Sunday, September 27, 2009

المثقفون الثلاثة! - خيري منصور - القدس العربي


المثقفون الثلاثة!
خيري منصور

مصطلحات عديدة بحاجة الى اعادة الاعتبار، وتحريرها من هذا الاستيطان الغوغائي الذي أفرغها من مضامينها وأفقدها الدلالات، في مقدمتها مصطلح المثقف، الذي يطلق في عالمنا العربي جزافا على غير الأميّ، سواء كان شبه متعلم او ذا صلة بالمجال الاكاديمي، وأول ما يخطر ببال هنا هو اطلاق الكاتبة سيمون دي بوفوار صفة المثقفين على أبطال رواية شهيرة لها، والمثقفون هم أبرز مفكري فرنسا في النصف الاول من القرن العشرين والعقد الفريد الذي أعقبه، وفي مقابلة شهيرة أجرتها مجلة الاكسبرسو الايطالية مع جان بول سارتر عرّف المثقف بأنه الوجدان الشقي، ثم ألّف كتابا يجيب فيه عن السؤال المزمن 'من هو االمثقّف؟' ولأن العرب حديثو عهد بالكثير من هذه المصطلحات فقد فلطحوها، مثلما فعلوا بمصطلح الوجودية الذي سرعان ما تحوّل من خلال ترجمات سياحية الى الحرية المجانية او العدمية التي تبرر كل شيء، رغم انها في الصميم من معناها الحرية القاسية، التي تفرض على الانسان ان لا يفعل ما يريد وليس العكس، وقد وضع سارتر هذه المسألة في الحوار المطوّل مع نافيل الماركسي، وحين تبنى بعض العرب تعريف غرامشي للمثقف العضوي وظفوا هذه التعريف في سياقات عجيبة، ومنهم من لم يسمع حتى الآن ان هناك اطروحات ناقدة لغرامشي، منها ما قاله كاتب ايطالي عن كون هذا المثقف الذي قال بأن لكل طبقة مثقفيها،فقد قال ان غرامشي نفسه لم يسلم من التعبير عن مصالح شركة عجلات في بداياتها وقبل ان تتحول الى شركة سيارات فيات المعروفة.
ان التعامل المجزوء والانتقائي مع المعرفة تسبب الى حد كبير في هذا الاضطراب الذي أصاب عدة بوصلات بالعطب، بحيث يصبح الشرق غربا والجنوب شمالا، ولكي لا نستطرد في هذا السّجال النظري حول مصطلح المثقف علينا ان نبدأ من أول السطر في كتابنا العربي الذي زاوج بين الأبجدية واللاتينية على نحو كاريكاتوري، وكم نشعر بالبؤس حين نقرأ بيان موت الحداثة في ألمانيا عام 1815 أي قبل ما يقارب القرنين، وقد غاب عن الوعي الزائف والمستلب ان لكل ثقافة حداثتها، وهذا ما دفع هنري لوفيفر الى ان يضيف ' نا ' الى كلمة حداثة، كي يوحي لقارئه بأنه يكتب عن حداثة بعينها وليس عن الحداثة بالمطلق .

' ' '

ما اعنيه بالمثقفين الثلاثة، ليس مرادفا للفرسان الثلاثة، الرواية الرومانسية لالكسندر دوماس، وليسوا ايضا ثلاثة من المثقفين المحددين بالاسماء والنصوص بل هو مفهوم يبدأ تجريديا واجرائيا وقد ينتهي واقعيا ومرئيا بوضوح ...
المثقف الاول، هو من حوّل ثقافته الى ركام من المعارف وهي تشبه قبّعة او طربوشا، ترتدى عند الكتابة او في مناسبات ذات علاقة بالثقافة، لكنه سرعان ما يخلع هذه المعارف، ويعود سالما الى موقعه.. هذا المثقف نموذج للشيزوفرينيا في أقصى تجلياتها، بحيث يستطيع التأقلم الحربائي السريع مع اي طارىء، ويعود اذا اقتضى الأمر فردا في القطيع او فردا من قبيلة غزيّة التي تفكر له وتحلم نيابة عنه وهو مجرد رقم أصمّ في نسيجها .
قد يتحدث هذا المثقف عن الحرية، والعصيان، والدور التاريخي للنّخب، لكن ما إن يتعرض لأول اختبار حتى يرسب بعدة امتيازات، والأمثلة لا تحصى... فهو استاذ جامعي في التاريخ او علم الاجتماع او الاداب، تنتهي مهمته عند حدود مهنته، فما إن يعود من الجامعة حتى يلتئم السياق الاجتماعي، باحثا بقوة عن شهادة حسن سير وسلوك، فالتاريخ بالنسبة اليه هو ما غَبَر،والآداب هي مجرد أخيلة لا صلة لها بحياته اليومية، وعلم الاجتماع لا امتداد له في المجتمع ومجمل علائقه المعقدة.
هذا المثقف يتزوج ويجاور وينجب ويعيش ويموت فردا ضالا في قطيع، فلا هو ذاته ولا الآخر الذي قرأ عنه وحاول تقمّصه لبعض الوقت، وحجته هي على الأغلب ان المجتمع أقوى منه وأنه لا يستطيع السباحة ضد تيار عارم، لهذا لا يضع رأسه بين الرؤوس ويمشي بمحاذاة الجدار، ويقرفص كي لا تصبح ساقاه أطول من فراشة، ولأن هاجسه الوحيد هو النجاة بجلده فإن اي تأويل لمواقفه او تحميلها ما لا تحتمل يصيبه بالهلع، لهذا فهو ابن بار للدولة، وغير عاقّ للمجتمع، وتوشك قبضته ان تتيبس على منتصف العصا، وخطورته ليست في ما يلحقه بذاته من أذى، بل بالنموذج الذي ينسجه للمثقف امام ذويه وتلامذته في الجامعة او جيرانه، فهم سيدركون بمرور الوقت ان عبارة العلم الذي لا ينتفع به تليق بهذا الكائن الذي يمتلك القدرة على ان يستدير مئة وثمانين درجة كي يقول بأن الارض ليست كروية ولا تدور.
انه نتاج مفهوم شعبي عن الثقافة شاع بعد الحرب العالمية الثانية متزامنا مع بواكير الاستقلال الشكلي والعثور على مجالاات عمل في الشركات التي تنقّب في الصحارى، لهذا تحوّل العلم كله الى نمط انتاج بديل للأرض، وصار الإقبال الشديد على ثالوث الهندسة والطب والصيدلة تعبيرا عن طموحات للعمل بأجور أغلى، وتراجعت الانسانيات وأصبح الناس يسخرون ممن يدرس الأدب او الفيزياء لأنه ينتهي الى معلم بائس في بلاد كذب شاعرها عندما قرن المعلمين بالرسول وطالب بالوقوف تبجيلا لهم، تبعا للموعظة الممنوعة من الصرف والقائلة من علّمني حرفا كنت له عبدا، والأصح من اعطاني رغيفا او دينارا كنت له عبدا ...

' ' '

المثقف الثاني، حسم أمره منذ البداية، بحيث يعيش حياتين، احداهما سرية لطقوسه وقراءاته وموسيقاه ومجمل شجونه المعرفية، والأخرى علنية متوائمة مع القطيع، فالليل له والنهار للآخرين، وقد يكون قد أهّل عقله وبالتالي لسانه كي يكون اثنين لا يلتقيان حتى لو تدخّل اينشتاين بنظريته النسبية لتحقيق هذا الالتقاء.
وثمة عدة عوامل أدّت الى مثل هذا الانشطار الاميبي لدى المثقف اللامثقف، لأن مهنته في بلدان لم تغادر الرعوية غير مفروزة وغير معترف باستحقاقاتها، ولتعذّر اكتفائه بمحصول معرفته يضطر الى العمل في مجالات لا صلة لها بالثقافة، فمن هؤلاء من عمل سائق سيارة أجرة او موظفا في البريد او محاسبا في شركة الكهرباء، ولكي يستطيع مواصلة الحياة عليه ان يقدّم تنازلات يومية، بحيث لا يختلف مع السائد من حوله خشية من النّبذ والاقصاء، فهو يعرف جيدا حكاية العنزة السوداء في القطيع والبعير الأجرب، رغم انه كان مؤهلا لو امتلك الارادة والقوة لقلب المعادلة، فالقطيع هو الأجرب، والعنزة السوداء هي بيضاء قطيعها، وقد ظنّ مثل هذا المثقف المنشطر الى ليل شخصي ونهار جماعي ان المسألة حلّت وحسمت لصالحه، ليكتشف بعد فوات الاوان ان النهار زحف الى ليله، ووجد نفسه ملقى على قفاه في ظهيرة سوداء، لا يتعرف فيها على نفسه لأنه أصبح سواه تماما، وتعرّض الى أسوأ استيطان وجودي عرفه الانسان في تاريخه.
ومن ممارسات هذا المثقف المنشطر الى ليل أبيض ونهار اسود، انه يفضل الزواج من فتاة صغيرة شبه أميّة كي يتولى بنفسه تربيتها، ثم ينشىء اطفاله على غرار ما أنشأه والداه الأميّان، ويعيد انتاج تربويات الزجر والعقاب والتحريض على الكذب بحثا عن النجاة بألفاظ جديدة، لأنه يريد ان يكون في الربع الأول من القرن العشرين وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين دون ان يخسر شيئا، ويريد زوجة وابناء ماهرين في الكذب واسترضائه لأنه لا يقوى على عبء حرياتهم التي تنمو بعيدا عن وعيه ورغما عنه . وقد يدلو بدلوه المثقوب في ندوة عن السلطة والمعرفة، والحرية والارتهان، فيقول اقوال الاخرين لبضع دقائق فقط رغم ان مسامير بسطار السلطة مغروزة بين عينيه.

