجل (السيكوبات) أبو فواز ؟!! كان مولعا مثل دراكولا بالقدوم نصف سكران عند الفجر، فلا تطلع الشمس إلا على ملسوع أو مفجوج أو مفدوغ أو مهشم العظام مكسر الأسنان، أو واحدا مثلي مشبوحا إلى حائط يحمل على كتفيه دولاب سيارة في تعذيب مستمر لأيام؟؟
وسمعت عنه أنه هذه الأيام قد أصبح تاجر عقارات مرموق من أموال الضحايا؟؟ فقد خدم وتعب ويأكل رزقه من عرق الجبين والجلد؟؟
أما في سجن القلعة فله رواية رعب رائعة؛ فقد غنى المعتقلون يوما يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما!! فقدم مع الزبانية، فأخرج الجميع وحاجاتهم البائسة، ثم صب المازوت والكاز على أمتعتهم وطعامهم الهزيل، ثم أمرهم بالتدحرج والتقلب عليها مثل ألأفعوان، ثم أمسك بشاب راقه الضرب على رأسه، فما زال يضرب على اليافوخ، حتى فار الدم، ووقع في نوبة تشنج صرعية، فما زال يعاني منها حتى اليوم؟؟
وأبو فواز كان يحب الضرب على الرؤوس كما رأيت ذلك في حفلة أبو راكان في سجن الشيخ حسن.
بجنب مقبرة الدحداح اجتمعنا بالأموات الأحياء، وحشرت في انفرادية لمدة 54 بدون ذنب وجناية سوى التقارير السرية والشبهة والحكاية!!
إنها أيام خالدات لا تنس يجب رواياتها لأولادنا وأحفادنا وذرارينا من بعدنا، وتسجيلها وتوثيقها وإنشاء مركز استراتيجي لها، كما فعل وايزمان مع حكايات النازيين، والتقاطهم على مدار قطر الكرة الأرضية ولو بعد ثمانين عاما؟؟
يجب حفظها وروايتها حتى لا تُنس قط، وتعرف الأجيال ثمن الحريات!! فمسلسل الدياسبورا وروايات الفاشيين والنازيين البعثيين مع قصة المالح في ظل النظام الكالح لم تختم بعد؟؟
يجب نصب تذكاري لمصرع الألف في ليلة، في تدمر، وكما فعل الكنديون عند حدود بلجيكا فرفعوا نصبا هائلا يحمل جناحيه أسماء كل القتلى في الحرب الكونية، وكذلك يجب أن يفعل السوريون عند بقايا زنوبيا في تدمر؟؟
إن مشكلة الأنظمة الشمولية أنها تخضع لقوانين دول المخابرات وليس الدستور كما طالب المالح فتحول إلى قالب ملح في بطن الحوت؟
ولكن ما هي قوانين المخابرات؟
عندما اعتلى الثعلب (محمد علي باشا) كرسي الخلافة في مصر عام 1805 م طلب من وزيره الأرمني (آرتين) أن يترجم له من الإيطالية كتاب (الأمير ) لمكيافيللي.
وينقل (علي الوردي) في كتابه (تاريخ العراق الحديث) عن الوزير أنه كان يترجم له كل يوم عشر صفحات، حتى كان اليوم الرابع حينما استوقفني قائلاً:
"لقد قرأت كل ما أعطيتني إياه من مكيافيللي؛ فلم أعثر على شيء جديد يذكر في صفحاتك العشر الأولى، إلا أنني كنت آمل أن تتحسن الحال.
لكن الصفحات العشر الأخرى لم تكن أفضل. أما الأخيرة فليست سوى مجرد عموميات.
إنني أرى بوضوح أنه ليس لدى مكيافيللي ما يمكنني أن أتعلمه منه؛ فأنا أعرف من الحيل فوق ما يعرف. فلا داعي للاستمرار في ترجمته"
وفي كندا روت لي طالبة كانت تدرس العلوم السياسية في جامعة (مك جيل) في مونتريال، أن الأستاذ وقف يوما فقال هل تعلمون كيف يحكم فلانا وذكر أحد الأنظمة الاستخباراتية؛ فبدأ الطلبة الكنديون الأبرياء الذي عاشوا عمرهم في الديمقراطية يعصرون أدمغتهم في محاولة استحضار كل أساليب الشيطان الممكنة.
وفي كل مرة يضحك الأستاذ من سذاجتهم ويقول لا.. لا.. إنه أذكى منكم جميعا؟!!
ثم بدأ يشرح بشكل ماكينة الحكم والعبقرية الإستخبارتية التي وصل إليها قائد البلد المنكوب.
وكان تحت قانون التنين بسبع عشرة رأساً كما سوف أشرحها.
يجب فتح العين على حقيقة مفزعة أن المواطن وصل إلى مرحلة مطبقة من اليأس، وهو مستعد أن يتقبل أي وضع يغير وضعه، فلم تكن أمريكا لتأتي لولا ذلك، وحين يجتمع النمل أو تحلق النسور، فحول جثة ذبابة وجيفة بقرة، ولكن المشكلة أن هذه (غريزة) وليست (وعياً)؛ فعندما فرت الديناصورات من يوكوتان عندما ضربها المذنب قبل 65 مليون سنة، هلكت بالشتاء النووي.
وعندما زال (صدام) جلس (مصدوم) محله.
إنه من المهم أن يفتح المواطن عينيه على الواقع المدمر المليء بالإحباط فهذا وعي مقدس، وجميل أن يتعذب فيضرب ويهان على يد كلاب جهنم من الجلادين، وتكسر أسنانه وتطحن عظامه، لأنه لاشيء يبقى في الذاكرة مثل الألم. ولا شيء يطهر الإنسان مثل الألم. ولاشيء يحرض على تغيير الظلم مثل الألم.
والألم هو الذي غير غاندي حينما رمي في تلك الليلة الباردة من القطار لأنه جلس في مكان البيض درجة أولى؟!
ويجب استيعاب أن الوطن لا يبقى وطنا مع تبخر أمن المواطن، وإذا وصلت الأمور إلى هذه الحافة؛ فيجب على المواطن أن يوطن نفسه على أمرين: فإما غادر المكان وهاجر، والتحق بوطن جديد فيه حرية.
وإما كرس نفسه واستعد للمقاومة، وإلا حاقت به لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
ويجب أن تكون المقاومة مدنية، والاستعداد بالتخفف من كل ثقل، مثل سفينة تواجه الإعصار؛ فتلقي كل حمولة زائدة، لأن أي متعة لن تبق متعة، وكل طفل يولد سيولد للمعاناة والفقر في ظل الظروف الديكتاتورية. وفي يوم هرب تركماني في شمال العراق بعد أن تم طلبه لقذفه في أتون الحرب الإيرانية؛ فصعد للسطح وهم بإلقاء طفلته الرضيعة من السطح، وهو ينظر في السماء ويقول أي حياة تنتظرها وأي مستقبل لها؟
ولكن هاتفا هتف به أن يرفق بالرضيعة فنجت من الموت.
ثم ترك بيته وما يملك، وهرب مع تسعة من أفراد عائلته عبر جبال كردستان، وهو يردد لعنة لوط ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون.
ويجب أن لا نخش من السجن بل نعتمد استراتيجية تفجير السجن؛ فالنظام لا يمكنه أن يسجن عشر الأمة.
ويجب أن نعالج الأوضاع ليس بالكراهية؛ فالطبيب الذي يعالج مريضه يحقنه الدواء ولا يكرهه.
ولو فعلت المقاومة في الجزائر ضد الجنرالات المتفرنسين هذا لما مات عشر معشار ما مات حتى الآن.
والأهم ولادة الأمة على نحو سليم محررة من علاقات القوة. لأن من أخذ الأمور بالسيف بالسيف يهلك، ومن أزال القوة بالقوة سقط رهين القوة. ومن أزال اللاشرعية ونظام المخابرات استبدل السافاك بالساماك، كما فعل الملالي في إيران.
ويجب أن لا نراهن على المصالحة، لأنها تدخلنا اللاشرعية حيث نظام المخابرات يتغذى على الدماء مثل الدراكولا، بل يجب تغيير البنية الأساسية في الحكم والتربة الثقافية.
فهذه قوانين وجودية.
في العالم العربي قانونان الأول اسمه الدستور وهو مكتوب.
والثاني اسمه قانون المخابرات وهو خفي وعملي وغير مكتوب.
ولكن الحياة لها قوانين عملية ولا تأبه بالمكتوب، ولذا فإن حياة المواطن تخضع لقانون المخابرات، مثل قوانين القراصنة سابقاً، مع فارق أن القرصان الجديد إذا صعد إلى سطح السفينة تلوا عليه قانون القراصنة. والناس مثل المالح تتحدث عن القانون المكتوب؟؟
ينص قانون المخابرات (غير المكتوب ؟؟) على سبع فقرات مثل أبواب جهنم السبعة، لكل باب منهم جزء مقسوم. وهذا القانون غير المكتوب سوف نحاول كتابته.

