Monday, April 14, 2014

العرب في الحرب - الفعالية العسكرية للجيوش العربية بين عامي 1948 و 1991 - الجيش العربي اﻷردني - 6 - حرب عام 1973

عندما شنت مصر و سوريا هجومهما المفاجئ المشترك على اسرائيل في السادس من اكتوبر عام 1973، و جد اﻷردن نفسه في موقف محرج: فمن جهة، لم تكن لعمان الرغبة في استفزاز اسرائيل بشكل غير ضروري. و قد ادرك اﻷردنيون التفوق العسكري اﻹسرائيلي و لم يكن لهم رغبة في تكرار ما حصل عام 1967. اضافة لذلك، فمنذ احداث عام 1970، فقد طور اﻷردن و اسرائيل علاقة تشاركية لم يرغب اي من الطرفين في تعطيلها. فقد دعم اﻹسرائيليون ملك اﻷردن عام 1970 عن طريق التهديد بالتدخل في الحرب ضد السوريين و هو ما ادى لتراجع السوريين عن تطوير هجومهم بعد 22 سبتمبر. و قد استفاد الطرفان من هذا السلام بعد خروج منظمة التحرير من عمان و لم ترد عمان ارجاع التوتر العسكري. و من الجهة الثانية، احس الملك حسين بالضغط الشعبي و الضغط العربي  ليشارك اﻷردن بقواته مع العرب، و كان من بين الدول العربية الضاغطة من دعم اﻷردن ماليا و عسكريا. و في النهاية، وافق الملك على ارسال قوات للدفاع عن سوريا، و لكن دون ان يهاجم اسرائيل. و باﻹضافة لذلك، ارسل الملك رسالة سرية ﻹسرائيل لتوضيح ان اﻷردن لن يفتح جبهة ثالثة في الحرب.

و بما يشبه السماح الضمني من اسرائيل، ارسلت عمان اللواء 40 المدرع بقيادة العقيد خالد هجهوج المجالي لسوريا يوم 13 اكتوبر. في ذلك الوقت، كان الهجوم السوري على الجولان قد فشل. و كان اﻹسرائيليون قد بدأوا بالهجوم نحو دمشق يوم 11 اكتوبر، و لكن الفرقة الثالثة العراقية المدرعة وصلت يوم 12 اكتوبر و اقتربت من ميمنة الهجوم اﻹسرائيلي المكشوفة، مما اضطر اﻹسرائيليين ﻷخذ المواقع الدفاعية و إيقاف التقدم. و بناء عليه، عندما وصل اﻷردنيون جنوب سوريا ليلة 13-14 اكتوبر كانت الجبهة قد استقرت: فلا تهديد سوري للجولان، و التهديد اﻹسرائيلي على دمشق قد انحسر.

بدايةً، تم وضع اللواء اﻷردني تحت قيادة الفرقة العراقية المدرعة، و التي كانت بدورها تتبع لقيادة اﻷركان السورية. و خلال الأيام التالية، قام السوريون باستخدام هذه القوة المشتركة بهجمات سيئة التخطيط، و بدون دعم مناسب، و بدون تنفيذ مناسب من قبل هذه القوات ضد الجهة الجنوبية من اﻹختراق اﻹسرائيلي. و من الغير واضح اذا كان السوريون يأملون حقا في ان يتمكن العراقيون و اﻷردنيون من دفع اﻹسرائيليين للتراجع، أو انهم ارادوا ان يبقوا اﻹسرائيليين مشغولين و تحت الضغط حتى يتسنى للسوريين اعادة تنظيم قواتهم و تحضيرها. و رغم ان الهجمات العراقية اﻷردنية انتهت كلها للفشل، فإن اﻹسرائيليين لم يجددوا هجومهم نحو دمشق. و تمكن السوريون من اعادة تنظيم قواتهم و تسليحها بما احضره الروس من سلاح عبر البحر.

تم الهجوم العراقي الأردني المشترك اﻷول يوم 16 اكتوبر. كانت الخطة ان يهاجم اللواء 40 المدرع اﻷرني و اللواء 6 المدرع العراقي بالتزامن على الجيب اﻹسرائيلي من الجهة الجنوبية. و قد كان للاسرائيليين "عقدة" من 4 الوية مدرعة خاضت القتال من اول الحرب ووصل مجموع دباباتها 130 دبابة فقط. و كانت هذه الدبابات متوزعة على مجموعة تلال شرق القنيطرة. و كانت الخطة ان يدفع اﻹردنيون اﻹسرائيليين من تل المال شمالا لقطع طريق دمشق القنيطرة. و تم تخطيط الهجوم ليبدأ بالتزامن فجرا. لكن العراقيين لم يستطيعوا تنظيم قواتهم ليبدأ في ذلك الوقت. و بدل ان ينتظر اﻷردنيون العراقيين ليتم الهجوم بالتزامن،  قرر العقيد المجالي ان يحافظ على التوقيت اﻷصلي و ان يهاجم وحده! قام اللواء 40 بهجوم بالتعرض المباشر باستخدام 80 دبابة سنتوريون و 40-50 مدرعة M113، و باسناد مدفعي عراقي و سوري و باسناد من قاذفات صواريخ اردنية ضد اللواء 17 المدرع اﻹسرائيلي (و الذي بقى له 30 دبابة فقط) في تل المال. و كان اﻹسرائيليون قد رصدوا الحشود العراقية شرق مواقع اﻷردنيين، و توجهت معظم تشكيلات العقدة اﻹسرائيلية نحو المواقع العراقية تحسبا. و بسبب كون اﻷردنيين قد هجموا لوحدهم، فقد قرر القائد اﻹسرائيلي توجيه كتائب اخرى لتعزيز تل المال. تقدم اﻷردنيون ببطء نحو التل، و عمد اﻹسرائيليون لتثبيتهم بالضرب المدفعي بعيد المدى (اضافة للمدفعية العراقية التي ضربت اﻷردنيين بالخطأ) و بعدها تحركت قوات لوائين اسرائيليين لعمل احاطة مزدوجة من جانبي القوات اﻷردنية  المهاجمة. و تم حصار القوة اﻷردنية المهاجمة من 3 جهات ب 60-70 دبابة سنتوريون اسرائيلية و بدأت الخسائر الأردنية تزداد. حارب اﻷردنيون بشكل جيد كدبابات منفصلة، لكن المشاة الأردنيين لم يساهموا في المعركة بشكل فعال و لم يمكن توجيه القوات كمجموعة لعمل رد فعل مدروس للمناورة اﻹسرائيلية. و في النهاية تراجع اﻷردنيون بعد تدمير 28 دبابة بدون اي اضرار مهمة للاسرائيليين.