' ' '

المثقف الثالث، ليس ثالثة الاثافي في هذه الخيمة العربية المصنوعة من رخام مستورد، انه الاطروحة المضادة، والمحاولة الباسلة للبقاء على قيد ضميره ومهنته، قابضا على الجمرة بلسانه لا بيده، فهو يكابد على مدار الساعة محروما من النوم للدفاع عما تبقى من ملكوت لم يتسرب اليه العسس او المتسللين بين الطبقات والمهن لإرباك المعيار وحذف الفارق بين النعيق والهديل وبين الفحيح والحفيف، والكتابة عن هذا المثقف الثالث الذي يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ويشم بأنفه متمردا على منة تأجير الحواس، تستحق اضعاف ما كتب عن المثقفين السابقين، لكن حصة الفردوس كما قال دانتي في كوميدياه هي أقل بأضعاف من حصة الجحيم ...
لهذا المثقف الثالث، تشرق شمس الغد اذا اشرقت... ولنقيضه الزائف المصنوع بأنبوب الدولة والحزب والقبيلة تنعب بومة الغسق، فهو الشرارة الهاجعة في الصوّان، وشفق الكون الأبدي... لأنه رديف القيامة، واللقاح في زمن الوباء، وآخر دفاع علني عن خجل الانسان!
فأين هو ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

Wednesday, September 23, 2009

Monday, September 7, 2009

Exerpts from The Flowers of Evil "Les Fleurs Du Mal", Charles Baudelaire

Preface:
"France is passing through a period of vulgarity. Paris, a center radiating universal stupidity. Despite Moliere and Beranger, no one would ever have believed that France would take to the road of progress at such a rate. Matters of art, terrae incognatae.

Great men are stupid.
My book may have done some good; I do not regret that. It may have done harm; I do not rejoice that. "

"We are all hanged or hangable. "

"GIANTESS"

when nature once in lustful hot undress
Conceived gargantuan offspring, then would I
Have loved to live near a young giantess,
Like a voluptuous cat at a queen's feet.

To see her body flower with her desire
And freely spread out in its dreadful play,
Guess if her heart concealed some heavy fire
Whose humid smokes would swim upon her eye.

To feel at leisure her stupendous shapes,
Crawl on the cliffs of her enormous knees,
And, when in summer the unhealthy suns

Have stretched her out across the plains, fatigued,
Sleep in the shadows of her breasts at ease
Like a small hamlet at a mountain's base.

"THE DANCING SERPENT"

Dear indolent, I love to see,
In you body bright,
How like shimmering silk the skin
Reflects the light!

On the deep ocean of your hair
Where perfume laves,
Odorous and vagabond sea
Of blue and brown waves,

Like a vessel awakening
When morning winds rise
My dreaming soul begins to sail
Toward remote skies.

Your two eyes that neither sweetness
Nor bitterness hold
Are two chilly gems mingled of
Iron and gold.

When you walk in rhythm, lovely
With abandonment,
You seem th be swayed by a wand,
A dancing serpent.

Your child's head under the burden
Of your indolence
Sways as delicately as a Young elephant's,

And your body bends and straightens
Like a slender ship
That, plunging and rolling, lets the
Yards in water dip.

When, like a stream by thawing of
Glaciers made replete,
The water of your mouth rises
Up to your teeth,

I drink a Bohemian wine,
Powerful and tart,
A liquid sky that sows its stars
Within my heart!

"THE BALCONY"

Mother of memories, mistress of mistresses,
O thou, my pleasure, thou, all my desire,
Thou shalt recall the beauty of caresses,
The charm of evenings by the gentle fire,
Mother of memories, mistress of mistresses!

The eves illumined by the burning coal,
The balcony where veiled rose-vapour clings -
How soft your breast was then, how sweet your soul!
Ah, and we said imperishable things,
Those eves illumined by the burning coal.

Lovely the suns were in those twilights warm,
And space profound, and strong life's pulsing flood;
In bending o'er you, queen of every charm,
I thought I breathed the perfume of your blood.
The suns were beauteous in those twilights warm.

The film of night flowed round and over us,
And my eyes in the dark did your eyes meet;
I drank your breath, ah! sweet and poisonous,
And in my hands fraternal slept your feet-
Night, like a film, flowed round and over us.

I can recall those happy days forgot,
And see, with head bowed on your knees, my past.
Your languid beauties now would move me not
Did not your gentle heart and body cast
The old spell of those happy days forgot.

Can vows and perfumes, kisses infinite,
Be reborn from the gulf we cannot sound;
As rise to heaven suns once again made bright
After being plunged in deep seas and profound?
Ah, vows and perfumes, kisses infinite!

"REVERSIBILITY"

Angel of gaiety, have you tested grief?
Shame and remorse and sobs and weary spite,
And the vague terrors of the fearful night
That crush the heart up like a crumpled leaf?
Angel of gaiety, have you tested grief?

Angel of kindness, have you tested hate?
With hands clenched in the dark, and tears of gall,
When Vengeance beats her hellish battle-call,
And makes herself the captain of our fate,
Angel of kindness, have you tested hate?

Angel of health, did ever you know pain,
Which like an exile trails his tired footfalls
The cold length of the white infirmary walls,
With lips compressed, seeking the sun in vain?
Angel of health, did ever you know pain?

Angel of beauty, do you know wrinkles know?
Know you the fear of age, the torment vile
Of reading secret horror in the smile
Of eyes your eyes have loved since long ago?
Angel of beauty, do you wrinkles know?

Angel of happiness, and joy, and light,
Old David would have asked for your afresh
From the pure touch of your enchanted flesh;
I but implore your prayers to aid my plight,
Angel of happiness, and joy, and light.

"CONVERSATION"
You are an autumn sky, suffused with rose ...
Yet sadness rises in me like the sea,
And on my somber lip, when it outflows,
Leaves its salt burning slime for memory.

Over my swooning breast your fingers stray;
In vain, alas! My breast is a void pit
Sacked by the tooth and claw of woman. Nay,
Seek not my heart; the beasts have eaten it!

My heart is as a palace plundered
By the wolves, wherein they gorge and rend and kill,
A perfume round thy naked throat is shed...

Beauty, strong scourge of souls, O work thy will!
Scorch with thy fiery eyes which shine like feasts
These shreds of flesh rejected by the beasts!

"THE GLADLY DEAD"

In a soil with snails and rich as grease
I've longed to dig myself a good deep grave,
There to stretch my old bones at ease
And sleep in oblivion, like a shark in a wave.

Wills I detest, and tombstones set in rows;
Before I'd beg a tear of anyone,
I'd rather go alive and let the crows
Bleed the last scrap of this old carrion.

O worms! Black comrades without eye or ear,
Here comes a dead man for you, willing and gay;
Feasting philosophers, sons born of decay,

Come burrow through my ruins, shed not a tear;
But tell me if any torture is left to dread
For this old soulless body, dead as a dead?

"HEAUTONTIMOROUMENOS"

I'll strike you, but without the least
Anger - as butchers poll an ox,
Or Moses, when he strucj the rocks -
That from your eyelid thus released,

The lymph of suffering may brim
To slake my desert of its drought.
So my desire, by hope made stout,
Upon your salty tears may swim,

Like a proud ship, far out from shore.
Within my heart, which they'll confound
With drunken joy, your sobs will sound
Like drums that beat a charge in war.

Am I not a faulty chord
In all this symphony divine,
Thanks to the irony malign
That shakes and cuts me like a sword?

It's in my voice, the raucous jade!
It's in my blood's black venom too!
I am the looking-glass, wherethrough
Megaera sees herself portrayed!

I am the wound, and yet the blade!
The slap, and yet the cheek that takes it!
The limb, and yet the heel that breaks it,
The torturer, and he who's flayed!

One of the sort whom all revile,
A Vampire, my own blood I quaff,
Condemned to an eternal laugh
Because I know not how to smile.

"THE IRREMEDIABLE"
A Dream, a Form, a Creature, late
Fallen from azure realms, and sped
Into some Styx of mud and lead
No eye from heaven can penetrate;

An angel, rash wanderer, who craves
To look upon deformity,
The vast nightmare's gulf to try
As swimmer struggling with the waves,

And battling (anguish fierce and stark!)
Against gigantic whirlpools
That, singing, go like mad fools
Pirouetting in the dark;

One spellbound in sorcery,
Groping vainly as he makes
To flee a place alive with snakes,
Seeking the candle and the key;

A lost and lampless soul descending,
Within a gulf whose foetid scent
Betrays its damp and deep extent,
A railless staircase never ending,

Where clammy monsters guard the way,
Whose great eyes' phosphoric light
Makes even blacker still the night,
And nothing but themselves betray;

A vessel icebound at the pole,
As in a crystal trap secure,
Seeking the fatal aperture
By which it reached that prison goal:

-Perfect emblems, clear and true,
Of irremediable Fate,
They make us think the Devil's hate
Does well whatever he will do!