(1) الفقرة الأولى:
اعتماد الكذب هادياً ودليلاً؟؟
فيجب أن يكذب العنصر على زوجته التي في حضنه. وتحت آلية الكذب؛ فيجب أن يكذب ولو لم تكن هناك حاجة للكذب. وفي يوم اعتقالي الرابع كانت زوجتي تسأل عن مصير زوجها؟ فقال لها المجرم عدنان الدباغ: هو بخير وسنفرج عنه بعد أيام؟!
ولكن لم يكن زوجها (بخير) قط بل كان يفلق ويحرق وتكسر أسنانه ولم يفرج عنه إلا بعد سنة.
والشاهد أن الجبار رئيس الفرع الأمني قوي، ولا يحتاج للكذب، ولكن الكذب أصبح في دمهم مثل الكريات الحمراء، فلا يتنفس ولا يزفر إلا كذبا.
وفي النهاية مات عدنان الدباغ الجبار رئيس فرع المخابرات العامة حتف أنفه مختنقا بسرطان الرئة، مثل أي كذاب أشر، ويوم القيامة هو من المقبوحين.
ومن الغريب أن رجل المخابرات يسّود وجهه مع الوقت، بما عانت نفوسهم، فطبعت النفس بصمتها على الجباه.
وهي ظاهرة يعرفها من رآهم وعرفهم.
وفي القرآن تغشى وجوههم قطعا من الليل مظلما...
وهي تحتاج لدراسة بذاتها.

(2) والفقرة الثانية من القانون الاستخباراتي تقول:
لا ضمانة لأي شيء أو إنسان في أي زمان ومكان.
وتطبيق هذه الفقرة هي استباحة المواطن في كل شيء، والمخابرات هنا ليست وظيفتها التجسس للخارج، بل التجسس على المواطن.
وفي ألمانيا الشرقية كان (الستازي STASI) جهاز الاستخبارات عنده عشرين ألف غرفت للتنصت على المواطنين. وزجاجات فيها روائح المعارضين فقد ثبت احتفاظها بالرائحة وصمودها وزيادة تركيزها مع الوقت، وليس أسهل من شمشمة الكلاب الرائحة ثم إطلاقها على المعارضة والمعارضين..
وهو يذكر بمرض خطير في الطب في التهاب اللوزات، تحت قانون حاميها حراميها؛ فهي بالأصل خلقت كجهاز للدفاع عن الجسم، ولكنها مع الوقت تتحول إلى وكر للجراثيم؛ فترسل الذيافين والسموم إلى كل الجسم فتلحس المفاصل وتعض القلب وتعطب الكلية.
والأطباء عندها يلجئون إلى الجراحة فيستأصلون اللوزات. وهو ما فعله الشعب الروماني مع السيكورتات التي خلقها تشاوسسيكو اللعين. بعملية جدا دموية
وتحت الفقرة الثانية يجب ترويض المواطن، وترويعه، واقتحام خصوصيته، والاستيلاء على الفاكس في بيته، ومصادرة سيارته (وموتورسيكله كما فعلوا معي) ونهب ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة، وإخضاعه للرب الأعلى الذي اسمه الحاكم لأنه ظل الله على الأرض. ويجب أن يرى المواطن المخابرات في المنام وأثناء مضاجعة زوجه تلوح في الأفق مثل ملائكة العذاب فتعكر كل حياته.
نعم يجب إدخال القلق وداء الرعاش وعدم الهدوء إلى ضمير المواطن، ويجب أن يشعر بهم، ولو هاجر إلى كندا، واختفى في غابات يوكوتان، وجزيرة كمشتكا وبتاغونيا.
وفي يوم اعتقالي وكنت طالبا جامعيا فقير الحال مع موتورسيكلي الذي أتنقل به، فلما أفرج عني لم أستطع المشي من تيبس المفاصل، فقد كنا مزروبين عشرة في غرفة لشخصين؟ وكان موتورسيكلي أشلاء فقد استعمله رجال الفرع بمتعة وتدمير طول فترة الاعتقال.
وإذا استبيح الإنسان فما معنى أغراضه التافهة؟

(3) والفقرة الثالثة:
تنص على استخدام أي أسلوب للوصول إلى المعلومة ولو تبق معلومة.
وتطبيق مبدأ (الحلاوة والكرباج)، أي (حلحلة) المواطن بين قطبين من الترغيب المعسول والتهديد الماحق. وأي أسلوب مشروع. وكل حديث عن القيم ليس بقيمة. وكل المحرمات مسوغة. وإذا تطلب اغتصاب زوجة المستجوب فعلوا ولم يترددوا، ويجب أن تكون بحضوره.
وكان لينين يعطي تعليماته بشنق المعارضين بعد انتقاء كرام القوم وبحضور الناس أجمعين.
وفي يوم طالب فرع الأمن السياسي مني مراجعته بورقة صفراء ممزعة قبيحة ناولوني إياها من بوابة المطار، لمراجعة الفرع 223 ؟!! والأرقام كثيرة؟؟!!
لاكتشف أن الأمر يعود إلى تقرير كيدي، من امرأة طلقها زوجها قبل عشرين سنة.؟!!
وعندما راجعتهم بدأوا من نقطة الصفر، فلعلهم يفوزون بشيء جديد ينافسون به الفروع الأمنية الأخرى، بعد أن تحول المواطن إلى حمار لم يبق على ظهره مكان للركوب.
بدأوا أولا في السؤال عن نوع الحليب الذي تغذيت به في الطفولة هل كان سيريلاك أو سيميلاك؟؟
وفي النهاية بعد مراجعة مضنية لمدة 17 يوما، قالوا لي كان بإمكاننا اعتقالك من الحدود؟ قلت نعم أشهد بذلك.
قالوا له إن الأمن في بلدنا مستقر!! يشهد بهذا القاصي والداني؟؟ قلت لهم نعم أشهد...
وهمست بيني وبين نفسي؛ إنه هدوء يشبه سكون المقابر؛ فلم يبق مواطن، بل قبور تبلع، وحفّار جاهز بالرفش وجثث تتوافد.
وعندما صعدت الطائرة وأنا أنفض عني غبار الاعتقال، كان بجانبي راكب باكستاني، قلت له ما الذي لفت نظرك في بلدنا؟
تردد الباكستاني ثم ابتلع ريقه وقال لم أر هدوءً وأمنا مثل هذا البلد!!
ثم تنحنح وتابع، ولكن صور الزعيم كثيرة جدا في البلد؟!
وفي صالة مستوصف حقير في خان أرنبة وهي قرية حدودية تافهة، كان على الجدران 17 صورة للقائد الأبدي وابنه، ولا ديمومة إلا لله، واليوم أصبح وجه القائد طعاما للدود؟؟