عندما قام العراقيون اخيرا بهجومهم صباح يوم 16 اكتوبر، كان اﻹسرائيليون قادرين على توجيه كل قوات عقدتهم ضدهم. و مع انتهاء التهديدي اﻷردني غربا، ارسلت قيادة العقدة اللواء 17 المدرع جنوبا و من ثم التف اللواء شرقا للهجوم على الجناح العراقي. و قد ضرب العراقيون بقوة و خسروا 60 دبابة من اصل 130.

بعد الهجوم يوم 16، انسحب اﻷردنيون لتصليح اﻷضرار و لتعويض الخسائر. و قد تركهم اﻹسرائيليون يومي 17 و 18 بسبب المشاغلة العراقية و السورية عن طريق المدفعية. اصلح اﻷردنيون ما امكن اصلاحه و احضروا تعزيزات لتعويض الخسائر. و طلب اﻷردنيون تغييرا في سلم القيادة، حيث لم يرغب اﻷردنيون في بقاء اللواء تحت قيادة الفرقة العراقية. حيث ان تأخر العراقيين في التحضير للهجوم، و ضرب المدفعية العراقية للمواقع اﻷردنية اثناء الهجوم اصاب اﻷردنيين بالضيق. و تم الحاق القوات اﻷردنية بالفرقة 5 مشاة السورية. و بعد كارثة الهجوم اﻷول، قرر الملك ارسال اللواء 92 مدرع لينضم للواء 40.

عاد اﻹردنيون للقتال يوم 19 اكتوبر. حيث خطط السوريون لهجوم جديد يتقدم فيه اللواء 40 كجناح ايسر للهجوم على الموقع اﻹسرائيلي شرق القنطرة. و مرة اخرى سيكون العراقيون هم الجناح اﻷيمن بينما تكون فرقة المشاة السورية (و التي ضربت بقوة في الحرب) احتياط لتعزيز الهجوم في حال نجاحه. لم يكن اللواء 92 قد وصل بعد، و بالتالي كان عاتق الهجوم يقع على اللواء 40 و الذي لم يعوض كل خسائره من الهجوم الأول (كان يملك 60 دبابة).

الهجوم العربي فشل مرة اخرى. و لكن ليس بسوء ما حصل في يوم 16. مرة اخرى، تم تخطيط الهجوم ليبدأ فجرا، و لكن هذه المرة لم يقم اﻷردنيون بالهجوم في الوقت المحدد! و بالتالي ركز اﻹسرائيليون كل قوتهم ضد الهجوم العراقي و تم ضرب الهجوم العراقي بقوة. تحرك اللواء 40 في حدود الساعة 9 صباحا بينما كان اﻹسرائيليون لا يزالوا مشغولين مع العراقيين، و بالتالي واجه اﻷردنيون اللواء 19 مدرع اﻹسرائيلي (و الذي كان بقي له 30-40 دبابة). قسم المجالي قواته لكتيبتين، و ارسل كل واحدة من جهة لتحيط بتل الحارة و ابقى المشاة الميكانيك كاحتياط. و اعطى المجالي صلاحيات ادارة المعركة لقادة الكتائب دون اي توجيهات اخرى.

كلا الكتيبتين ادت بشكل ضعيف. لكن هذه المرة - و بسبب دروس المعركة اﻷولى - كانوا حذرين جدا في التقدم و لم يتم ضربهم بقوة مثلما حصل المرة السابقة. الكتيبة الغربية وصلت لغاية طريق ام باطنه-جبه بسبب ان الكتيبة اﻹسرائيلية في ام باطنة ظنوهم اسرائيليين (بسبب تشابه المعدات) . و بمجرد ان ظهر الخطأ فتح اﻹسرائيليون النار، و قاتل اﻷردنيون بشكل جيد كدبابات منفردة و لكنهم لم يكونوا بقدرة اﻹسرائيليين و لم يكونوا جيدين كسرايا و ككتيبة. و بدا اﻷردنيون يخسرون الدبابات بسرعة اﻷمر الذي اوجب فصل اﻹشتباك و اﻹنسحاب. بينما تقدمت الكتيبة الشرقية بحذر شديد و وضعت قوات كشف في المقدمة و على اﻷجنحة حتى يمنعوا اﻹسرائيليين من تطويقهم كما حصل يوم 16. و لكن بعد اجبار الكتيبة الغربية على اﻹنسحاب، ركز اﻹسرائيليون كامل قوة لوائهم على الكتيبة الشرقية. و تم تثبيت اﻷردنيين من المقدمة و محاولة تطويقهم من الجانبين مثلما خشي اﻷردنيون، و بمجرد ان شعر اﻷردنيون بالكمين، انسحبوا بسرعة. و اثناء القتال لم تقم كتيبة المشاة الميكانيكية بغير اعمال ثانوية مثل اخلاء الجرحى دون اﻹشتراك في المعارك الفعلية ذلك اليوم. و في الحصيلة، خسر اﻷردنيون بين 17-20 دبابة مقارنة ب 4-5 دبابات اسرائيلية.

لم يشترك اﻷردنيون بعدها بأعمال قتالية بعدها على مستوى اعلى من اعمال القنص و التحرش الناري، و لم يدخل اللواء 92 في الحرب بصورة فعلية حتى توقف اطلاق النار يوم 24 اكتوبر. و كانت مجمل الخسائر اﻷردنية حوالي 54 دبابة و حوالي 80 قتيل.

الفعالية اﻷردنية خلال حرب اكتوبر

في عام 1973، ارسل اﻷردن فقط عينة من قواته للمشاركة في الحرب ضد اسرائيل، و كان ذلك فقط للدفاع عن سوريا. كان اﻷردنيون هناك فقط من باب المشاركة و كان اجتهادهم في الحرب ليس على الوجه الكامل. و بالتالي يجب الحذر من عمل استنتاجات كبيرة على اﻷداء اﻷردني في تلك الحرب. عموما، ادى اﻷردنيون كأفراد و اطقم افضل من غيرهم من الجيوش العربية، لكنهم لم يكونوا على مستوى كاف لهزيمة اﻹسرائيليين. و في كل مرة  تواجه الطرفان، لم يواجه اﻹسرائيليون صعوبة كبيرة في دحر اﻷردنيين.