The dialogue is dark and clear
When a heart becomes its mirror!
Black well of Truth, but none is clearer,
Where that livid star appears,

That ironic and primaeval
Beacon, torch of Satan's grace,
Our sole glory and our solace -
Consciousness in doing Evil!

"THE CLOCK"

The Clock, calm evil god, that makes us shiver,
With threatening finger warns us each apart: -
"
Remember! Soon the vibrant woes will quiver,

Like arrows in a target, in your heart.


To the horizon Pleasure will take flight
As flits a vaporous sylphide to the wings.
Each instant gnaws a crumb of the delight
That for his season every mortal brings.

Three thousand times and more, each hour, the second
Whispers 'Remember!' Like an insect shrill
The present chirps, 'With Nevermore I'm reckoned.
I've pumped your lifeblood with my loathsome bill.'
Remember! Souviens-toi! Esto Memor!

My brazen windpipe speaks in every tongue.
Each moment, foolish mortal, is like ore

From which the precious metal must be wrung.

Remember. Time the gamester (it's the law)
Wins always, without cheating. Daylight wanes.
Night deepens. The abyss with gulfy maw
Thirsts on unsated, while the hourglass drains.

Sooner or later, now, the tie must be
When Hazard, Virtue (your still-virgin mate),
Repentance (your last refuge), or all three -
Will tell you, 'Die, old Coward. It's too late!'"

"A LANDSCAPE"
I would, when I compose my solemn verse,
Sleep near the heaven as do astrologers,
Near the high bells, and with a dreaming mind
Hear their calm hymns blown upon the wind.
Out of my tower, with chin upon my hands,
I'll watch the singing, babbling human bands;
And see clock-towers like spars against the sky,
And heavens that bring thoughts of eternity;

And softly, through the mist, will watch the birth
Of stars in heaven and lamplight on the earth;
The threads of smoke that rise above the town;
The moon that pours her ale enchantment down.

Seasons will pass till Autumn fades the rose;
And when comes Winter with his weary snows,
I'll shut the doors and window-casements tight,
And build my faery palace in the night.
Then I will dream of blue horizons deep,
Of gardens where the marble fountains weep,
Of kisses, and of ever-singing birds --
A sinless Idyll built of innocent words.
And Trouble, knocking at my window-pane
And at my closet door, shall knock in vain;
I will not heed him with his stealthy tread,
Nor from my reverie uplift my head;
For I will plunge deep in the pleasure still
Of summoning the spring-time with my will,
Drawing the sun out of my heart, and there
With burning thoughts making a summer air.

"THE LITTLE OLD WOMEN"

In sinuous folds of cities old and grim,
Where all things, even horror, turn to grace,
I follow, in obedience to my whim,
Strange, feeble, charming creatures round the place.

These crooked freaks were women in their pride,
Fair Eponine of Lais! Humped and bent,
Love them! Because they still have souls inside.
Under their draughty skirts in tatters rent.

They crawl: a vicious wind their carrion rides;
From the deep roar of traffic see them cover,
Pressing like precious relics to their sides
Some satchels stitched with mottoes or a flower.

They trot like marionettes along the level,
Or drag themselves like wounded deer, poor crones!
Or dance, against their will, as if the devil
Were swinging in the belfry of their bones.

Cracked though they are, their eyes are sharp as drills
And shine, like pools of water in the night, -
they eyes of little girls whom wonder thrills
To laugh at all that sparkles and is bright.

The coffins of old women very often
Are near as small as those of children are.
Wise Death, who makes a symbol of a coffin
Displays a taste both charming and bizarre.

And when I track some feeble phantom fleeing
Through Paris's immense ant-swarming Babel,
I always think that such a fragile being
Is moving softly to another cradle.

Unless, sometimes, in geometric mood,
To see the strange deformities they offer,
I muse how often he who saws the wood
Must change the shape and outline of the coffer.

Those eyes are wells a million teardrops feed,
Crucibles spangled by cooling ore,
Invincible in charm to all that breed
Whom stern Misfortune suckled with her lore.

II

vestal whom old Frascati could enamour:
Thalia's nun, whose name was only known
To her dead prompter: madcap full of glamour
Whom Tivoli once sheltered as its own -

They all elate me. But of there a few,
Of sorrow having made a honeyed leaven,
Say to Devotion, "Lend me wings a new,
O powerful Hippogriff, and fly to heaven."

One for her fatherland a martyr: one
By her own husband wronged beyond belief:
And one a pierced Madonna through her son -
They all could make a river with their grief.

III

Yes, I have followed them, time and again!
One, I recall, when sunset, like a heart,
Bled through the sky from wounds of ruddy stain,
Pensively sat upon a seat apart,

To listen to the music, rich in metal,
That's played by bands of soldiers in the parks
On golden, soul-reviving eves, to fettle,
From meek civilian hearts, heroic sparks.

This one was straight and stiff, in carriage regal,
She breathed the warrior-music through her teeth,
Opened her eye like that of an old eagle,
And bared a forehead moulded for a wreath.

IV

Thus then, you journey, uncomplaining, stoic
Across the strife of modern cities flung,
Sad mothers, courtesans, or saints heroic,
Whose names of old were heard on every tongue,

You once were grace, and you were glory once.
None know you now. Derisory advances
Some drunkard makes you, mixed with worse affronts.
And on your heels a child-tormentor prances.

Ashamed of living, shrivelled shades, who creep
Timidly sidling by the walls, bent double;
Nobody greets you, ripe for endless sleep,
Strange destinies, and shards of human rubble!

But I who watch you tenderly: and measure
With anxious eye, your weak unsteady gait
As would a father- get a secret pleasure
On your account, as on your steps I wait.

I see your passionate and virgin crazes;
Sombre or bright, I see your vanished prime;
My soul, resplendent with your virtue, blazes,
And revels in your vices and your crimes.

Poor wrecks! My family! Kindred in mind, you
Receive from me each day my last addresses.
Eighty-year Eves, will yet tomorrow find you
On whom the claw of God so fiercely presses?

COMEST THE CHARMING EVENING

Comes the charming evening, the criminal's friend,
Comes conspirator-like on soft wolf tread.
Like a large alcove the sky slowly closes,
And man approaches his bestial metamorphosis.

To arms that have laboured, evening is kind enough,
Easing the strain of sinews that have borne their rough
Share of the burden; it is evening that relents
To those whom and angry obsession daily haunts.
The solitary student now raises a burdened head
And the back that bent daylong sinks into its bed.
Meanwhile darkness dawns, filled with demon familiars

Who rouse, reluctant as business-men, to their affairs,
Their ponderous fight rattling the shutters and blinds.
Against the lamplight, whose shivering is the wind's,
Prostitution spreads its light and life in the streets:
Like an anthill opening its issues it penetrates
Mysteriously everywhere by its own occult route;
Like an enemy mining the foundations of a fort,
Or a worm in an apple, eating what all should eat,
It circulates securely in the city's clogged heart.
The heat and hiss of kitchens can be felt here and there,
The panting of heavy bands, the theaters' clamour.
Cheap hotels, the haunts of dubious solaces,
Are filling with tarts, and crookes, their sleep accomplices,
And thieves, who have never heard of restraint or remorse,
Return now to their work as a matter of course,
Forcing safes behind carefully re-locked doors,
To get a few days' living and put clothes on their whores.

Collect yourself, my soul, this is a serious moment,
Pay no further attention to the noise and movement.
This is the hour when the pains of the sick sharpen,
Night touches them like a torture, pushes them to the open
Trapdoor over the gulf that is all too common.
Their groans overflow the hospital. More than one
Will not come back to taste the soup's familiar flavour
In the evening, with some friendly soul, by his own fire.

Indeed, many a one has never even known
The hearth's warm charm. Pity such one.

THE VOYAGE

For children crazed with maps and prints and stamps-
The universe can sate their appetite.
How vast the world is by the light of lamps,
But in the eyes of memory how slight.

One morning we set sail, with brains on fire,
And hearts swelled up with rancorous emotion,
Balancing, to the rhythm of its lyre,
Our infinite upon the finite ocean.

Some wish to leave their venal native skies,
Some flee their birthplace, others change their ways,
Astrologers who've drowned in Beauty's eyes,
Tyrannic Circe with the scent that slays.

Not ot be changed to beasts, they have their fling
with space, and splendour, and the burning sky,
The suns that bronze them and the frosts that sting
Efface the mark of kisses by and by.

But the true travellers are those who go
Only to get away: hearts like balloons
Unballasted, with their own fate aglow,
Who know not why they fly with the monsoons:

Those whose desires are in the shape of clouds,
Who dream, as raw recruits of shot and shell,
Of mighty raptures in strange, transient crowds
Of which no human soul the name can tell.

II

Horror! We imitate the top and bowl
In swerve and bias. Through our sleep our sleep it runs.
It's Curiosity that makes us roll,
As the fierce Angel whips the whirling suns.

Singular game! Where the goal changes places;
The winning-post is nowhere, yet all round;
Where Man tires not of the mad hope her races
Thinking, some day, that respite will be found.

Our soul's like a three-master, where one hears
A voice that from the bridge would warn all hands.
Another from the foretop madly cheers
"Love, joy, and glory" ... Hell! we're on the sands!