(4) الفقرة الرابعة:
الشك والشك بدون حدود.
وعندما انتشر تنظيم العباسيين في خراسان كان أبو مسلم زعيم عصابة المخابرات، وكانت التعليمات تقضي بأن يقضى على كل مشتبه به، ولو كان طوله خمس أشبار.
وفي يوم قال ضابط أمني لواحد، هل تعلم لماذا ضحك عليكم الزرزور وكان تاجرا جمع أموال الناس بدعوى الربح السريع الوفير؟!
وكان منهم قسم من أفراد عائلتي وضعت في يده مليون ريال!!
قال: لأنكم تثقون ونحن لا نثق بأحد، ولو زوجتي التي في حضني، وابنتي التي ربيت؟!!
إنها كائنات مشوهة، كما جاء في رواية التحول عند (كافكا) فأصبح الإنسان صرصورا بحجم فيل له خرطوم طويل وذيل وثيل؟؟

(5) الفقرة الخامسة:
مسك الناس بقانون الرعب!!
فيجب ضرب أبشار الناس، ونشر أخبار الضرب، وبكل سبيل يوعدون ويصدون عن سبيل الله، وعلى كل منبر ووحيا، من بين الأسطر والتعبيرات، ونقل هذه الأخبار عن طريق المجندين من خلاياهم السرية، ومن سار في دربهم إلى يوم الدين؛ فالأفعى تتغذى على هذا القانون. والضفدع الذي يرى الثعبان يتجمد من الرعب فيلتهمه الثعبان.
وعندما دخل المغول بغداد، كان الجندي المغولي يمسك العشرات لوحده فينبطح الناس للنطع والسيف.
وفي أحد الحفلات افتقد الجندي سلاحه فلم يكن على جنبه؟! قال لهم امكثوا ولا تبرحوا، قالوا سمعا وطاعة، فغاب ساعة، ولم يفكر أحد بالهرب. فعاد وذبحهم بشفرة حادة فلم يتألموا كثيرا.
وفي ألمانيا بعد أن عرض فيلم الهولوكوست عام 1982م ذكر يهودي تجربته، أنهم كانوا يؤخذون إلى خنادق الموت وحفر القبور الجماعية والرشاشات تحصد من قبلهم، وما زال فيهم ولو (جزيء Molecule) ـ شدد وعصّب عند هذه الكلمة ـ من أمل أنه ربما عفي عنهم؟!
ولم يتحولوا في معتقداتهم حتى أطبق عليهم اليأس.
ومن أساليب المخابرات قانون (الفنتيل) أي (التنفيس) وعدم إيصال الأمة إلى حافة اليأس، كما في مسرحيات الكوميديا للعظمة والطوشة، فهم يرتزقون، أما رياض الترك ففي الانفرادية 17 عاما، لأن بعدها الطوفان. وهو ما أشار له أتيين لابواسييه في بحثه عن جذور الاستبداد في كتابه العبودية المختارة أن أسلوب التلهية اعتمده أباطرة الرومان، ومن أجل هذا بني الكولوسيوم فقتل في مائة يوم خمسة ألف من الحيوانات الضواري ومعها عشرة آلاف مجالد؟؟ واليوم استبدلت بفرق كرة القدم؟؟
والمجرم يريد حلب الناس إلى يوم القيامة ولذا فهو يسمح بالتنفيس مثل المسلسلات المضحكة، أو الاستعراضات لمجالس شعبية، وانتخابات مزيفة، ومظاهرات مسيرة من الباب للمحراب، لصناعة مجالس قرود يمكن أن تغير الدساتير في اللحظة الحرجة في دقيقة أو دقيقتين، فهي لهذا صنعت، ومن أجل هذا بنيت، وهي ضحكة كبيرة يطلقها الطاغوت من فم ابتلع كل العباد.

(6)الفقرة السادسة:
الوصول بالمواطن إلى (التوبة النصوح) حسب شروط فقهاء العصر العباسي؟؟
بمعنى الندم عما فعل، والاعتراف بالخطأ، وأن لا يعاود النشاط للمستقبل، وأن يفتح كتاب (النبات) ويدرس (وظائف) النبات؛ فيكون النبات له قدوة؟!
مثل هل يتغذى النبات ويتكاثر؟ الجواب نعم.. إذا على المواطن أن يتغذى ويتناسل مثل الأرانب لإنتاج مزيد من العبيد.
ومثل هل يتحرك النبات أو يحرك؟ والجواب لا يتحرك ولكن يُحرَك مثل نقل النباتات من نافذة لأخرى. إذا على المواطن أن لا يتحرك في مظاهرة بل تحركه يد المخابرات.
ومثل هل يفكر النبات؟ والجواب لا النبات لا يفكر قط.
وعلى المواطن الصالح أن لا يفكر، لأن التفكير خطير، ومصيره أن يصبح نزيل أقبية المخابرات، يرفس بالغدو والآصال.