العقيد المجالي و قادة الكتائب كانوا سيئين لعدة اسباب: اولا، المجالي لم يبدو انه فهم حقيقة ارسال اﻷردن لقواته للجبهة السورية. فعمان لم ترد ﻷفضل لواء في الجيش اﻷردني ان يتم تدميره من قبل اﻹسرائيليين، بل ارادوا ان يشارك اللواء في اﻷعمال الدفاعية عن القطر السوري مع تجنب الخسائر. و لكن قرار المجالي الهجوم و لوحده يوم 16 كان قرارا غبيا و ضد توجيهات القيادة العليا. الهجوم لوحده مكن اﻹسرائيليين من تركيز كل قوتهم عليه و تدميره مما ادى لفقدان ثلث قوة اللواء من الدروع. و يبدو منطقيا توقع ان المجالي سمع كلاما لم يسره من القيادة بعد فشل الهجوم، و بالتالي كان حريصا على عدم التقدم يوم 19 حتى تحقق من ان الهجوم العراقي قد بدأ. و في المعركة الثانية ايضا، كان اداء العقيد المجالي سيئا: فقد قسم قواته ل 3 اقسام و ترك لقادة الكتائب التصرف لوحدهم دون اي اشراف و دون اي تنسيق بين الكتائب الثلاث. و لم تستطع الكتائب الثلاثة القيام بجهد منسق او مساعدة بعضهم البعض في المعركة الثانية. و اخيرا، ترك السماح للكتيبة الثالثة في اللواء - كتيبة المشاة الميكانيك - بعدم المشاركة بالقتال بشكل فعلي علامات استفهام كثيرة حيث كان من الممكن لها مساعدة الكتيبتين المدرعتين اثناء اشتباكهم مع العدو.

تشير هذه الأخطاء لمشاكل اخرى عانى منها اﻷردنيون. فبينما كان اﻹسرائيليون دائما يشيدون بحرفية الجندي اﻷردني و مهارة طاقم الدبابات اﻷردني، فإنهم لم يكونوا بمثل قدرات الجانب اﻹسرائيلي. و بشكل اهم، كان هناك مشاكل في خوض المعارك على مستوى التشكيل كاملا. كدبابات فردية، كان اﻷردنيون ممتازين، اما على مستوى السرايا و الكتائب فكان التنسيق مفقودا. و باستثناء الكتيبة الشرقية في المعركة الثانية، لم يهتم اﻹردنيون بحراسة المقدمية و اﻷجناب للحماية من الكمائن، و لم ينجح اﻷردنيون بالمناورة في وجه التحركات اﻹسرائيلية و كان اغلب هجومهم بالتعرض المباشر و من ثم اﻹنسحاب في حال اكتشاف محاولة تطويق اسرائيلية.

كانت العمليات المشتركة بين مختلف اﻷسلحة للجانب اﻷردني سيئة جدا. فلم يستغل اﻷردن قاذفات الصواريخ لديه في بداية المعارك (كان لدية كتيبتين) و كان اﻹعتماد على المدفعية العراقية و السورية. و حتى عندما ارسل اﻷردن كتيبة مدافع 105 ملم للجبهة، كان تأثيرها على المعركة محدودا. و اﻷسوأ من ذلك، فقد فشل اﻹردنيون في تحريك المشاة الى جانب الدروع. كانت الوحدات اﻹسرائيلية في اغلبها تضم فقط الدروع مع دعم مشاة قليل و كانوا بالتالي معرضين لمشاكل كبيرة لو واجههم خصم يملك قدرة عالية في مجال اﻷسلحة المشتركة: دروع و مشاة مع مضادات الدبابات و المدفعية. و في بعض الحالات ضربت الدروع اﻷردنية بقوة من فرق صائدي الدبابات اﻹسرائيليين (و كانوا قليلي العدد) و كان يكفي عدد قليل من المشاة للتعامل معهم. بشكل عام، كان اﻷداء اﻷردني ضعيفا من الناحية التكتيكية. 

المصدر:
 K. Pollack, "Arabs at War", University of Nebraska Press







    


Friday, March 28, 2014

العرب في الحرب - الفعالية العسكرية للجيوش العربية بين عامي 1948 و 1991 - الجيش العربي اﻷردني - 5 - حرب عام 1948

في عام 1948، عندما تقدم الفيلق العربي نحو فلسطين، كان اكثر جيش احترافي في الشرق اﻷوسط. كان الجيش اﻷردني مدربا و تحت قيادة بريطانية او تحت امرة ضباط اردنيين تلقوا تدريبا بريطانيا. و كان كل الضباط باستثناء 5 من رتبة عميد فأعلى من اﻹنجليز، و يشمل ذلك غلوب Glubb  الذي كان القائد العام. حرص اﻹنجليز على ان يكون الجيش مستعدا بشكل جيد للعمليات الحربية التقليدية. و خلال اول 24 عام من تأسيسه، كان الجيش مسؤولا عن امن اﻹمارة الداخلي و الخارجي. و بغض النظر عن عن مسؤوليات الجيش، كان الضباط و الجنود يتدربون بشكل مستمر على العمليات الحربية التقليدية.  و زاد هذا التركيز اكثر اثناء الحرب العالمية، حيث احتلت سيناريوهات مثل مواجهة جيش فيشي في سوريا أو قتال قوات المحور أهمية اكبر من قتال القبائل.
الملك عبدالله برفقة غلوب باشا

المحصلة كانت ان بريطانيا انشأت الجيش اﻷردني على صورة مصغرة من الجيش البريطاني، أو بشكل ادق على صورة القوات التي كانت تتبع للجيش البريطاني في المستعمرات. و مثلما كانت سياسة بريطانيا في اﻹعتماد على جيش صغير محترف يخدم فيه اﻷفراد لفترات طويلة، كانت اﻷمور بالنسبة للجيش اﻷردني مشابهة. و مثلما ركز البريطانيون على نوعية الجنود على حساب العدد، كان هو الحال مع الجيش اﻷردني. و مثلما ركز البريطانيون على مهارات الجنود الفردية و التي يتم صقلها بتدريبات مستمرة على مدار اﻷعوام.