The watchman think each isle that heaves in view
An Eldorado, shouting their belief;
Imagination riots in the crew
Who in the morning only find a reef.

The fool that dotes on far, chimeric lands -
Put him in irons, or feed him to the shark!
The drunken sailor's visionary lands
Can only leave the bitter truth more stark.

So some old vagabond, in mud who grovels,
Dreams, nose in air, of Edens sweet to roam;
Wherever smoky wicks illuminate hovels
He sees another Capua or Rome.

III

Amazing travellers, what a noble stories
We read in the deep oceans of your gaze!
Show us your memory's casket, and the glories
Streaming from gems made out of stars and rays!

We, too, would roam without a sail or stream,
And to combat the boredom of your jail,
Would stretch, like canvas on our souls, a dream,
Framed in horizons, of the seas you sail.

What have you seen?

IV

"We have seen stars and waves,
We have seen sands and shores and oceans too,
In spite of shocks and unexpected graves,
we have been bored, at times, the same as you.

The solar glories on the violet ocean
And those of spires that in the sunset rise,
lit, in our hearts, a yearning, fierce emotion
To plunge into those ever-luring skies.

The richest cities and the scenes most proud
In nature, have no magic to enamour
Like those which hazard traces in the cloud
While wistful longing magnifies their glamour.

(enjoyment adds more fuel for desire,
Old tree, to which all pleasure is manure;
As the bark hardens, so the boughs shoot higher,
And nearer to the sun would grow mature.

Tree, will you always flourish, more vivacious
Then cyress? ) None the less, these views are yours:
We took some photographs for your voracious
Album, who only care for distant shores.

We have seen idols elephantine-snouted,
And thrones with living gems bestarred and pearled,
And palaces whose riches would have routed
The dreams of all the bankers in the world.

We have seen wonder-striking robes and dresses,
Women whose nails and teeth the betel stains
And jugglers whom the rearing snake caresses."

V

What then? What then?

VI

"O childish little brains,
Not to forget the greatest wonder there -
We've seen in every country, without searching,
From top to bottom of the fatal stair
Immortal sin ubiquitously lurching:

Woman, a vile slave, proud in her stupidity,
Self-worshipping, without the least disgust:
Man, greedy, lustful, ruthless in cupidity,
Slave to a slave, and sewer to her lust:

The torturer's delight, the martyr's sobs,
The feasts where blood perfumes the giddy rout:
Power sapping its own tyrants: servile mobs
In amorous obeisance to the knout:

Some similar religions to our own,
All climbing skywards: Sanctity who treasures,
As in his downy couch some dainty drone,
In horsehair, nails, and whips, his dearest pleasures.

Prating Humanity, with genius raving,
As and today as ever from the first,
Cries in fierce agony, its Maker braving,
'O God, my Lord and likeness, be thou cursed!'

But those less dull, the lovers of Dementia,
Fleeing the herd which fate has safe impounded,
In opium seek for limitless adventure.
-That's all the record of the globe we rounded."

VII

It's bitter knowledge that one learns from travel.
The world so small and drab, from day to day,
The horror of our image will unravel,
A pool of dread in deserts of dismay.

Must we depart, or stay? Stay if you can.
Go if you must. One runs: another hides
To baffle Time, that fatal foe to man.
And there are runners, whom no rest betides,

Like the Apostles or the Wandering Jew,
Whom neither ship nor waggon can enable
To cheat the retiary. But not a few
Have killed him without stirring from their cradle.

But when he sets his foot upon our nape
We still can hope and cry "Leave all behind!"
As in old times China we'd escape
With eyes turned seawards, hair that fans the wind,

We'll sail once more upin the sea of Shades
with heart like that of a young sailor beating.
I hear the rich, sad voices of the Trades
Who cry "This Way! all you who would be eating

The second Lotus. Here it is they range
The piles of magic fruit. O hungry friend,
Come here and swoon away into the strange
Trance of an afternoon that has no end."

In the familiar tones we sense the spectre;
Our Pylades stretch arms across the seas.
"To salve your heart, now swim to your Electra,"
She cries, of whom we used to kiss the knees.

VIII

O Death, old Captain, it is time. Weigh anchor!
To sail beyond the doldrums of our days.
Though black as pitch the sea and sky, we hanker
For space; you know our hearts are full of rays.

Pour us your poison to revive our soul!
It cheers the burning quest that we pursue,
Careless if Hell of Heaven be our goal,
Beyond the known world to seek out the New!

THE UNFORESEEN

Harpagon watched his father slowly dying
And musing on his white lips as they shrunk,
Said, "There is lumber in the outhouse lying
It seems: old boards and junk."

Celimene cooed, and said, "How good I am
And, naturally, god made my looks excel."
(Her callous hear, thrice-smoked like salted ham,
And cooked in the fires of Hell!)

A smoky scribbler, to himself a beacon,
Says to the wretch whom he has plunged in shade-
"Where's the Creator you so loved to speak on,
The Saviour you portrayed?"

But best of all I know a certain rogue
Who yawns and weeps, lamenting night and day
(Impotent fathead) in the same old brogue,
"I will be good- one day!"

the clock says in a whisper, "He is ready
The damned one, whom I warned of his disaster.
He's blind, and deaf, and like a wall unsteady,
Where termites mine the plaster."

Then one appeared whom all of them denied
And said with mocking laughter, "To my manager
You've all come; to the Black Mass I provide
Not one of you's a stranger.

You've built me temples in your hearts of sin.
You've kissed my buttocks in your secret mirth.
Know me for Satan by this conquering grin,
As monstrous as the Earth.

D'you think, poor hypocrites surprised red-handed,
That you can trick your lord without a hitch;
And that by guile two prizes can be landed-
heaven, and being rich?

The wages of huntsman is his quarry,
Which pays him for the chill he gets while stalking.
Companions of my revels grim and sorry
I am going to take you walking,

Down through the denseness of the soil and rock,
Down through the dust and ash you leave behind,
Into a palace, built in one solid block,
Of stone that is not kind:

For it is built of Universal Sin
And holds of me all the is proud and glorious."
-Meanwhile an angel, far above the din,
Sends forth a peal victorious

For all whose hearts can say, "I bless thy rod;
And blessed be the griefs that on us fall.
My soul is not a toy, Eternal God,
Thy wisdom's all in all!"

And so deliciously that trumpet blows
On evenings of celestial harvestings,
It makes a rapture in the hearts of those
Whose love and praise it sings.