(7) قانون التنين:
بمعنى خلق كائن أسطوري له تسعة عشر رأسا.
وفي مونتريال في كندا كان أستاذ العلوم السياسية يشرح للطلبة هذا القانون، وهو أن رئيس العصابة يسخر الفروع الأمنية، أن تعمل بشكل غير مركزي. وتتنافس فيما بينها. ولا يوجد تقاطع في المعلومات. ولا أحد يعطي معلومة لأحد. وكل يعمل بذراعه وحافره ورجله ومسدسه.
وكل يركب المواطن من الأمام أو الخلف بالطريقة التي يشتهيها.
وأن نسبة القتل المسموح بها 6%؟!
وأنه مسموح لهم باعتقال من يشاءون، بالكمية التي يرغبون، ولكن إطلاق عصفور ويعسوب تتم بيده ومذيلة بتوقيعه.
وبذلك يتحول البلد الواحد إلى 19 دولة، وينقلب الوضع إلى قبائل أمنية، بفارق أن القبيلة الأمنية مضاربها كل البلد، وشيخها يمسك أي مواطن، في أي لحظة؛ فيفعل به ما يشاء.
عندما سمع الطلبة الكنديون ذلك فتحوا أفواههم من الدهشة ولم يعقبوا.
يختلف العرب في كل شيء إلا الموضوع الأمني، ولذا تسامر وتحابب وتصاهر رؤوساء الفروع الأمنية في العالم العربي، ونشأت بينهم علاقات القربى الحميمة وزواج ومصاهرة مع الحريم والشيطان.
والكل معه جواز سفر كندي أو أوربي له ولذريته من بعده، تحسباً ليوم الزلزلة إذا زلزلت الأرض زلزالها؟
والكل عنده حسابات سرية بأسماء سرية للزوجة والذرية، في البحرين واليونان وليشتن شتاين، ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل.
ويل يومئذ للمكذبين.
والكل يرسل أبناءه إلى دول الاستعمار والرأسمالية، وهو يحارب الاستعمار والرأسمالية على الورق، وفي المظاهرت المزيفة.
وإذا وقع مواطن عربي في يد واحد منهم، قاموا بتسليمه لبعضهم بأريحية عربية وكرم حاتمي، ولا حرج من حفلة دربكة على جلده، كما فعل بعرار السوري الكندي، المشحون من أمريكا، عبر بوابة خلفية من نظام ملكي رجعي إلى نظام تقدمي ثورجي من جبهة الصمود؟!.
وبقدر اختلاف الأنظمة العربية ونزاعها، بقدر توافقها وتفاهمها الاستخباراتي.
فهي مسألة بقاء ونزع الروح؟؟
وفي يوم كنت على حدود بلد عربي، فأرادوا إلقاء القبض علي، فتعجبت وقلت لهم لعل في الأمر خطأ؟؟ قالوا لا ..
ثم قالوا لي ألست أنت خالص جلبي الملقب بكنجو، من أيام المدرسة الثانوي؟!
قلت نعم وأهنئكم على ذلك.
وقلت في نفسي إن ملفي لا شك أصبح عند الموساد.
بعد أن اغتال سليمان الحلبي الجنرال الفرنسي (كليبر) قلبوا مصر بحثاً عنه، حتى وجدوه بجانب جدار يصلي، ومعه المدية ملطخة بالدم. ولكن نهايته كانت عجيبة كما ذكر ذلك المؤرخ المصري (عبد الرحمن الجبرتي) في كتابه، فقد تمت محاكمته على الطريقة الفرنسية، ولكن تنفيذ الحكم تم بطريقة المماليك حرصا على التقاليد المحلية، فشويت يده، ثم وضع إسته على الخازوق بالطريقة العصملية؟؟
مع كل الظلام المطوق للضمير العربي فمن المهم أن نعرف ثلاث حقائق:
(1) الأولى أن عصر الجليد انكسر وذاب. وأن عصر الديناصورات انقرض وولى. وأنهم يكافحون حتى الرمق الأخير للاحتفاظ بامتيازاتهم.
وأنهم يشبهون ساحرات العصور الوسطى، فيقاتلون بمكانس القش الأطباق الطائرة من فوقهم، تطير بسرعة الضوء.
ومع أنهم ينفقون أموالهم لمراقبة الانترنيت، أكثر مما أنفقوا لبنائه، فسينفقون أموالهم للمخابرات، ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون.

(2) والحقيقة الثانية الاستعداد للمقاومة المدنية، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة والسلاح والعنف، لأنهم يتمنون ذلك، ونكون بذلك دخلنا بطن الحوت من جديد، من حيث أردنا أن يلفظنا من جوفه، كما فعل مع النبي يونس.
(3) والحقيقة الثالثة أن هناك جوهر صاعق وسر مكنون في الإنسان، لا يمكن إطفاء سراجه.
وسحرة فرعون كانوا يريدون المال؟؟ فقالوا أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ ولكن فرعون أضاف إليها المراكز الحزبية والنفوذ؟!! فقال نعم وإنكم لمن المقربين.
ولكن خلال لحظات انقلبوا سجدا لله رب العالمين، وقالوا لفرعون اقض ما أنت قاض إنما تقض هذه الحياة الدنيا.
فهذا السر الرائع من تمرد الإنسان، هو الذي يصنع التاريخ، وهو الذي نراهن عليه.
ولتعلمن نبأه بعد حين.
وفي النهاية فإن نظام المخابرات يشبه السرطان؛ فيقضي على نفسه بنفسه، حينما يبلغ الحجم المدمر، وهو ما أشار إليه فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) أن النظام السوفييتي شعر بالخطر من جهاز الرعب، الذي يسمى الأمن مقلوبا، فعمد إلى تفكيكه، بعد أن أصبح يعيد قصة فرانكنشتاين.
وهذا المصير سيلحق جمهوريات البطالة والرعب والمخابرات، كما سيلحق أمريكا بأجهزتها التنينية، ولن ينجو من هذا المصير ملكيات وممالك ومشيخات وجمهوريات وجملوكيات المنطقة..
وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا..

Saturday, July 25, 2009

الإبادة الثالثة! خيري منصور 25/07/2009

عرف التاريخ نوعين من الإبادة، إحداهما دموية، والأخرى سلمية بيضاء، وقد تكون الابادة الثانية اشد خطورة وتنكيلا من الأولى، لأنها تتم بتواطؤ من الضحية ذاتها، عندما تتأقلم مع الصورة التي ترسم لها، ولكي تنجز الابادة السلمية لا بدّ للضحية ان تكون قد أوغلت في الماسوشية، واستمراء القضم، والثقافة ليست في منأى عن هذه الابادات، انها جوهرها وليس في الصميم منها فقط، سواء تمثّلت في لغة او نصوص او أية مرجعيات، لهذا يشكل انقراض اللغات الآن هاجسا جذريا لدى ثقافات تستشعر الخطر عن بعد، واللغة التي تنقرض تأخذ معها كل ما كتب فيها، لأنها ليست مجرد اناء يكسر فيسيل ما يملأه او ينقل الى اناء آخر، وذلك لأن جدلية الفكر واللغة وجمالياتها يتجاوز ثنائية الشكل والمحتوىِ، او الثمرة وقشرتها، فاللغة ليست قشرة لحضارة او ثقافة، انها الأنساغ، والجذور، ونحن نفكر بها أولا، وثمة فنون كالشعر هي فنون لغوية بامتياز لأنها تتأسس على المغامرة داخل اللغة، وقد دفع هذا الاستثناء سارتر الى اعفاء الشعرء من الالتزام الذي طالما كان اطروحته الفكرية قدر تعلق مهنة الكتابة بالتاريخ .
الابادة الحمراء، او الدموية، قد لا تحقق ما تحققه الابادة البيضاء، لأن الاولى تستولد ردود أفعال فورية، وتجتذب شهودا كي تبقى الجريمة ناقصة، اما الثانية فهي الجريمة الكاملة الوحيدة في التاريخ، لأن المفعول به يندغم في الفاعل بل يتماهى معه، ويتلاشى فيه، ونحن الان إزاء ابادة ثالثة، هي نصف دموية ونصف بيضاء، فالسياسة تتولى النصف الاحمر والثقافة تتولى النصف الابيض بلون الكفن لا بلون الياسمين او الثلج، وقدر تعلق هذا بالعرب المعاصرين، فإن امثولة النكبة الفلسطينية رغم تحفظنا على هذا المصطلح لأنه مستعار من كوارث الطبيعة وليس من كوارث التاريخ، قدمت نموذجا لثلاثة انماط من الابادة، فالبداية كانت احتلالا تحول الى استحلال، اي شرعنة السطو ونيل الاعتراف الدولي به، وتحويل المسروق الى استحقاق، ثم كانت المرحلة الثانية وهي اذابة الهوية القومية من خلال الثقافة والفولكلور، لأن استيطان الأرض يتطلب استيطانا موازيا للذاكرة، وهذا ما يفسر سطو اسرائيل على مظاهر فولكلورية في فلسطين، والزعم بأن اشكال التعبير والطقوس الشعبية في مختلف المناسبات هي ذات جذور يهودية، فالطارىء غالبا ما يكون مسكونا ومهجوسا بالريبة لهذا يسعى الى نيل الاعتراف بما اقترف، لأن مثل هذا الاعتراف في حال تحقق هو الضمانة الوحيدة للفرار من المساءلة، في بعديها السياسي والاخلاقي !