القوات المسلحة اﻷردنية على أعتاب الحرب

نتيجة للتحكم المباشر للانجليز، كان الفيلق العربي (استخدم لفظ فيلق ليدل على جمع و ليس على مجموعة جيوش و مرادفها اﻹنجليزي Legion، و ذلك للتفريق بين هذه القوات و الجيش اﻷردني بعد تعريبه عام 1956) عام 1948 قوة نخبة من الجنود اصحاب الخدمة الطويلة. اصر الجنرال غلوب على بقاء القوات كلها على اساس التطوع للحرص على بقاء مستوى القوات مرتفعا. في عام 1948، كان اﻷردن من اكثر مناطق العالم العربي رجعية اقتصادية. و كان راتب الجندي مرتفعا إضافة لتمتعه بمركز اجتماعي متميز بين البدو. هذه الحوافز ادت لسنوات خدمة طويلة بين الجنود. أضافة لذلك، ادى ابقاء عدد الجيش منخفضا الى ابقاء معظم افراده من البدو، الذين وثق اﻹنجليز بولائهم اكثر من الحضر.

و كان للفيلق العربي مشاكله طبعا. و معظمها مرتبط بالتخلف اﻹقتصادي للبلاد. و بسبب تفضيل غلوب للبدو، كانوا يمثلون اكثر من 50% من قوة الفيلق بينما هم لم يزيدوا عن 30% من السكان. و لسوء الحظ، كان نصيب معظم البدو من التعليم معدوما، و كان اﻷمر اسوأ بالنسبة للخبرة التقنية باﻷليات. و طبعا كان للحضر مستوى اعلى من المعرفة و الثقافة و كانو موجودين بنسب اعلى في اﻷسلحة المساندة و لكن هذا كان نسبيا فقط، فالقليل منهم كان يملك تدريبا تقنيا عاليا. و كان هناك مشاكل مستمرة بين البدو و الحضر، اﻷمر الذي اجبر غلوب على فصل الطرفين بوحدات مستقلة.

في بداية الحرب في مايو 1948، كان الفيلق العربي يتكون من:

1- حوالي 8000 رجل.
2- 50 سيارة مدرعة.
3- و حوالي 20 قطعة مدفعية.

 و على صغر هذه الترسانة، كانت اكثر مما تملكه عصابات الهاجانه اﻹسرائيلية التي قاتلتهم. على سبيل المثال، في المعارك اﻷولية حول القدس، حيث وضع الجيش اﻷردني نصف قوته، كانت اثقل اسلحة اﻹسرائيليين مدفعين رشاشين متوسطين، و سلاحي Piat مضاد للدبابات يطلق من الكتف. و للقتال في الحرب، اعاد غلوب تشكيل القوات لتصبح فرقة واحدة بلوائين: كل لواء يحوي كتيبتين من المشاة و عدد من السرايا المستقلة. و كل كتيبة ملحق بها سرية مدرعة. المدفعية كانت منظمة بشكل كتيبة مستقلة مكونة من 3 بطاريات. أخيرا كان هناك لواء ثالث - وهمي - صمم لخداع اﻹسرائيليين بوجود لواء ثالث احتياط ليمنعهم من الهجوم على امارة شرق اﻷردن.  كانت اهم مشاكل القوات هي نقص الذخيرة. و قبل بدء الحرب، قدر غلوب ان لديه ذخيرة تكفي لمعركة واحدة قصيرة تشمل كل قواته.


مدفع بيات المضاد للدبابات

 ضد هذه القوات، حشد اﻹسرائيليون 50000 مقاتل بتسليح ضعيف و تدريب ضعيف. و كانت نصف هذه القوات تنتظم في تسع كتائب بالماخ و هاجاناه جاهزة للانتشار في طول البلاد و عرضها. و كان النصف الباقي عبارة عن ميليشيا تستخدم فقط في الدفاع عن مدنها و مستوطناتها. و عند بدء الحرب، لم تكن اسرائيل تملك سلاح مدرعات حقيقي، أو مدفعية، أو طيران، أو سلاح ثقيل يذكر. إضافة لذلك، اضطر اليهود لنشر قواتهم لدفع 5 جيوش عربية اضافة للقوات اﻷردنية.

أهداف اﻷردن و استراتيجيته

هناك قدر كبير من عدم اليقين حول نوايا الملك عبد الله عندما امر قواته بالتوجه لفلسطين في مايو عام 1948. فقد كان من الواضح انه لم يكن ينوي ان يمحو الدولة اليهودية، و ذلك على عكس نوايا المصريين و العراقيين و السوريين و الفلسطينيين. على اﻷقل مبدأيا في عام 1947، يظهر ان عبد الله اراد فقط ان يسيطر على مناطق معينة من فلسطين التي اعطتها اﻷمم المتحدة للفلسطينيين بقرار التقسيم و ضمها لدولته. و في نفس الوقت، ففتح الملك مفاوضات سرية مع اﻹسرائيليين بهدف تقسيم هذه المناطق بدون نزف دماء. و مع مرور الوقت، يبدو ان سقف طموح الملك قد ازداد، حيث بدأ يفكر يفكر في ان تكون الدولة اﻹسرائيلية عبارة عن سلطة حكم محلية لليهود ضمن اﻷردن. و بالتالي بدا يأمل ان يزيد مساحة المناطق الخاضعة للأردن و ان يسيطر على القدس بدل ان يتركها كمدينة دولية كما نص عليه قرار التقسيم. و قد يكون دقيقا ان نقول ان خطة عبد الله كانت في السيطرة على الضفة الغربية و اي مناطق اخرى تسنح الفرصة لضمها.