Saturday, August 29, 2009

كُتٌب ليست للقراءة! خيري منصور - القدس العربي

منذ تحولت الكتابة الى اسم حركي او مستعار للبطاقة وأصبح عدد الجامعات ودور النشر ينافس عدد الحوانيت والصيدليات ومحطات البنزين، حدث الافتراق الحاسم بين المقدمات والنتائج، وصارت القطيعة بين المهنة وما ينسب اليها أمرا مألوفا علينا جميعا ان نتأقلم معه، ومثلما تحولت الاحزاب السياسية في مجتمعات باترياركية وثيوقراطية يحظر فيها تداول السلطة الى اندية اجتماعية لإشباع الهوايات هكذا تحولت الكتابة ايضا، من ابداع يخضع للمساءلة النقدية الى ممارسات معزولة عن تاريخ الكتابة، لأنها استبدلت الأقانيم الخالدة الثلاثة، وهي المؤلف والقارىء والناقد بثالوث من طراز آخر، قد يكون فانتازيا لا يهدف الى ما هو أبعد من الاستعراض المؤقت او الموسمي، وقد يكون مجرد تعبير عن فائض مال او فراغ او سايكوباثيا، وفي هذه الآونة التي تشهد حفلات توقيع يومية هي أشبه بحفلات تنكرية، اصبحت الكتب ليست للقراءة، او النقد بقدر ما هي للعرض في الواجهات وعلى الأرصفة، او مجرد اضافة أرقام الى فهارس الناشرين والسير الذاتية لأصحابها! وثمة روايات منها عشر على الاقل تحظى بشهرة واسعة، لكنها بلا قراء، منها ما هو لنساء أرَدْنَ حرق المراحل واختصار الطريق بغلاف يصلح قرينة للاستمناء او يدخل من باب الجسد الاكثر ضيقا، ومنها ايضا اعمال يصعب بل يتعذر تصنيفها جماليا وابداعيا، ما دام مصطلح الرواية المضادة او اللارواية حسب تعبير سارتر عن كتاب الرواية الجديدة في فرنسا قد أسيء فهمه ككل شيء آخر، لقد حاكى عرب كثيرون روايات غرييه وكلود سيمون، واستبدلوا الزمان بالمكان والانسان بالشيء، لكن بلا رؤى او ادراك لهذا التحول الانقلابي في الوعي الذي كان صدى او على الاقل متناغما مع الظاهراتية او الفينومينولوجيا. وهذا ما حدث في شعرنا الحديث قبل اكثر من نصف قرن عندما فهم البعض ان التفاصيل اليومية تكفي لإنجاز نص شعري، فأخذوا ملاعق الشاي والقهوة من ت. س. إليوت والشكوى من المدينة الحديثة الساحقة للانسان من سيتويل وباوند، رغم ان مدننا في ذلك الوقت كان نصفها على الأقل يضاء بمصابيح النفط وضواحيها تعج بالابقار والخيول التي تحرث الأرض.
وما يروج الآن من روايات البورنو سواء بالمضامين او تصميم الاغلفة او استخدام المفردات التي طالما عوملت كما لو انها عورات في اللغة، هو تسديد مديونية من طراز آخر، هو جنسوي بامتياز، وحين تجتذب هذه النصوص قرّاءً حتى من هؤلاء الذين يتفحصونها امام اكشاك بيع الكتب فإن السبب هو ما اشار اليه منير العكش قبل اكثر من ثلاثين عاما، عندما اختبر عددا من المتلقين من خلال تقديم نماذج شعرية متباينة، منها ما هو لنزار قباني والسياب وآخرين، وتوصل العكش في تلك الدراسة الميدانية والسايكولوجية الرائدة إلى ان معظم استجابات المتلقين لشعر نزار مثلا هي عضوية، وذات منابع جسدية وهرمونية، فما يثيرهم ويهيّجهم ليس الشعر بل المفردات ذات التاريخ المكبوت، وبالطبع ستكون حصة التجريد في مثل هذه المجتمعات أقل بأضعاف من أية حصص أخرى سواء تعلق بالشعر او الفلسفة او الرسم، وقد تكون شحة الدارسين في مجالي علم النفس الاجتماعي وعلم التخلف هي السّبب في عدم تقصي ظواهر ثقافية وافرازات هلامية لمجتمعات ضلّت الطريق الى ذاتها قبل أي مكان آخر.
وهناك الآن ما يشبه النادي، وإن كان اقل من استحقاقه لهذه التسمية، لأنه تشكل جيولوجي وهو حسب تعبير شهير لازوالد اشبنجلر، يوحي لك بأن ما تراه هو جبل او بحيرة، لكنه في الحقيقة من ابتكار العين، كالسراب تماما، ان نادي الحفاة هذا يشترط للانتساب اليه أمرين، اولهما ان لا يكون لدى العضو اي هاجس او قلق او اشتباك مع واقعه، وثانيهما ان يمتلك قدرا من النفاق ببعديه الاجتماعي والسياسي يتيح له ان يكون مع الله وقيصر في اللحظة ذاتها، ومع الرأسمالي والاشتراكي ومع الاتباعي والحداثوي ما دام الرهان بل الاحتكام كلّه لنيل اعتراف حتى لو كان من مؤسسة ثقافية يقودها أميّ ٌ أعمى، وترتبط بخط تلفوني ساخن مع اجهزة الأمن.
ان هناك من تورطوا في هذا النادي نصف الليلي لكنهم استقالوا وطالبوا بسحب عضويتهم، مقابل آخرين شمّوا عن بعد الرائحة ولم يتورطوا، لكنهم دفعوا اثمانا لاستقلالهم وعدم ارتهانهم وإصرارهم على ان الفيل ليس عصفورا ، والجنرال ليس حكيما.
إن من يجرؤ على الكلام الآن ليس من اصابه العمى لشدة ما تكسرت اجفانه امام اولياء النّعم، وليس من يمشي بمحاذاة الجدار حتى لو كان آيلا للسقوط كي لا يضبط متلبسا بعاره الاخلاقي او السياسي، وثمة نمط من المتسولين يطيب لهم على سبيل العلاج والتعويض ان يمارسوا دور السادة الكرماء ويبحثوا عن متسولين او ادنى منهم كي يعطوهم شيئا مما كسبوا، ومن يصابون بضيق التنفس لمجرد طرح قضايا من هذا النّوع، انما يحترزون من افتضاحهم ولو بعد حين!

* * * * * * *
هل انتهت مهنة الكتابة عند ثلاثة طقوس لا تعيش اكثر من ايام العزاء، سواء كان في سرادق على شارع او في صالة مكيفة الهواء وذات نسب ثقافي مشكوك فيه. ..
نشر الكتاب والاهتمام بغلافه والكلمة على صفحته الاخيرة، ومن ثم حفلة توقيع حتى لو كان روادها سبعة من اصدقاء المؤلف او الناشر، ومن ثم تعليق سطحي في جريدة يومية، وبعد ذلك ينتهي كل شيء بانتظار صدور كتاب آخر.
لقد طلب مني ذات يوم ان اشارك في الكلام حول كتاب لسيّدة في حفل توقيع، وقبل ان اعتذر قالت لي الوصيفة او سمسارة الحفل التنكري ان من واجبي ان امتدح الكتاب، وذلك من اجل المساهمة في تسويقه، وفوجئت السيدة باعتذار مزدوج، ولو صحّ ما يقال عن الكتب في حفلات التوقيع فإن هذه الكتب تجترح معجزات، اذ لا يمكن لكتاب واحد ان يكون مشجبا لمقولات جمالية ينوء بسبب هشاشته بنصف واحدة منها!
وهذه مناسبة اخرى لدرء التباس او استدراك ما حول نفوذ ثقافة النميمة على عقولنا، بحيث يطلب من احدنا وهو يتصدى لظاهرة او مفهوم ان يسمي الاشخاص او يحدد تواريخ الوقائع ويأتي بالشهود، ومردّ هذا باختصار الى سطوة الشخصنة على المفهوم، فنحن نادرا ما نتعامل مع الفكرة المجردة، لأنها اشبه بالموسيقى التي لا تتخللها كلمات. حتى اللوحات، نفرض عليها ان تترجم الى كلمات كي تفهم وهذا ايضا ما يفسر لنا قلة الرسوم الكاريكاتورية التي تكتفي بخطوطها دون اضافات لغوية، وأقرب الامثلة الينا الآن، ما يقدم من افكار وندوات عن المرض عندما يبدأ بالتحول الى وباء، وانفلونزا الدجاج او الخنازير او الثقافة لا تسمح لنا بعد ان تحولت الى اوبئة بأن نتوقف عند السيرة الذاتية لأحد المصابين، او معرفة اسماء من انتقلت اليهم العدوى في الصين والهند واستراليا!

* * * * * * * *
النادي او شبه النادي في طريقة التحول ليصبح مافيا، لها صفقاتها ومقايضاتها، والشيفرا الخاصة بأعضائها، وقد يأتي يوم قريب تحكم فيه المافيا قبضتها على صحف وفضائيات ودور نشر، لأنها تصاب بالهلع من أية ريح تهدد نوافذها بالخلع، ومن أية انجازات تشكك في قيمة وصدقية معيارها المتدني والمتواطأ عليه، لكن مثل هذه الحالات لبلابية، ولا تعيش الا اذا كانت متسلقة على جدار او أي شيء آخر، فهي بلا عمود فقري، وبلا مضمون ذاتي، لهذا فمعمرها أقصر بكثير مما يتصور اعضاؤها، ولأن هذا النادي نصف الليلي وربع الثقافي والرهينة الاعلامية لم يعلن بعد رئيس مجلس ادارته او أمينه العام او الخاص بحيث نتوجه اليه بطلب الاعفاء من العضوية حتى لو كانت بالتزكية، فنحن مضطرون الى انتظار ما تبقى من هذه الكوميديا الزرقاء نسبة الى الحبر وليس الى الماء او عيني زرقاء اليمامة. ..
ما يجب وبإلحاح التذكير به في هذا السياق، هو اننا نعيش مرحلة تأدلجت فيها الخرافة، وانعطبت البوصلات كلها، الاخلاقية والسياسية والثقافية ولم تسلم حتى البوصلة التربوية والوطنية من هذا العطب، فلا ندري الى أين نحن متجهون، شرقا ام غربا ام شمالا ام جنوبا أم الى جهة خامسة. لقد كانت التفاهة في كل الأزمنة عرضا جانبيا محتملا للحضارات، وهامشا ضئيلا غير فاعل واحيانا كان الناس بحاجة اليها لكي يتأكدوا من نقيضها باعتبارها وسيلة ايضاح لا أكثر، لكنها الآن تلعب دور البطولة في السينما والمسرح والأدب والنقد والغناء واسواق المال والحراك السياسي المتلفز الطافي على السطح. لقد قال اسلافنا بحكمة تقطرت من الحنظل وليس من الياسمين او البرتقال لا خير في قوم اذا جهّالهم سادوا، وحسب حكاية شعبية بالغة الدلالة وقابلة للتأويل البشري، فإن الاسد قرر مغادرة الغابة لأن الكلب قيّده بعد ان خدعه، والقرد فك قيده وحرره، وقال ان عالما تربط فيه الكلاب وتحل القردة لا يعاش فيه.
ومنذ طفولتنا كنا نلهو بقافلة من الخشب، لجمال مربوطة الى بعضها بالسلاسل ويقودها حمار صغير، ونسأل البالغين عن سرّ هذه الاحجية لكننا لا نظفر بإجابة، ثم ادركنا الدلالة التي تتجلى في نظم حكم ومعادلات مقلوبة.
عشر مجلات ذات أغلفة صقيلة تنزلق عنها العين ومثلها من الكتب بينها روايتان او ثلاث نرتطم بها في مدخل المول والحانوت وصالات المطار وواجهات اكشاك الكتب وعلى الأرصفة، وتسعون بالمئة على الأقل من الحوارات تتم مع هذه اليعاسيب التي تروي مغامراتها في افراز العسل.. رغم ان دورها، إن كان لها دور، ينتهي عند تلك العملية الانتحارية الخرقاء. ..
التخارج الآن كنقيض للتقاطع او التداخل هو سمة الظواهر الاكثر رواجا وسيادة في حياتنا، فالكتب ليست للقراءة، والديموقراطية ليست لتداول السلطة، والجامعات لتفقيس الموظفين، وكلام المجتمع المدني كومبرادور ما بعد الحداثة الذي يتعاطى اجرا سخيا على التزييف والبَدْوَنة باسم التمدين.
سنقول اخيرا بل اوّلا ً وقبل ان تلامس اصابعنا الوتر، أن من يصابون بضيق التنفس بسبب طرح قضايا من هذا النمط هم المبتلون الذين استتروا، والمنبتّون الذين لا ثقافة قطعوا ولا خجلاً أبقوا.