'''
ان هذه المرحلة التي دشنها الاعتراف غير المتكافىء منذ خمسة عشر عاما هي مزيج من ابادتين مجرّبتين دموية وبيضاء، وقد بدأت المسألة بما سمي كسر الحاجز النفسي، وهذه عبارة تبدو عابرة في أدبيات الميديا الاختزالية، لكنها ذات دلالات بالغة العمق والتعقيد، فالحاجز النفسي يتأسس على عداء كان سببه الأذى الكبير الذي الحقه طرف قوي بطرف أضعف منه، وتوشك عبارة الحاجز النفسي ان تكون المرادف المجازي لثأر مؤجل، ما دام الظرف الراهن لا يتيح للمعتدى عليه ان ينتقم لنفسه او يتحرر من السطو المسلح الذي حاول تدجينه وحذف هويته، فالتحالف الان استراتيجي وحاسم بين ثلاثة مستويات من الابادة، التي تكون ضحيتها خليطا من اللحم البشري والثقافة واللغة واخيرا الهوية والكينونة .
واذا كانت ردود الافعال السياسية والعسكرية على الابادة الحمراء مشروطة بما يحاصر الضحية ويحول دون استخدام ارادتها، فإن ردود الافعال الثقافية والمعرفية ليست على هذا النحو، وقد لا تستكمل الابادات الثلاث اهدافها الا حين تفرغ الثقافة من محتواها ومن شحنتها ودورها في إعادة الوعي السالب الى وضعه السوي، وما هذا التأقلم المتسارع مع الامر الواقع الا البداية الثانية لانجاز ابادة محرومة من الشهود، لأن اول ما يمكن قوله عن الضحية الخرساء والمتماهية مع جلادها، بل المتلاشية في اطروحاته الثقافية هو ان الاخرين لن يكونوا ملكيين اكثر من الملك، او ضحايا اكثر من الضحية، وما يجب التذكير به في هذا السياق وفي هذا الاوان الرمادي، هو ان الضحايا مستويات منها ما هو امتثالي وماسوشي ومتأقلم ومنها ما هو العصيان ذاته، واذا استبد وباء التأقلم بالضحية فإنه يحولها الى عدو نفسها بامتياز، وهذا ما يفسر لنا انقضاض الضحايا على ضحايا آخرين من جلدتهم بدلا من الانقضاض على الفاعل والذي يرشح ضحاياه الى ائتلاف وتناغم في مصير واحد، ان هذا أبسط الدفاعات الغريزية لدى الكائنات، لكن الانسان انفرد بهذه السايكولوجيا التي تعفّ عنها حتى الحشرات والهوام وهي تدافع عن وجودها وسرّ بقائها، وهناك حالات من ردود الافعال الباسلة على مختلف صيغ الابادات تعيد للغة ومنجزاتها الجمالية الاعتبار، فقد تقوى قصيدة عزلاء الا من رؤاها وجمالياتها وشحنتها الانسانية على صدّ ابادة منظّمة لأن فلسفة الابادة وفقه التطهير العرقي لا ينكسر امتداده الا عند حدود لغة محروسة بمبدعيها، وقد يكون النموذج الذي قدمه الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1948 مدخلا مناسبا في هذا السياق، فهم منذ المستوطنة الاولى، اعلنوا العصيان على الترجمة القومية، وتشبثوا باللغة والذاكرة والتاريخ مثلما تشبثوا بالتراب، فكانوا بعد عقدين من الاحتلال التام والعزل القسري رافدا اساسيا في حركة الابداع العربي، وهذا بحد ذاته مقاومة في أقصى درجات التصدي، لأنهم لو تكاثروا عضويا فقط ولم يفرزوا هذا المنجز الثقافي لكان الوضع مغايرا... خصوصا في عصر لم يكن انقراض الهويات والشعوب فيه عضويا وماديا فقطـ، فهناك انقراض معنوي قد يطال شعبا برمته، رغم انه بان على قيد الحياة، لكن اية حياة !! انها ادنى مفاهيم البقاء الذي يتاح حتى للديدان والطحالب !

'''
للثقافة ايضا كما للأجساد الحية دورات دموية وخلايا بيضاء للمناعة، وهي تتعرض احيانا لأنيميا من طراز آخر، اشدّ فتكا، خصوصا اذا انسحب المثقف من الحلبة، وتشرنق كي يجتر ذاته الفقيرة، ويعيد انتاجها حتى وهو ينظر الى الشمس او سلسلة جبال، ولا يعنينا ما يقال او ينشر من توصيفات للمشهد السياسي العربي، والهشاشة الدفاعية لدى العسكرتاريا الصفراء، لأن هذا كله لن يكون له معنى الا اذا فقدت الثقافة مناعتها، وتحولت الى ظل وصدى وسادت عليها الروح الامتثالية الببغاوية، بحيث يجد المثقف نفسه كالمضبوع في الحكاية الشعبية، يعدو راجفا خلف الضبع الذي نفخ في وجهه وهو يناديه يا أبي ...
وثقافتنا العربية الان مضبوعة، ولا سبيل الى اعادتها للرشد التاريخي الا باسترداد الوعي، بعد كل هذه القرون لا العقود من السبات، والاستغراق في غيبوبة معرفية، لم تكن الغيبوبة السياسية الا من تجلياتها وافرازاتها السّامة !
واذا كان لا بد من فواصل تاريخية هي بمثابة مقتربات منهجية لاستقراء الابادات الثلاث، فإن عام 1492 وهو عام سقوط غرناطة، فاصل تاريخي بامتياز، دفع اكثر من مؤرخ وباحث في عصرنا الى اعادة النظام العالمي الجديد الى تلك الفترة او ذلك السقوط، وهو العام الذي تزامن مع اكتشاف العالم الجديد او الزائر غير المرغوب فيه حسب تعبير شهير لريجيه دوبريه، وقبل غرناطة، كان سقوط بغداد عام 1258 علامة فارقة، حيث أعلنت البومة الخريف ونعبت في الغسق، كنقيض للمثل الانكليزي القائل بأن السنونوة الاولى تعلن الربيع.. وقد نحتاج الى عقدين قادمين او ثلاثة كي نتأكد من ان سقوط بغداد الثاني في مطلع القرن الحادي والعشرين هو شاهدة ثانية على ضريح مغمور بالغبار، وقد يختزل هواة جمع القشور سقوط العواصم الكبرى بسقوط نظام او جنرال او حتى دولة، والحقيقة ان للسقوط دلالات أخرى تتجاوز هذا الاختزال الثأري والقراءة العوراء والكيدية للتاريخ، وكأن على النظام السياسي العربي ان يدرك في تلك الظهيرة السوداء انه فقد عذريته السياسية او ما كان يتوهم انه كذلك، خصوصا بعد ان اتضح ان الدولة العربية السايكوبيكوية هي شجرة لبلاب لا سنديانة او نخلة .