هذه الطموحات كانت تصطدم بمحدودية القوات و بولاء القيادة البريطانية لقواته. فمن ناحية، لم تكن القوات العربية اﻷردنية بحجم كاف لاحتلال كل فلسطين، بل انها لم تكن بحجم كاف لبسط سيطرتها على المناطق التي اعطيت للفلسطينيين في تقسيم اﻷمم المتحدة. و من ناحية اخرى، كان من المتوقع ان تحارب اسرائيل حتى اخر رجل، و لم يكن اﻷردن يثق في رد فعل حلفائه العرب على نوازعه الفردية في ضم اﻹقليم للأردن. اضافة لذلك، كان عبد الله يعتمد بشمل تام على غلوب و غيره من الضباط البريطانيين الذين كان ولاؤهم موزعا بين عمان و لندن. و قد كان موقف الحكومة البريطانية واضحا في انهم لن يتسامحوا في تجاوز قرار التقسيم للأمم المتحدة. و قد امرت بريطانيا ضباطها بشكل محدد بترك وحداتهم لو هاجمت المناطق اليهودية.

في النهاية، حاولت اﻹستراتيجية اﻷردنية التوفيق بين المحاذير السابقة. فكانت خطة غلوب:

1-الاندفاع داخل الضفة مباشرة و احتلالها لغاية حدود التقسيم.
2- بعدها ينتقل الفيلق العربي للدفاع بأقصى سرعة لتجنب استفزاز اليهود و لتأمين المناطق الفلسطينية التي تم ضمها.
3- شيء اخير تنبه له غلوب: تقليل خسائر قواته. حيث ان من مشاكل وجود قوات قليلة العدد من الجنود المحترفين اصحاب الخدمة الطويلة هو ان الخسائر في اﻷرواح لا يمكن تعويضها بسهولة. و عليه قرر غلوب تجنب المعارك الدموية بأي ثمن، و باﻷخص في شوارع القدس، حيث ستقل فعالية حرفية القوات اﻷردنية و قد يتم خسارة قوات كبيرة في قتال الشوارع من بيت لبيت.


سير العمليات

اول العمليات القتالية اﻷردنية جرت قبل بدء الحرب يوم 15 مايو 1948. حيث بدأ اﻹسرائيليون من 4 مستوطنات عتصيوني خارج القدس بالتحرش بالتحركات العربية العسكرية في شهر ابريل 1948. اعتبر البريطانيون هذه الحركات غير مقبولة و ارسلوا قوات بريطانية مدعومة بالدبابات مع سرية معززة من الفيلق العربي اﻷردني مع بعض المتطوعين العرب لمهاجمة هذه المستوطنات اوائل شهر مايو. و بشكل مدهش، فقد صمدت المستوطنة امام هذا الهجوم، و اكتفى البريطانيون بهذا اﻹجراء التأديبي و قرروا سحب قواتهم. و قد بقيت القوات اﻷردنية و المتطوعين على امل ان ترسل عمان اشارة باستكمال الهجوم.

مر اسبوع  دون اوامر من عمان. و في يوم 11 مايو قام قائد السرية العقيد عبد الله التل بمبادرة فردية و اصدر امر الهجوم على المستوطنة. كان لدى اليهود حوالي 500 شخص قادر على حمل السلاح في المستوطنات اﻷربع لكن سلاحهم كان خفيفا. و كانت القوة العربية اقل عددا، كانت القوة اساسا من سرية الجيش العربي مدعومة بكتيبة مدرعة مع سناد مدفعي و مدفعية ميدان. و في 3 ايام من القتال، نجح العرب في عزل المستوطنات اﻷربع و هاجمت السرية المستوطنة الرئيسية مع اسناد ناري قوي. و استخدم العرب جزءا من قواتهم لتثبيت مقاتلي المستوطنة على خط الدفاع الرئيسي و ارسلوا قسما اخر مع السيارات المدرعة لتطويق القوات المدافعة. و في يوم 13 مايو نجح الفيلق العربي في اخذ المستوطنة الرئيسية في كفر عتصيون مما ادى لاستسلام المستوطنات الثلاث اﻷخرى.

عبرت القوات اﻷردنية الرئيسية نهر اﻷردن نحو فلسطين صباح يوم 14 مايو 1948. و هناك اتصلت القوات مع القوات اﻷردنية الموجودة جنوب القدس و احتلت مناطق دفاعية ممتازة حول مرتفعات السامرة (شمال الضفة). وضع غلوب احدى الويته لتغطي المنطقة من جنين حتى شمال رام الله، اﻷمر الذي سمح له بتركيز اللواء اﻷخر - مع بعض السرايا المستقلة - في القدس و حولها و اقام مركز قيادة اللواء في رام الله.

معركة القدس

في يوم 17 مايو، امر الملك عبد الله غلوب بالهجوم على القسم اليهودي من القدس. كان هذا خرقا واضحا لقرار التقسيم و اوامر الحكومة البريطانية. و رغم ذلك، انصاع غلوب للاوامر، و برر ذلك بأن التدخل بقوة سوف ينهي اﻹضطراب الناتج عن القتال بين الطرفين في المدينة لمدة 3 ايام.

1- ارسل غلوب احدى الكتائب المرسلة الى السامرة شمالا - الكتيبة الثالثة مشاة - من اللواء اﻷصلي و تم ارسالها لجنوب القدس للمشاركة في الهجوم على المدينة. اﻷردنيون قاموا بهجوم منسق من الشمال و الجنوب مع اندفاع مساند ضد الحي اليهودي في القدس القديمة. من الشمال ارسل غلوب الكتيبة الثالثة مشاة مدعمة بسيارات مدرعة و مدفعية ميدان الى منطقة الشيخ جراح شمال شرق القدس.
2- في الوسط هاجمت عدة سرايا اردنية مع متطوعين فلسطينيين الحي اليهودي مع اوامر باقتحامه او حصاره.
3- في الجنوب حاولت القوات التي سيطرت على كفر عتصيوني - و التي اصبحت قوة بحجم كتيبة - حصار القدس من الجنوب عن طريق الهجوم على مستوطنة بنات راحيل على الطريق لبيت لحم.