Saturday, August 22, 2009

العصاميّ الذي صافح نفسه ! - خيري منصور - القدس العربي


انه ليس بطلا روائيا على غرار العصامي اوجينيه في رواية 'الغثيان' لسارتر، وهو ليس النقيض التربوي للعظامي في أدبياتنا الاجتماعية التي انفصلت وانقطعت عن الحراك الفعلي للواقع، وادرجت في متحف المواعظ، هذا العصامي هو المثقف العربي ما قبل الاخير، لأنه في اقاصي العزلة يقبض على الجمرة باللسان، ولو اتيح له ان يفعل ما فعله الإله اندره في الاسطورة لاختفى في ساق زهرة اللوتس، ما دام الشيطان قد امتلك القوة كلها وحكم العالم، واذا كان صعلوك الامس قد تقاعد بعد أن سحبت الصحراء من تحت قدميه، فإن حفيده المعاصر يعيش غربة مزدوجة وله منفَيان، أحدهما التاريخ والآخر هو نفسه، بعد ان شطرته الشيزوفرينيا الى شاهد وشهيد، فلا هو هنا ولا هو هناك، انه المنبتّ الحديث الذي لا ثقافة قطع ولا جسدا أبقى، فالانسان البدائي، يملك جسده على الاقل، ويتعامل مع الكون بحواسه المشحوذة اليقظة، لكن هذا العصامي يقتاده جسده كما تفعل القطط وهي تدنو من شقوق الابواب لتلوذ بما يتسرب من هواء بارد في عزّ القيظ .
ان العصامي الذي لا يعثر على يد ثالثة يصافح بها نفسه يضطر الى ان يبدو كما لو كان يصفق، لأن مصافحة الذات متعذّرة، تماما كما هو تقبيل الذات متعذّر ايضا، فالآخر هنا ضرورة حتى لو كان جحيما، اننا نضطر الى ابتكاره عندما يغيب، لكن المثقف الأعزل الا من حلم غير قابل للتحقق، يصبح احيانا كبطل الاسطورة المعلق بين الارض والسماء، شفتاه مشققتان من الظمأ، ويقرض باطن خديه من الجوع، بينما تدنو منه العناقيد لتنأى وكلما اقترب من الماء وأوشك على ملامسته بشفتيه نأى ايضا، واذا كانت النصوص الادبية في احد ابعادها وثائق تاريخية ووجدانية، فإن بامكان اي مؤرخ قادم ان يفعل ما فعله ذلك الناقد المكسيكي عندما استخلص تاريخ حقبة من بلاده من خلال نصوص ادبية، وهذا ايضاً ما فعله الشاعر الامريكي كيمنغز عندما اصر على كتابة اسمه بحروف صغيرة ، كي ينبىء من سوف يقرأونه ذات يوم بأنه انسان صغير عاش في زمن صغير، او عصر الترانزستور كما سماه ويلهالم رايش الذي عوقب من الاشتراكيين والرأسماليين معا، لأنه تخطى قشرة الايديولوجيا وبلغ النخاع .

' ' '

كان امام العصامي ان يبحث عن احتياطياته الاستراتيجية في ذاكرته وموروثه، او في الناس الذين حذفتهم الدولة المستبدة من اقانيمها، وأنابت سماسرتها عنهم، لكنه شعر بالخذلان، لأن استلاب الوعي لدى الناس حوّلهم الى امعاء تسعى كالثعابين، وان كانت لا تفرغ سمها الا في جسدها، ونادرا ما يعترف العصامي بهذا الخذلان والاغتراب، لأنه يعاني ايضا من استلاب في الوعي يجعله بالغ الحذر من إدانة الناس من حوله ما داموا هم كل ما تبقى، ان هذا التواطؤ بين المثقف في اقصى العزلة والناس في ذروة الانهماك بما هو ضـروري وأولي يعمّق الفجوة، ويفاقم سوء التفاهم، بحيث لا تسمى الاشياء بأسمائها، ذلك ببساطة لأن من يعملون لحساب سادة الفقر والعنف والاستبداد ليسوا كائنات هبطت من كواكب اخرى، او خرجوا من صندوق باندورا اليوناني المليء بالشرور، انهم من هذه الارض، ومن ذوي العصامي المخذول وجيرانه وأصهاره وزملائه .
وكم يبدو الجدار العازل بين نظام سياسي عربي رسمي وآخر شعبي مثيرا للسخرية، اذا عرفنا بأن الاثنين هما توأما ثقافة وأعراف وتقاليد واحدة، وهذا ما يفسر السرعة القياسية التي تعود لها المعارضات الى الاستبداد ذاته عندما تصل الى الحكم، لهذا لا سبيل الى خلق توازن وهمي بتبرئة التخلف من حصته في تبرير الاستبداد، وادامة عمــر النظم الباترياركية التي تجسده، وتحرم القاصرين من حق الفطام .
ان كثيرا من التشخيصات والاجابات على اسئلة مزمنة تبدو عديمة الجدوى، وعقيمة، لأن الخلل كما يقول التوسير يكون احيانا في الصياغة الخاطئة للأسئلة، ولو أخذنا التخلف مثالا قدر تعلقه بعالمنا العربي فإن ما يغذيه ويدفعه الى الامام مدججا بقوة لا تقاوم هو جملة من الأعراف والتقاليد والمفاهيم السائدة والتي تستخدمها الدولة الاستبدادية باستثمار ذكي وبلا حدود لإدامة بقائها وتبريره، وقد يكون ما ترسب في اللاوعي الجمعي من المخاوف والحـــذر والاحتراز من التأويل اسباب كافية لغياب الاسئلة الجذرية، واحلال الاجرائي مكان الاستراتيجي، وبالتالي التورط في عقد اجتماعي طويل، فالعرب سياسيا يعيشون ما قبل الماكنـــاغارتا وبالتـــأكيد ما قبل الدولة ايضا، لأن ديناميات الحكم والسيطرة منـــــوطة حتى الان بقــوى تراوح بين الدين والقبيلة، خصوصا في هذه الآونة التي ساد فيها حكم المال، الذي بدأ هذه المرة ينتج القبيلة، والنفوذ ويعوّض عدة مفقودات تقليدية .

' ' '

العصامي مطرود من الجحيم ايضا وليس من الجنة فقط، ولا هامش على الاطلاق للمراوحة في منطقة الاعراف حسب ادبياتنا او ما يسميه دانتي الليمبو، وهذا النمط الجديد من المنفى يتجاوز الجغرافيا والتاريخ معا، ويقترب من الميتافيزيقا، لأن هذا المطرود يضطر احيانا للهبوط الى العالم السفلي، او للتماوت على طريقة البعير كي ينجو، وبالرغم من ذلك فهو لا ينجو، لأن العقاب يشمل النوايا، وثمة محترفون لترجمة الصمت بحيث يحولونه الى نص بليغ في المعارضة، والعصيان، ان ثقافة موشومة بالوشاية منذ بواكيرها لا تطيق البطالة عن فقه الاستعداء وتحويل النّميمة خصوصا في بعدها السياسي الى نمط انتاج، وما قاله هربرت ريد عن التحالف الاستراتيجي بل الأزلي بين المثقف المرتهن والقارىء الاعمى يقبل التأويل الى تحالف من الطراز ذاته بين الدولة المهجوسة بالبحث عن شرعية استمرارها وبين المثقف الذي يعاني من عقدة اللااستحقاق، والذي يستكثر على نفسه اي شيء، لهذا فهو مستعد لأن يسبق الحرامي كما يقال في امثالنا الشعبية لإرضاء وليّ النعمة بالنسبة اليه، وولي النقمة بالنسبة لسواه. اننا جميعا نراوح بين سؤال ناقص واجابة مبهمة والمريض العربي المسجى الآن تعالج اورامه بكمادات الماء البارد، وما كان حتى الامس مجرد حمّى تحول الى التهاب سحايا... والاستخفاف على اشده بكل شيء، حتى من قبل هؤلاء الذين انتدبوا انفسهم ناطقين رسميين باسم الشقاء القومي، ومن لم يشهدوا الطائرة لحظة الاقلاع، عبثا نطالبهم بأن يتابعوا حجمها الصغير وهي تختفي وراء الغيوم، وما اقلاع الطائرة وفق هذا المفهوم الا جذر المسألة كلّها، سواء كان هاجعا في تربويات كيدية ملغومة بثقافة التنابذ والاقصاء المتبادل او في شكل السلطة التي تجد من شهود الزور ما يكفي لأن يكون الزواج شرعيا، ليس بين بطلي رواية او فيلم على غرار شيء من الخوف فقط بل بين سلطة ذكورية وشعب يصطبغ بصفات انثوية، فهو الزوجة التي تعاد الى بيت الطاعة بالقوة وهو ايضا الغنيمة لمن يسبق ويسطو على مصيره وقراره .