'''
الابادة الثالثة المستولدة من الابادتين الحمراء والبيضاء هي ثقافية، واللغة احد اهدافها البعيدة بل الاستراتيجية، فاذا كان ابو الطيب قد وقف غريب اللسان والقلب في شعب بوان ذات يوم فإن ذرية برمتها قد تكتشف في لحظة ما بأنها ترطن باللغة الأم، وتفتش في سرب الغربان الذي يغطي أفقها عن ريشة بيضاء او حتى رمادية، وقد تجدها، لكن في غراب اشيب .
اننا لا نحتاج الى مناسبة لفتح مثل هذه الملفات المغمورة بالغبار او الملقاة في خنادق امتلأت ببول الكلاب والمارة، وان كانت نوبة السعارالصهيونية التي تعتري دولة مسكونة بهاجس اسبارطي تحرضنا على الاسراع في فتح هذه الملفات وما يسمى عبرنة التضاريس الفلسطينية واسماء المدن والمعالم هو مقدمة لاقصاء اللغة العربية عن الاماكن الممهورة بها، لكأن هناك تاريخا آخر يبدأ بعد التاريخ .
وما يشعرنا بالهلع هو لا مبالاة الثقافة الرخوة بهذه الافخاخ، التي تستدرجها كي تصبح ثقافة أقلية تنتهي الى فولكلور وطقوس موسمية . العَبرنة والتهويد هما مستويان من الابادة، يستكملان ما بدأت به الأَسرَلة، فالاستيطان بدأ بالارض ثم تمدد الى اللغة واخيرا الى الثقافة كلها، وثمة ضحايا لديها الاستعداد ان تقايض دمها كله بحفنة علف او بوسام اقل قيمة من ريشة دجاجة ميتة .
لقد أفرط مؤرخو هذه الحقبة في وصف ما يسمون المابعديات بدءا من ما بعد الحداثة وما بعد الصهيونية وما بعد الاستعمار، واخيرا ما بعد الانسان وما بعد التاريخ، لكنهم اهملوا شيئا اساسيا هو ان هذه المابعديات الشكلاينة عودة غير مظفرة الى الماقبليات بدءا من ما قبل الدولة وما قبل التاريخ وما قبل القانون !
لقد اعلنت الدقّة الثالثة على خشبة المسرح المنهار الابادة الثالثة !!

Thursday, July 23, 2009

قهوة مُرّة.. جدا مُرّة... سهيل كيوان

منذ أيام وأنا أحلم بلقاء طقم نحاس، منذ قررت زيارة البلاد وأنا أراه أمامي، ليلة الأمس تقلبت، أرقت بسببه، استعدت صورة والدتي في كهولتها وهي تجمعنا حولها في بيتنا في المخيم وتقول لنا: أثناء هجيجنا من لوبية عرجنا على قرية في الجليل اسمها دير حنا، وقبل أن نواصل مسيرتنا الملعونة شمالاً، تركتُ هناك طقم نحاس، كان هذا لوالدي، جدكم أورثني إياه، وهو غال عليّ، تركته لدى امرأة فاضلة هناك..
قلت - يعني لو دخلنا الآن قرية دير حنا، وسألنا عن طقم نحاس تركته امرأة من لوبية في عام الهجيج..ألا تعتقد أنها ستكون نكتة ظريفة! ثم من ستسأل الآن عن طقم نحاس في قرية كان عدد سكانها بضع مئات وصارت الآن حوالي عشرة آلاف! ثم كم تبقى من نساء ذلك الزمن! في أحسن الأحوال سنجد بضع عجائز! بعد كل هذا الذي مر على الناس والمنطقة والعالم في الستين سنة الماضية..من يذكر طقم نحاس! ثم من يدري! لعل ابن هذه الامرأة أعجبه الطقم فأخذه لاستعماله الشخصي! بل ربما باعه أحد أحفادها! هل تعرف كم يساوي مثل هذا الطقم بالنسبة للولد! قد يكون ثروة لأسبوع على الأقل، ولا أستغرب حتى لو اهتدينا الى هذه السيدة (العجوز) أن تعتذر وتقول..إن (مقصوف الرقبة) فلاناً من أحفادها غافلها وباعه! أذكر في طفولتنا رجلاً كان يشتري منا النحاس، لا أعرف من أين كنا نعثر على كل تلك الكميات من هذا المعدن، بعض الأولاد الأشقياء لم يتورعوا عن سرقة أوان منزلية من أمام البيوت وبيعها له!
رد باسم - أنا متأكد أن طقم النحاس ما زال موجوداً....بل وأعرف الإمرأة التي تحتفظ به...إنها جدة لشاب يدعى رائف ....
رائف!
نعم ..التقيته في الدنمارك قبل بضع سنوات في نشاط سياسي...عرّف على نفسه أنه من قرية دير حنا! عندما عرفته عليّ وقلت إنني لوباني الأصل ضحك رائف وقال لي: بالمناسبة..جدتي تقول إن امرأة من لوبية مرت من هناك في عام الهجيج......تركت عندها طقم نحاس ريثما تعود....
طبعا اقشعر بدني...في كل مرة حدثتنا والدتي عن لوبية ومسيرة الهجيج، لم تنس الطقم الذي ورثته عن والدها...وتركته هناك ...والسؤال هل هو الطقم نفسه!
قلت - حسناً، دير حنا ليست بعيدة...لماذا لا نجرب! ماذا سنخسر!
- الصباح رباح....
- بل الآن ...في الصباح يخرج العمال إلى أعمالهم، فلنذهب الآن....
في حوالي العاشرة مساء دخلنا دير حنا..وهي من قرى الجليل الجميلة، تقع على هضبة، فيها قلعة من قلاع ظاهر العمر الزيداني، شوارعها القديمة مرصوفة بالحجر المدقوق، فيها معصرة زيتون على الطراز القديم ومتحف صغير لسياحة طلاب المدارس، كذلك فيها معاصر زيتون حديثة، تشرف على سفوح وكروم زيتون على مد النظر من جهة، ومن جهة على سهل البطوف الذي يسيل لعاب السلطات عليه منذ عشرات السنين، والذي كانت مصادرة أجزاء منه أحد أسباب انتفاضة يوم الأرض الأولى.
رحنا نسأل المارة عن رائف الناشط السياسي الذي التقاه باسم في الدنمارك قبل سنوات، عثرنا على أكثر من رائف واحد، ولكن لم يمض وقت طويل حتى أشار لنا أحدهم إلى فرن للخبز صاحبه نسيب لرائف، خلال دقائق كنا هناك، هبطت من السيارة وسألت عن ..رائف...
رد صاحب الفرن - أنا نسيبه...تفضلوا إشربوا إشي بارد....أهلا وسهلا.. كلوا إشي...بحياة الله .. منقوشة...فطيرة بجبنة....
وما هي سوى دقائق حتى هاتف شخصا ما، وبعد دقائق وصل مرحباً بنا...أنا أبو ماهر شقيق رائف.... رائف مسافر... تفضلوا....
عرّفته على رفيقي - هذا صديقي أصله من لوبية....يعيش في الدنمارك اليوم....التقى شقيقك رائف قبل سنوات...وقد أخبره أن لدى جدته (يعني جدّتك) طقم نحاس لامراة من لوبية منذ عام النكبة...
أعلن أبو ماهر حالة طوارئ من خلال هاتفه، استدعى أشقاءه وشقيقاته وأزواجهن الى بيته، وخلال ساعة تم ذكر عشرات الأسماء وإعادة كل اسم إلى نسبه وأصله وفصله واكتشفت صلات قربى وأنساب وصداقات ضاربة في أعماق الزمان والمكان..
نعم الجدة توفيت منذ عامين فقط، تحدثت مرارا عن طقم نحاس لسيدة من لوبية اسمها ثريا ..... كان معها زوجها وطفل ....
- والدتي هي ثريا ابراهيم ذياب والطفل هو شقيقي الأكبر...يعيش في أمريكا اليوم....قال باسم...
بعد الضيافة انتقلنا راجلين في موكب كبير إلى بيت الجدة في وسط الحي القديم، غرفتان حجريتان واسعتان وشرفة، مطبخ وسدّة، في المطبخ قاطع مفصول بستارة من قماش، وراء الستارة (شقاشيق) تستخدم في عملية قطف الزيتون، أكياس من الخيش وقطع من النايلون للهدف ذاته، برميل، أدوات منزلية ضخمة لم تعد قيد الاستعمال، جرّة ضخمة قديمة من الفخار واضح أنها تستعمل لتخزين الزيت..قال أبو ماهر: إنها تحفة قديمة، دفع لي فيها أحد جامعي الأنتيكا عشرة آلاف شيكل..ولم أتنازل عنها، ثم انحنى وسحب كانونا من النحاس عَلته الغبرة، فيه محماسة، دلة، إبريق، مصبّان، سحبه إلى وسط الغرفة، والجميع ينظرون إليه برهبة تكاد تكون مقدسة ...
قرفص (باسم)، تأمل الأواني واحدة واحدة ثم رفع الدلة الثقيلة...وراح يتحسس زخرفاتها، يفتح غطاءها وينظر داخلها..
قلت مقاطعاً تأملاته - هل تعرف مراحل غليان القهوة السادة؟
لا أعرف...
- أربع مراحل لغليان القهوة السادة...كل مرحلة لها اسم حسب حجم فقاعة القهوة على وجه الدلة، في أول غليانها يقولون ...(فوّلت)..أي أن الفقاعات صارت بحجم حبة الفول، ثم حمّصت..وعدّست..ثم سمسمت ..أي صار حجم الفقاعات بحجم حبات السمسم وصارت جاهزة للشرب.....
شغلة طويلة...قال باسم...
- طبعا.. يحتاج إعدادها إلى نهار كامل، كانت القهوة السادة فقط في بيوت المتفرغين لها،اليوم على الغالب تقدم في المناسبات، يعدّونها بسرعة ويحتسونها قبل أن تسمسم...
على كل حال...ها قد وصلت الأمانة لأصحابها بعد ستة عقود....
قال أبو ماهر متوجهاً إلى باسم ومشيرا إلى الطقم: تفضل الأمانة..إنها لك....
فرد باسم: ما قيمتها إذا أخذتها معي إلى الدنمارك! قيمتها بأن تبقى هنا...ثم وقف في مواجهة أبناء الأسرة وكأنه يستعيد ما كانت قالته والدته ربما في هذه الغرفة ذاتها قبل ستة عقود: بعد أيام سأعود إلى الدنمارك، الأسرة موزعة بين أمريكا وأوروبا ولا أعلم إلى أين قد أصل، سأنقل لأبنائي قصة طقم النحاس الذي تركته جدتهم عام الهجيج عند أسرتكم الكريمة في دير حنا، وها أنا أجدد الأمانة مرة أخرى، أتركها عندكم فأنتم خير من...من ...من..من...من يحفظ الأمانة.....م