صادف الهجوم الشمالي نجاحا مبدئيا و لكنه توقف بسبب المقاومة الشرسة من الطرف اليهودي. و كان للجانب اﻹسرائيلي 70 مقاتل من ميليشيا اﻷرغون بقيادة مناحيم بيغين في الشيخ جراح. و هذه القوة الصغيرة تم التغلب عليها بسهولة من قبل الفيلق العربي و بالتالي تم محاصرة الحامية اليهودية في جبل سكوبس. قرر اﻷردنيون بعدها الدفع غربا من بوابة مندلباوم لمحاصرة القدس القديمة و فصلها عن المناطق اليهودية. و رغم الميزة الكبيرة للفيلق العربي في القوة النارية - حيث امتلك المدافعون فقط مدفعين رشاشين متوسطي الحجم و سلاحين مضادين للدبابات -  فلم يستطيعوا اختراق الدفاعات اليهودية. و بعد هذا التوقف في الشمال، غير اﻷردنيون تركيز الهجوم ليصبح نحو المدينة القديمة. قام اﻷردنيون باستخدام اﻷسلحة المشتركة بشكل ممتاز و ذلك بتحريك الدروع مع المشاة مع نيران مساندة من مدفعية الميدان و حتى المدفعية عندما تكون الظروف مواتية. و رغم ذلك فقد كان التقدم صعبا جدا امام عدو قليل السلاح لكنه واسع الحيلة. و في النهاية تركز القتال حول موقع اسرائيلي عند دير الروتردام شمال شرق المدينة القديمة. و رغم ان عدد المدافعين اليهود عنها كان لا يزيد عن حفنة مع مدفع Piat مضاد للدبابات و عدد قليل من القذائف، لم يستطع اﻷردنيون اخذ الموقع. و خسر اﻷردن عدة سيارات مدرعة بسبب المدفع المضاد للدبابات و زجاجات المولوتوف، و خسرت الكتيبة 50% من قوتها. و في نهاية 24 مايو اوقف غلوب الهجوم خوفا من المزيد من الخسائر. و توقف العمل العسكري اﻷردني على المحور الشمالي للمدينة حتى الهدنة اﻷولى يوم 10 يونيو.
الهجوم اﻷردني على القدس في مايو 1948


الهجوم الجنوبي ضد رامات راحيل تم بالتعاون مع الجيش المصري و كان اقل نجاحا من الهجوم الشمالي. حيث كانت القوات المصرية قد تقدمت من صحراء النقب الى بئر السبع و من ثم نحو القدس حيث اتصلت بالفيلق العربي جنوب المدينة. في يوم 21 مايو قامت قوات الجيشين بهجوم مشترك على الحامية اﻹسرائيلية الصغيرة التي تدافع عن القرية و تم دفع المدافعين بالقوة العددية. و لكن في نهاية اليوم قامت سرية من لواء الهاجاناه بتعزيز الدفاع اﻹسرائيلي و تم استعادة القرية بهجوم مضاد. و خلال اﻷيام الثلاث هاجم العرب المستوطنة المرة تلو المرة و لكن كان يتم خسارة المستوطنة لليهود في الليل. و يوم 24 مايو اتت تعزيزات اردنية لرامات راحيل لبدء هجوم كبير. و في اثناء المعركة نجح اﻷردنيون و المصريون في اقتحام المستوطنة و لكن اﻹسرائيليين اتوا بتعزيزات و استعادوها في اليوم التالي. و قد نجح الهجوم اﻹسرائيلي في اﻹستيلاء على دير قريب كان مطلا على المنطقة و كان يستخدم كمنصة هجوم للعرب. و بعد خسارة هذا الموقع المهم اوقف الأردنيون و المصريون هجومهم و تحصنوا في مواقع دفاعية، منهيين جهودهم لحصار القدس من الجنوب.

فقط في المحور اﻷوسط، المواجه للمدينة القديمة من الغرب، تمكن الفيلق العربي من تحقيق اهدافه. كان الحي اليهودي محاطا بالمناطق العربية و كان مفصولا عن القسم اليهودي من القدس الجديدة و هي كانت ميزة للجانب اﻷردني. و على الجانب اﻷخر كان يتمتع بكونه مبني على الطراز القديم الذي تتشابك فيه البيوت و تتعرج فيه الشوارع الضيقة اﻷمر الذي جعل الدفاع عنه اكثر سهولة. و في اثناء الوجود البريطاني، تمكن اﻹسرائيليون من تهريب كمية صغيرة من السلاح و بعض جنود الهاجاناه و اﻷرجون للمدينة القديمة بحيث تتمكن من الصمود في وجه هجمات و الحصار المتوقع عند خروج البريطانيين. هاجم الفيلق العربي المدينة القديمة من كل الجوانب يوم 16 مايو و ببطء تمكن من التغلب على المدافعين و اجبارهم على التراجع. حوال اﻹسرائيليون ارسال تعزيزات ليلة 17-18 مايو. و هذا المجهود تم بصورة خاطئة ليتجول لهجوم تعرضي مباشر على مواقع الفيلق العربي. أثبت اﻷردنيون انهم يمتلكون مهارات فردية ممتازة باستخدام السلاح و الحقوا خسائر ثقيلة باﻹسرائيليين. و رغم ذلك، فأن هذا الهجوم شتت انتباه القوات اﻷردنية بحيث تمكنت قوة اخرى مفاجأة القوات العربية على جبل صهيون و التغلب عليها و اقتحام بوابة صهيون نحو الحي اليهودي. و رغم تفاجئ القوات اﻷردنية بالعملية، فقد استعادوا رباطة جأشهم بسرعة و هاجموا القوة اليهودية التي تحمي بوابة صهيون. و بعد قتال قصير و شديد تمكن اﻷردنيون من هزيمة القوة المدافعة و اغلاق البوابة من جديد و اعادة حصار الحي اليهودي. و خلال العشرة ايام القادمة، حاول اﻹسرائيليون فتح هذا الطريق بدون اي نجاح. حيث استعملت القوات اﻷردنية تكتيكا فعالا بالسماح للاسرائيليين باﻹختراق حتى يصلوا البوابة و من ثم حصرهم في جيب ناري. و في تلك اﻷثناء، و في البلدة القديمة، قامت القوات اﻷردنية بعمل فعال في تطهير الحي من القوات اليهودية. و استخدم الأردنيون بشكل ممتاز السيارات المدرعة بالتعاون مع اﻷسلحة الفردية و مدافع الميدان. و تم التقدم على عدة مراحل داخل الحي اليهودي و بعد صد عدة محاولات اغاثة من اﻹسرائيليين استسلمت الحامية يوم 28 مايو.