' ' '

ثمة لحظات تنتاب الانسان يود فيها لو انه اثنان هذا على الاقل ما قاله جان جويو وهو يكتب عن المثقف الذي ينوء بعزلته، وقد تسقط عليه فكرة كالرؤيا يزوغ معها بصره، هذا الكائن الذي يحتاج الى مجدافين وهو يعبر النهر الصّعب، يضطر احيانا الى تقبيل ذاته او مصافحتها، وقد يتزوج نفسه اذا استبدت به الوحشة، لا بالمعنى الجنسوي الساذج الذي يتبادر الى الذهن في مثل هذه الحالات، بل بالمعنى الميتافيزيقي العالي، ما دام الانسان الفاني والعابر بجسده، هو ايضا الأبدي والباقي لهذا لا نبرىء معظم من درسوا الصوفية من القصور، عندما عزلوها عن السياسة، مثلما عزل دارسو الحب العذري عن السياسة ايضا، والتهميش الاجتماعي، الى ان فتح الباحث الاجتماعي الطاهر لبيب أفقا في هذا السياق .
وانني لأتساءل احيانا عن سرّ الانقلاب في حياة مثقفين وناشطين من العرب بحيث يميلون الى الزهد وينكفئون داخل شرانقهم في النهايات... ما الذي يصاب به هؤلاء؟ هل هو اليأس الذي يتحول الى قنوط وبالتالي استقالة شاملة من التاريخ ! ولدينا من أمثولات التخلي والخذلان والردّة ما يكفي لأن نجد تفسيرا لهذه الظاهرة ليس بمعنى ان لنا كعرب طبيعة من طراز غير بشري، كما قال بعض المستشرقين ومنهم طومسون الذي وصف العقل العربي بثمرة الصّبير ورينان الذي صنّف العقل العربي بأنه ما قبل منطقي، ولكن بمعنى سايكولوجي محض، فالافراط في العسف والاستبداد يشلّ الارادة الانسانية، وقد يحول الضحية الى مريض بالماسوشية يستمرىء الألم والاضطهاد، ولا يعيش من دونهما .

' ' '

ان العصامي يقف الآن بين ارهابَيْن، وطاغيتين أحدهما سلطوي مسلح له قوة المحتل او لم يكن اسمه، والآخر تخلف مدجج بأعراف تتفوق على القوانين، والرّوم الذين يقفون خلف الروم كما قال المتنبي هم الآن من صلب هذه الضحية الخرساء، التي تتطوّع بصمتها لكي تصبح جريمة الاجهاز عليها كاملة وبلا شهود او نقصان !

Monday, August 17, 2009

النخب أمام تحديات النهوض - هيثم مناع - الجزيرة نت


ما هي النخبة، وما هي علاقتها بقضايا الناس والأمة، وهل من معنى لديها لكلمات مثل التنمية والتنوير ونهضة الأمة؟ بل لنقل هل يوجد إجماع نخبوي على تعريف النخبة وقضايا الأمة؟ بقدر ما يبدو هذا السؤال سهلا، بقدر ما هو معقد وشائك ومتعدد القراءات.

خلال عقود طويلة كان تعريف النخبة نفسه موضوع ازدراء ورفض من قبل الفكر الماركسي الذي آثر عليه مصطلحات أخرى مثل: "الطليعة" في التراث اللينيني، و"المثقف العضوي" عند أنطونيو غرامشي. أما الفضاء الفكري المتسع بين ما عرف بالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والديمقراطية المسيحية، فقد استعمل بأريحية كلمة المثقف للدلالة على النخبة بالمعنى الواسع. في حين استعاد الفكر الإسلامي السياسي منذ المودودي فكرة الدعاة، للتعبير عن "المثقفين المجهزين المدربين الأخصائيين" كما يصفهم حسن البنا. "النخبة المؤمنة الملتزمة بالإسلام نظاما وإماما ودينا ودولة".

"جميع البشر مثقفون"، يقول غرامشي، " إلا أن جميع البشر لا يمارسون وظيفة المثقف في المجتمع" ، يضيف في "دفاتر السجن". المثقف هو أداة التراضي "العفوي" وضمانة الطاعة الشرعية للجماعة السائدة، والخارج عن هذه القاعدة هو المثقف العضوي، أي المثقف الملتزم المدرّب والمناضل.

عند فرانسوا شاتليه "المثقف الكبير" و"النخبة الفاعلة" هما ضمن التعريف الذي يخرج منه صغار المثقفين والمثقفين الهزل والعديمي الدور، ويطالب الفيلسوف الفرنسي بحد أدنى من الوجود، الحافز، الحرية، المسؤولية.

ينوه كارل منهايم إلى الطبيعة الاعتباطية لتعريف المثقف وضبابية الحديث في النخب، مركزا على ضرورة أخذ الواقع التاريخي والاجتماعي بعين الاعتبار، جاذبا بمأثورة ألفرد فيبر "الإنتلجنتسيا غير المرتبطة اجتماعيا" إلى واقعتي الزمان والمكان.

"المعرفي الأميركي الذي يعمل في إطار الطاقة الذرية ليس مثقفا، يقول سارتر.. وإنما تقني للمعرفة العلمية، وهو يصبح مثقفا عندما يطرح على نفسه السؤال حول أهمية القنبلة الذرية وينتهي باستنكار ما يعمل".

في الكتاب الجماعي "مجرمو السلم"، يتخطى سارتر ازدواجيته الدائمة بين مثقف متأقلم مع السلطة ومثقف خارجي ضمن منظومة السلطة، منضما إلى روزا لوكسمبورغ حيث يقول: "في الأصل، المثقف هو إنتاج للمؤسسة البرجوازية، لكن عندما ينجح في القبض على تناقضاته بقوة، لا يبقى أمامه سوى حل واحد، أن يلقي بنفسه في اللا شرعية، وهذا يعني في الآخرين، أن يلقي بنفسه في حالة رفضٍ واحتجاجٍ لكلية المجتمع الذي كوّنه، وهذا يفترض أن يناضل من أجل مجتمع لا يوجد فيه المثقف"، أي مجتمع كل إنسان فيه مثقف.

مهما كان تعريف النخبة أو المثقف يوحي بالعالمية، فإنه كان في معظم القراءات إيديولوجي الطابع، ولا يخلو بالتالي من ثنائية النحن والآخر، وفي حالات كثيرة، من استئصال تلقائي للواقعين خارج المنظومة الفكرية لصاحب التعريف. ولعل من الضروري التأكيد على أن هذا "الترف" غير مسموح به في بلدان الجنوب التي تعيش بالأساس أزمة في إنتاج النخب واندماجها في عملية التنوير والتغيير، خاصة في مجتمعات تمارس بسهولة رياضة التخوين والتكفير.

إن التتبع الميداني والمعرفي لموضوع النخبة يظهر بوضوح أنه لا مجال لتعميم تعريف تحليلي صالح لكل زمان ومكان. فهناك مراحل تاريخية كانت النخب فيها تلعب دورا كبيرا في وعي قضايا المواطن والمجتمع والأمة في مجتمعات محددة. ولم يكن ذلك مرتبطا بالضرورة بمجموع الشبكة الاجتماعية التي تشملها هذه الكلمة بأكثر تعريفاتها عملية، بل غالبا بالمنسلخين اجتماعيا وسلطويا عن هذا الوضع. أي ليس بمن يفكر بالثقافة كمشروع سلطة، بل بإدراك دوره النقدي كسلطة مضادة بامتياز. وهنا محك العلاقة بين النخبة والمجتمع، بين المثقف والمشروع الحضاري لمجتمعه.

فالشبكة الاجتماعية التي تشملها كلمة النخبة تعطي بخصبها للسلبي والإيجابي، المؤثر والمتأثر والقامع والمقموع، حيث من الصعب فصلها عن المجتمع الموجودة فيه. إلا أن لكل واحد من أفراد هذه الشبكة موقعا وموقفا. فالصمت موقف والتأييد موقف والشجب موقف، وليس ثمة حياد ضمن قواعد المجتمع المشهدي لهذا الموقف، لكونه يوظف كصاحبه. بل يمكن للمثقف أن يلعب دور "المتسلط الثقافي" في مؤازرة "المتسلط الأمني". وقد أدركت الجماعات الحاكمة أن بالإمكان جعل النخب سلطة في السلطة وللسلطة وأعطتها هذا الدور.

كل معركة ثقافية وحضارية تفتح ملف النخبة ودورها من جديد، وكل تحّول يضع هذه القضية في معمعان الأحداث. فربط هذه الكلمة، حقا أو باطلا، بالأكثر نضجا وإدراكا ومعرفة بالذات والواقع وسبل الإصلاح، يجعل الأنظار تتوجه إلى رموزها كلما وقع طارئ يمزق روتين الحياة اليومية.