Saturday, May 30, 2009

أربعة بورتريهات وكاريكاتور! خيري منصور

تروي اليزابث درو حكاية رسام ظلّ يرسم شجرة يوميا حتى تحوّل هو الى شجرة، وهذا الحلول ليس صوفيا، كما انه ليس أورفيّا بحيث تناسخت أرواح كائنات منها الثرثار ومنها الصامت، لكن الشجر ايضا يثرثر من خلال خضرته وحفيفه، لهذا لم يجد بيكاسو ذات يوم وبعد ان فرغ من رسم تجريدية خضراء ما يقوله سوى انه مشى طويلا في الحقول حتى اصابت التخمة عينيه، فبكى دموعا خضراء، وقد لا تليق عبارة تصفية الحسابات بالفنون ومنها الرسم، رغم ان المسألة لا تخلو من ذلك، فلكل فنان عدو يبتكره منذ الطفولة ان لم يجده متحققا في الواقع، هذا العدو قد يكون معلما صارما او أمّاً قاسية من طراز امهات رامبو وميلر وشوبنهاور فهذا الاخير كان يقول لأمه وهي كاتبة متواضعة ان التاريخ سوف يذكرها لأنها مقترنة به كأم فقط.. أما ميلر فكانت امه تسخر من كتابته وتقول له بأنه يصنع فاصولياء من الطين، ومنذ زمن راودتني فكرة الرسم باللغة، لكن ليس على طريقة الراحل نزار قباني في ديوانه 'الرسم بالكلمات'، لأنني تعلمت من سيمونيدس ان الموسيقى رسم ناطق والرسم موسيقى صامتة، وبين هذين الشاطئين تتحرك امواج ودوامات كثيرة ....
ان البورتريه كما أعنيه هنا ليس شخصية روائية تبحث عن مؤلف، على غرار شخصيات بيراندلو في مسرحيته 'ست شخصيات تبحث عن مؤلف'، انه مقاربة سايكلوجية بقدر ما هي اجتماعية لأشخاص صاغتهم ظروف استثنائية، منها فائض الفقر ومحاصيله من الشقاء، والمهارة في فن التأقلم الحربائي بحثا عن النجاة، ومنها الفشل المتكرر الذي لم يعثر على مشجب من الذرائع المقنعة للآخرين.
والبورتريه الأول، لشخص يشبه الى حد بعيد احد أبطال ديستويفسكي، الذي كان يتذرع بمرض امه وعنايته بها كي يبرر كسله اولا، ومن ثم فشله في مهنة الكتابة، هذا الكائن لم يعش في القرن التاسع عشر ولم تتجمد عروقه في سيبيريا، عاش على الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط وحلم وهو صبي بعدة مهن، كانت كلها مستقاة وبالتالي متقمصّة من افلام سينمائية في مرحلة الأبيض والأسود، كان يشاهد المحامي الوسيم العاشق فيتقمصه على الفور، واذا شاهد بعد ذلك طبيبا او مهندسا او صحافيا يسرع الى تقمصه لعدة ايام، واحيانا كان يروي لأصحابه ممن لم يشاهدوا تلك الافلام حكايات هو بطلها وكل ما يفعله هو تغيير اسماء البطلات، ولم يستطع طيلة مرحلة المراهقة ان يفوز بعلاقة واحدة مع طالبة او ابنة جيران او حتى خادمة، لهذا اعترف ذات يوم بأنه كان يدفع للبغايا أجرا مضاعفا كي يستجبن له اذا ناداهنّ باسماء نساء اخريات، هذا الكائن نصف ذكر وليس نصف انثى، لأنه أدمن ابتكار اناثه من صلبه الذكوري، وهو نصف شاذ ايضا لأن ميوله غير الطبيعية توقفت عند طور العذراء، بمعنى آخر لم يتحول الانحراف النفسي الى انحراف عضوي، لهذا بقي الاشتباك على أشدّه بين نصف الذكر ونصف الانثى، وقد حاول ان يجمع عدة انصاف دفعة واحدة، حتى على الصعيد المهني، فهو نصف صحافي ونصف معلم ونصف تاجر، وبأبسط القواعد الحسابية فإن هذه الانصاف لا تقبل الجمع، بل تبقى انصافا متباعدة ...
البورتريه الثاني لنصف امرأة، قررت منذ طفولتها الذكورية المحاصرة بأعراف صارمة ان تتعهد الغلام الذي ولد من صلبها، والذي حملت به من غير رجل فهي اشبه بنوع من الأفاعي ذات التكوين الجنسي المزدوج والمكتفي بذاته.
هي نصف رجل عندما يتطلب الامر استدعاء الاحتياطي الذكوري لوظيفة او نشاط سياسي، ونصف امرأة اذا أيقظت نرجسيّتها الهاجعة اشارة او كلمة او حتى ايماءة، ونادرا، بل من المتعذّر، ان يجتمع النصفان في بنطال واحد، وهذا النمط من الشيزوفرينيا يتجاوز التعريفات الكلاسيكية لازدواجية الشخصية لأنه خاضع للوعي، ومحسوب بدقّة، وتتوزع الأدوار تبعا لمتطلبات واقعية . قالت مرة لإحدى صديقاتها انها تحسد النساء اللواتي يحملن اسماء تقبل ان تكون لذكور واناث مثل جهاد وصباح، لأن هذا يسهل عليها العزف على وترين معا، واذا كان نصف الرجل يتعاطى ذاته على المستوى الجسدي ولا يحتاج الى طرف آخر لتحقيق رغبة ما فإن نصف المرأة ايضا تفعل ذلك ولها علاقة بذاتها فقط .
نصف الرجل يغار من المرأة لأسباب معينة، ونصف المرأة تغار ايضا من الرجال، لأن الأمر ليس محسوما لدى الطرفين، والتبسيط الجنسوي لهذه لكائنات يحرمها من الغنى والتنوع والعمق، لأنها اذا صنّفت بالشذوذ فذلك على المستوى السايكولوجي الممنوع من الترجمة العضوية .