معركة اللطرون اﻷولى

بموازاة الجهود اﻷردنية للسيطرة على كامل القدس، حاول غلوب ان يحاصر المدينة بقطع الممر الضيق الذي يصل المدن اليهودية على الساحل بالقدس. هذه الطرق المتعرجة حول التلال كانت مركز قتال مستمر اثناء اﻹنتداب البريطاني، و لكن في نهاية شهر مايو حاول الفيلق العربي ان يقطع هذا الطريق كليا. امر غلوب الكتيبة الثانية مشاة - و التي كانت موجودة شمال غرب القدس - ان تتقدم جنوبا و انت تأخذ مواقع دفاعية في تل الرادار، حيث تستطيع اعتراض طريق القدس تل ابيب. و على الغرب من هذا التل، استغل قائد الكتيبة الرابعة مشاة - المقدم حابس المجالي - الفرصة لقطع طريق القدس تل ابيب عند قلعة اللطرون الحصينة. حيث كان اﻹسرائيليون قد طردوا حامية القلعة العربية اول الحرب و لكنهم اضظروا لسحب قواتهم منها لمواجهة الهجوم اﻷردني المصري عند رامات راحيل. و على مسؤوليته، تقدم المجالي و اخذ الموقع يوم 20 مايو، و بالتالي قطع الطريق الى القدس من مكان يصعب تلافيه عند الرغبة في الذهاب للمدينة.


حابس المجالي (1960)

احتلال الفيلق العربي للطرون وضع السيطرة اﻹسرائيلية على القدس في خطر حقيقي. و قررت تل أبيب عمل هجوم معاكس بشكل فوري لاستعادة الموقع. و كان الهجوم مقررا ان يتم بواسطة اللواء السابع حديث التشكيل. كان للواء 3 كتائب: الكتيبة 79 كانت اول كتيبة مشاة ميكانيكية، و كان سلاحها الرئيسي هو سيارات M-3 تم ملئها بضباط تم تجميعهم على عجل من الوية اخرى. و كانت الكتيبتان اﻷخريان: 71 و 72 مشكلتان حديثان من مهاجرين اوروبيين بالكاد وصلوا البلاد. و كان جنود تلك الكتائب يتكلمون 8 لغات مختلفة و باكاد كان يفهم عليهم الضباط الذين ولدوا في اسرائيل. على العموم، كانت القيادة اﻹسرائيلية في عجلة لاستعادة اللطرون لدرجة ان اللواء لم يحصل على اكثر من اسبوع  للتمرين قبل ارساله للمعركة. و جدير بالذكر ان الخطة اﻹسرائيلية لم تعتمد فقط على اللواء 7. بل كان المجهود الرئيسي يقع على الكتيبة 32 المخضرمة من اللواء اﻹسكندروني للهجوم على الجهة الغربية للطرون بينما يقوم اللواء 7 بهجوم معزز من الجهة الشرقية.


الهجوم اﻷسرائيلي (اﻷزرق الغامق) على اللطرون يوم 25 مايو و الدفاع اﻷردني (البني) و اﻹنسحاب اﻹسرائيلي (ازرق فاتح)


كانت قلعة اللطرون ، التي بنيت على مرتفع صخري يطل على الطريق من هضاب السامرة المحيطة بها، موقعا حصينا. وضع المجالي كتيبته داخل القلعة و ركز قواته للجهة الغربية حيث كان انحدار المرتفع اقل قليلا. و بهذا الترتيب كان في موقع مناسب لصد الهجوم اﻹسرائيلي الرئيسي ضد اﻷجناب. الهجوم اﻹسرائيلي نفسه كان سيئا. حيث بدأ في منتصف ليلة 24-25 مايو بقصف قصير من عدة مدافع قديمة من عيار 65 ملم. و ما لبث بعدها الهجوم ان وقع في مشاكل، حيث كانت بعض الوحدات متأخرة 4-6 ساعات عن مواعيد الوصول مما اخر الهجوم بشكل كبير. و بالتالي لم يقم القصف التمهيدي بغير تنبيه اﻷردنيين و لم يتم هجوم الكتيبة اﻹسرائيلية قبل طلوع الشمس. أما الكتائب المكونة من المهاجرين فقد تعثر تقدمها وسط العتمة قبل ان تثبتهم النيران اﻷردنية عندما طلعت الشمس. هذا الهجوم الضعيف من اللواء السابع امكن المجالي من تركيز قواته على هجوم كتيبة  اﻹسكندروني القادم من اليمين. كان اﻷردنيون محميون داخل القلعة و محصنين داخل التل. و كانت نيرانهم مركزة للغاية و دقيقة للغاية ضد هجوم اسرائيلي مكشوف و ضعيف مما حول المعركة لمذبحة. و حطم اﻷردنيون الهجوم بحلول الظهر و خسر اﻹسرائيليون حوالي 2000 قتيل (اتصور هناك خطأ في هذا الرقم - 200 بين قتيل و جريح هو الانسب).



قلعة اللطرون في العصر الحديث

في مايو 30 حاول اﻹسرائيليون شن هجوم ثان. و لكن كان سوء التخطيط اللذي لازم الهجوم اﻷول حاضرا مرة اخرى. تم هذا الهجوم بكتيبتين: المشاة المدرعة من اللواء السابع و كتيبة من لواء جيفاتي التي تم احلاها بدل اللواء اﻹسكندروني الذي تم ضربه بقوة في الهجوم السابق. هذه المرة هاجمت كتيبة جيفاتي من الجنوب، و رغم نجاح الكتيبة في اﻹستيلاء على قرية دير ايوب اسفل اللطرون، فإن النيران اﻷردنية تمكنت من بعثرة التقدم و تم صد الهجوم. و مرة اخرى، ادى تقهقر الهجوم الثانوي المساعد للسماح للمجالي بتركيز قواته على الهجوم اﻷساسي، اي الهجوم الدي تقوم به الكتيبة 79 المدرعة. هاجم اﻹسرائيليون بشجاعة المواقع الدفاعية اﻷردنية، و لكن اﻷردنيون صمدوا في مواقعهم و كانت كمية النيران و دقة التصويب قاتلة. و بالتحديد، وجد المجالي انه بتعزيز قواته على قمة القلعة، يمكن للجنود اﻷردنيين المعروفين بدقة التصويب تركيز نيرانهم على السيارات المدرعة و سيارات نصف النقل اﻷسرائيلية التي لم تملك اي حماية من اﻷعلى. و مرة اخرى، هزم اﻷردنيون اﻹسرائيليين و بخسائر كبيرة للطرف المهاجم.