ففي مجتمع يبلغ فيه التفريد درجة من الضعف لا يحسد عليها، تتوجه الأنظار إلى كل كادر أثبت جدارته في ميدان ما، ولو كان هذا الميدان خارج الشأن العام، ليكون لسان حال الأفراد المضطرين للسكوت. وإلا ما هو معنى توريط النخب، بالمعنى الواسع للكلمة، في وضع حدٍ لانسدادٍ سياسي أو استعصاءٍ اجتماعي بما يسمى "حكومات التكنوقراط"؟

شاءت أم أبت، النخب الفكرية في بلدان الجنوب، منذ النديم والكواكبي وعبده والأفغاني وشبلي شميل وحسن البنا، تتحدث باعتبارها ملتزمة، أو لنقل مكلفة برسالة. الأمر الذي لا يعني بالضرورة قيامها بها أو استجابتها للحاجات الفعلية والجوهرية لمجتمعاتها. من هنا ضرورة الانتقال إلى الواقع ونقده للخروج من الرغبة الشاعرية بتناول هذه الظاهرة.

لقد ارتبطت ظاهرة النخب والأطر في الأزمنة العربية المعاصرة بواقعتين جديرتين بالاهتمام:

الأولى، هي الخناق الذي تعيشه الفئات التعليمية والتثقيفية والتقنية في المجتمع، أكان ذاتيا بتكوينها المعتمد على إعادة إنتاج المؤسسة الثقافية الغربية بدلا من ابتكار الأنموذج القادر على استلهام التجربة الغربية والاستجابة للاحتياجات المحلية، أو موضوعيا بعلاقة التبعية لهذه المؤسسة بالسلطة الحاكمة في غياب فكرة الدولة الحامية لمواطنيها والمعبرة عن الجسم المجتمعي. الأمر الذي حدد فعالية دخول المؤسسة التعليمية والجامعية في المجتمعات العربية، وحجّم دور الفئات الجديدة في التنوير والتغيير، وأبقى للتعبيرات التاريخية المهيمنة للثقافة دورا فاعلا في قطاعات شعبية واسعة.

أما الثانية، فتتمثل في الدخول الكثيف لجمهور واسع يبحث عن لقب أو مهنة في نادي المثقفين أو العلماء أو المجتمع المدني أو غيرها من الكلمات التي احتفظت بشيء من الرونق، وإمكانية الخوض في مشاريع ذات علاقة بالسلطة الاجتماعية أو السياسية أو المالية. فيما جعل تبني اللقب يتم في نطاق البحث عن دور أكثر منه عبر بلورة مواقف. دور مرتبط بمفهوم المصلحة الذاتية أيضا أكثر من ارتباطه بالمشاركة والمصلحة العامة. الأمر الذي تمثل على أرض الواقع في الثلاثين عاما الأخيرة في فئتين متداخلتين تغطيان فضاء النخب:

1 – النخبة التقنية، وهي تشمل شرائح اجتماعية معينة تغطيها عموما عباءة الطبقات الوسطى وتنفرز حسب طبيعتها المهنية إلى الإنتلجنتسيا التقنية والمثقفين. باستعمال تعبيري غولدنر، يشمل القسم الأول جموع الكوادر العلمية والتقنية، والثاني جملة العاملين في الميادين الثقافية والعلوم الإنسانية ومجالات الكتابة المختلفة كمحترفين. هذه النخبة التقنية تفوق في حقبتنا الراهنة مشكلاتها الذاتية هموم الأمة الموضوعية وتطرح أسئلة من نمط الاستحقاق المهني وسلم الأداء والاختصاص وتحسين الوضع المادي.. وهي شئنا أم أبينا مصنفة من قبل الجمهور والعامة بالنخبة.

2- قطاع المشاركة: إننا هنا أمام مجموعة انخرطت في العمل العام المدني والسياسي والثقافي، وتتصدى لدور وموقف كقوة اقتراح، كما تحمل منذ عقدين من الزمان، إلى جانب تعريف المثقف، مصطلحا آخر في حالة تضخم هو المجتمع المدني.. بالإمكان تتبع هذه الظاهرة عبر عودة بسيطة بل مبسطة إلى تعريف سولجنتسين "الإنتلجنتسيا هي مجموع الذين يلقبون أنفسهم بالمثقفين".

لقد ولدت معظم حركات الإصلاح والتغيير السياسي وحقوق الإنسان والشعوب، بتعبيراتها الفكرية والتنظيمية، في حضن النخب. وليس من الغريب أن يغادر صفوفها العديد من هؤلاء للالتحاق بمنصب حكومي. فالحدود بين السلطة والسلطة المضادة، الفكر السائد والفكر النقدي، ليست واضحة في الوعي العام. كما أنه ما زالت التعبيرات المستقلة عن السلطات الحديثة العهد في التكوين المجتمعي والثقافي، مثلما يلخص ابن خلدون، في ذهن الأغلبية، "السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره".

لقد انتهى القرن العشرين وما زالت قضايا أساسية للأمة مثل: مفهوم المواطنة، والدولة التعاقدية، والهوية السياسية والثقافية للأمة، والتكتل الاقتصادي والثقافي لحماية الوجود المادي للناس في عالم غير متكافئ ينهب فيه القوي الضعيف، إضافة لموضوعات تعزز الوحدة والنسيج المجتمعي، مثل الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، ما زالت قضايا كهذه تعيش حالة وعي جنيني وهلامي، بل وصراعي في صفوف النخب يتعزز في النضال اليومي والمقاومة اليومية.

في حين أنها في بلدان الشمال، حيث كانت ابنة صراعات مجتمعية وثقافية، أنجزت دورها المحلي والمباشر، وإن لم تحقق بعد النقلة من الوعي المدني المحلي إلى الأفق الأممي والنظرة العالمية. ففي مدينة فرنسية صغيرة تعدادها سبعة آلاف مواطن، لا نستغرب وجود أكثر من مائة جمعية يتنوع اختصاصها من تحسين البيئة وتطوير الأبحاث ضد السرطان ومقاومة الفساد إلى مراقبة أداء البلدية وصولا لدور البلد في البناء الأوروبي.. في حين تنتظر بعض الجمعيات في عدة بلدان عربية خمسة عشر عاما لتنال ترخيصا بالعمل.

إن الغيرة على دور تنويري تاريخي هي نقطة اللقاء الأساسية بين المدافع عن الكرامة الإنسانية والمثقف النقدي والمفكر السياسي. فكل من هؤلاء يعيش هاجس الانعتاق من أربعة جدران: سجن الماضي، وقيود العرف الاجتماعي، وعسف السلطة، وهيمنة الغرب. الرباعية البائسة الكافية لأن تصبح غالبية النخب طرفا في ثقافة الخوف، وأن يدخل في دمها فيروس الإرضاء والمراضاة.

لعلنا نعيش اليوم نهاية حقبة نزيف الأدمغة من المحيط إلى دول المركز، في ظل الإنتاج الواسع والفائض عن الحاجة للنخب في دول الشمال. الأمر الذي يضطر النخب الصاعدة للتفكير أكثر فأكثر في دور ومكان في مجتمعاتها. فقد فتحت العولمة الخبيثة الحدود للبضائع والأموال، وقيدتها في كل ما يتعلق بحركة البشر.

ربما كان من الممكن للنخب في نصف القرن المنصرم، ممارسة استقالة ذاتية بعدم التصدي لمهمة التوعية المجتمعية أو تقديم تقييم ووصف دقيق للواقع. لكن عدم المشاركة اليوم في الهم الجماعي، ينعكس بالضرورة على ظروف الحياة الذاتية والوجود الموضوعي للنخبة. لأن العالم بات حالة تداخل شاملة في كل المظاهر، تداخل بين الخاص والعام، بين الذاتي والموضوعي، بين الوطني والإقليمي والدولي، بين الخصوصيات الثقافية والمشتركات العالمية.. هذا التداخل يجعل دخول النخب حيز المشاركة العامة والانخراط في هموم المجتمع ومستقبل الأمة، تعبيرا عن حالة وعي متقدمة للمصالح الذاتية، وليس فقط عن تضحية من أجل الآخرين.

فالثمن الذي تدفعه المجتمعات ذات النخب الهزيلة يشمل كل مكونات الفضاء الجغرافي لها، أي الدولة والمجتمع، الأفراد والجماعات، ومستقبل الأجيال القادمة. من هنا يشكل الالتزام، بالمعنى النبيل للكلمة اليوم، ليس فقط انخراطا في قضايا الأمة كمشروع كبير، وإنما أيضا حالة متقدمة للدفاع عن الذات.

تصبح عودة النخب للتاريخ مفعّلة عندما تخوض النخب في القول والفعل، ومن داخل الإنسانية الواعية، عملية صناعة إرادة الأشخاص الأحرار الذين يستعيدون اكتشاف عهد الذمة في الذمة العامة. أي يحققون النقلة الفكرية من الخليفة السيد إلى المواطن السيد. المواطن المدرك لحق وواجب حفظ النفس والجسد والتعلم، حرية الرأي والمعتقد، والمساواة أمام القانون.

وجود النخبة القادرة على خوض معركة التنوير هذه، يمكن أن يعيد لجملة تيودور أدورنو راهنيتها: "طالما استمر التكوين المتصارع للمجموع، وطالما أن الأفراد ليسوا عبيدا للمجتمع، بل عناصر فعالة ترغب اليوم في القضاء على ما يحط من كرامتها عن طريق فكرة "الدور"، فإن التاريخ لا يهدأ أبدا".


Thursday, August 13, 2009

الأستاذية الحقة - جابر عصفور