'''

البورتريه الثالث لشبه مثقف، لا يعي أنه هو النقيض الفعلي للمثقف وليس الانسان العادي، حتى لو كان جاهلا، لا يرى هذا الكائن من المثقف غير القرائن المصاحبة له سواء على صعيد اللباس والاكسسوارات وطريقة الكلام والافراط في مسرحة ملامح الوجه، او حركة الاصابع، او على صعيد اصطناع الحيرة والتهجم والضيق بكل ما تقع عليه العين، ولا تشكل القراءة أي بعد في تكوين هذا الشبيه، لأن ما يلتقطه من المقاهي وكلمات الناشرين على الأغلفة يكفي ولو لبضع دقائق من ثرثرة المقاهي، او حتى لمقالة من مئة كلمة، غير قابلة للتكرار كبيضة الديك، واذا تجاوز زمن الثرثرة او السجال ربع ساعة فقط يتذرّع هذا الشبيه بالحاجة الى الذهاب الى اي مكان، حتى لو كان الحمام مثلا، فالمؤونة التي اعدت لا تكفي اكثر من هذا الوقت، اما آراء هذا الشبيه بالمثقفين من مختلف المستويات والاتجاهات فهي خلاصة لأدبيات النميمة في مجتمع تفتك به البطالة، فيأكل الناس فيه لحم بعضهم احياء وموتى... ومن هذه الآراء التي اصبحت مستعملة حدّ التهرؤ ومحفوظة عن ظهر قلب او قلم، ان من يحقق قدرا من النجاح في مجاله لا بد ان تكون هناك مطية قد حملته الى هذا المرتفع، ولا يتردد الشبيه في ابتكار القصص خصوصا ذات الايحاء الجنسي لتفسير نجاح كاتبة او كاتب، فالكاتبة لا بد ان يكون لها عشيق مجهول يكتب لها او يعيد صياغة ما تكتب على الأقل، واذا عزّت الابتكارات الجنسية فإن السياسة وقاموسها الهجائي المتوارث خمسة عشر قرنا تقدم البديل، فالمثقف الذي يحلق ذقنه بانتظام ويستحمّ ويعتني بنفسه بحيث لا تكون له رائحة نعجة أو ضبع هو يميني، وبورجوازي متعفن، لأن الشبيه يحتكر اليسار كله قدر تقديم هذا الاحتكار مبررات للفشل. وهو ايضا عدمي وعبثي يردد ثلاث او اربع مقولات لسارتر او كامو او كيركيغارد، رغم ان هؤلاء تجاوزوا عدميتهم الأصيلة بإعطاء حياتهم معنى، وكانوا اخلاقيين اكثر من خصومهم التقليديين الذين وصفوهم بالهلستية والتسيّب وانعطاب البوصلة الاخلاقية، ولا يعرف هذا الشبيه ان الحرية لدى من يدّعي الانتساب الى سلالتهم الوجودية هي ان لا يفعل المرء ما يريد وليس العكس.
وحين احتلت باريس لم يدر سارتر او كامو او اراغون ظهورهم ليقولوا بأن الوجود لا معنى له، بل استبدلوا اقلامهم بالبنادق، واحيانا حوّلوا الاقلام الى بنادق كما حدث في منشورات منتصف الليل وافتتاحيات جريدة 'كومبا'!
ولقد تساءل سارتر مثلا كيف يمكن لمثقف ان ينام ولو ساعة واحدة بلا كوابيس اذا كانت بلاده محتلة، وهويتها مستباحة او منتهكة، العدمي الشبيه يبحث عن ذريعة ثقافية كي تتحول الى ورقة توت تستر عورته كلص او أفّاق او سمسار متجول.

'''

البورتريه الرابع، الثوري تائب، تقاضى ثمن هذه التوبة، وتحول الى واعظ بالواقعية، وهو كما يتجسد في الشيوعي الذي حوّل الاعتذار عن الماركسية الى نمط انتاج في الحرب الباردة، فهو الطبال الذي لم تتحدث عنه السيدة سوزان مؤلفة كتاب 'من يدفع للزمار'، ومن المعروف ان الحرب الباردة قدمت سوقا سوداء، وما هو أشبه بالبورصة تحددت فيها التسعيرات لمن عاد اليهم الرشد وأعلنوا الفطام بل الختان المتأخر عن موعده عشرين عاما على الاقل، وهذا الكائن الذي زحف باتجاه اللمبو من جحيم الشيوعية الى الفردوس الارضي كما قدمته الرأسمالية في ذروة توحشها لم يمكث عند ذلك الهامش طويلا، بل كان بانتظار فيزا الدخول الى الملكوت الاخضر لا بلون غاباته او عشبه كما صوره والت ويتمان، بل بورقة الدولار.
والثوري التائب قد يكون شاعرا او روائيا او مجرد ناشط سياسي، احس في الثلث الاول من الطريق بانعدام الماء والزاد وحتى الرفيق كما قال ازرا باوند، لهذا كان العود بالنسبة اليه هو الأحمد، ونادرا، ونادرا ما كان تبديل الجلد واجراء جراحة لاستئصال الوشم تلبية لهاجس نقد الذات بالمعنى الذي اشار اليه جورج لوكاتش الذي اعتذر بعد التحول او بمعنى ادق بعد النضج عن مقالة شهيرة كتبها عن الشاعر طاغور.
ان ما يقابل نمط الانتاج الاسيوي نمط انتاج ثقافي آخر، له صلة ايضا بدولة الاستبداد وتجليات المسألة الشرقية ثقافيا.. والتحول من مثقف ذي مزاعم واطروحات راديكالية الى عسس اعلامي في الاسبارطات الحديثة شكل نمط انتاج تزاوج فيه الرّيع مع فساد الضمير، ما دام المعيار المقترح من بنات افكار جحا، ومن موروث النقائض الاموية، والسيرة الشعرية للحطيئة واحفاده!

'''

الكاريكاتور في بعده المقاوم، سفّه الديكتاتور وسعى بوسائله الى تقزيم مردة من ثلج او زَبَد .... هنا أرسمه لمثقف استولد بالانبوب الايديولوجي او الصقت له السلطة ساقين من الخشب وادخلت الى حنجرته آلة تصدر صوتا يشبه الصهيل لاخفاء موائه وفحيحه.
له اذن اكبر من اذن الفيل وعين اصغر من عين فيل طفل، مطلوب منه الاصغاء فقط لأن شهيقه زفير وزفيره شهيق، ولا مانع لديه ان يباعد بين جثتين كي ينام اذا استبد به نعاس القيلولة الذئبية.