الهجوم اﻹسرائيلي الثاني (السهم اﻷزرق الغامق) على اللطرون اوخر مايو على المواقع اﻷردنية (مخطط بني) و اﻹنسحاب اﻹسرائيلي (السهم اﻷزرق الفاتح)

الهزيمتان عند اللطرون كانتا حاسمتان لدرجة ان اسرائيل قررت ان تبني ممر حول اللطرون للسماح لحركة السيارات بين تل ابيب و القدس دون الحاجة لاستخدام الطريق الرئيس. و لكن القيادة اﻹسرائيلية بقيت مصممة على استعادة الموقع و خططت لهجوم جديد. في ليلة 8-9 يونيو، قامت كتائب مخضرمة من لوائي حاريل و يفتاخ بالتخطيط للهجوم من جانبي المرتفع، و لكن هذه المرة من الجهة الشمال شرقية. و لم يكن اﻹسرائيليون يعلمون ان غلوب قد عزز مواقعه في اللطرون بإضافة الكتيبة الثانية مشاة و مدفعية. و بقيت الكتيبة الرابعة لحماية القلعة و اﻷجناب و قامت الكتيبة الثانية بالدفاع عن الكوة المودية للقلعة. و بالتالي، ما تصور اﻷسرائيليون ان يكون تطويقا من الجانبين للكتيبة الرابعة، و حصارها من أﻷجناب و قطعها عن مرتفعات السامرة، تحول لتعرضين مباشرين للكتيبة الثانية في مواقعها الدفاعية.   و كما حصل سابقا، ركز اﻷردنيون نيرانا ثقيلة على محوري الهجوم اﻹسرائيلي. و هاجمت الوحدات اﻹسرائيلية بمجهود كبير و تصميم و تمكنوا من اختراق المواقع اﻷردنية من الجهتين. و لكن تم هذا اﻹختراق بخسائر كبيرة بسبب دقة النيران اﻷردنية و تم صدهم بهجوم مرتد اردني عنيف و دقيق التوقيت. حاول اﻹسرائيليون مرة اخرى في الليل، لكن احدى الكتيبتين ضاعت في الظلمة بينما تلقت الكتيبة الاخرى خسائر كبيرة قبل ان تحقق تماسا مع القوات اﻷردنية.

هجوم الأيام العشرة اﻹسرائيلي و معركة اللطرون الثانية

في 11 يونيو وضع وقف اطلاق النار حدا لمعركة اللطرون. خلال الهدنة، قامت الجيوش المتحاربية بإعادة تنظيم صفوفها تمهيدا لاستئناف القتال. جهز اﻹسرائيليون و دربوا تشكيلات جديدة، بينما عززت معظم الجيوش العربية تواجدها في فلسطين. تلقى الفيلق العربي اﻷردني ضربة قوية عندما امرت لندن كل ضباطها في الجيش اﻷردني بالعودة للوطن بسبب خرق عبدالله قرار التقسيم بالهجوم على الحي اليهودي في القدس و على الممر اليهودي الذي يوصل للمدينة. و على رغم بقاء الضباط اصحاب العقود مع الجيش ( و من ضمنهم غلوب) فقد حرمت الخطوة البريطانية الجيش من قادة كلا اللوائين، و من قادة 3 كتائب من اصل 4. و تم ترفيع ضباط اخرين لشغل هذه المناصب (اغلبهم بريطانيون) لكن استغرق اﻷمر وقتا حتى تم ترتيب نظام القيادة و السيطرة.

على اي حال، اعطت المهلة القوات الأردنية فرصة للاستراحة و اعادة التنظيم و لتحسين دفاعاتهم. تم دمج السرايا المستقلة في كتيبتين جديدتين: الخامسة و السادسة. و قام الأردنيون بتحصين مواقعهم حول اللطرون. و تم كذلك اعادة صيانة المركبات المدرعة التابعة للجيش اﻷردني. و اﻷهم، ان الملك عبد الله تمكن من احضار ذخائر كان يحتاجها غلوب بشدة. و فيما يخص اﻹستراتيجية، استنتج غلوب ان قواته تغطي مساحات اكبر من قدراتها، و تم تقرير حصر العمليات الهجومية بما يحسن فقط من الموقف الدفاعي العام. و تم تحسين الموقف الدفاعي العام بوصول القوات العراقية شمال الضفة. اﻷمر الذي مكن غلوب من سحب قواته الباقية في نابلس و تعزيز دفاعاته في اللطرون، حيث توقع الهجوم اﻷسرائيلي القادم. و في المحصلة - في نهاية الهدنة - اصبح للأردن 3 كتائب مدعومة بالمدرعات و المدفعية و مدفعية الميدان حول اللطرون.

بعد انتهاء مهلة وقف اطلاق النار يوم 9 يوليو، قام اﻹسرائيليون بشن هجوم رئيسي ضد القوات اﻷردنية المدافعة عن القدس و عن الممر المؤدي للمدينة. في داخل المدينة، هاجم اﻹسرائيليون جنوبا نحو المدينة القديمة لتأمين الجانب اﻷيمن من قواتهم و شمال شرق ﻹعادة السيطرة على الشيخ جراح و اعادة اﻹتصال بالحامية في جبل سكوبس. كان الهجوم الجنوبي هو اﻷكثر نجاحا للجانب اﻹسرائيلي و اخرج الحامية العربية الصغيرة من جبل هرزل اﻷمر الذي عزز موقف الجناح اﻷيمن اللقوات العبرية. أما في الوسط فكان الهجوم نحو المدينة القديمة سيئا و تم ايقافة بسرعة بعد حصول خسائر  كبيرة. و في الشيخ جراح، لم يكتف اﻷردنيون بإيقاف الهجوم اﻹسرائيلي، بل شنوا هجوما مضادا نجح في اخذ عدة مناطق صغيرة كانت خاضعة للسيطرة اﻹسرائيلية.

أشد القتال جرى مرة اخرى عن منطقة اللطرون. حيث بقي اﻹسرائيليون مصممين على اعادة فتح طريق تل أبيب - القدس. الخطة كانت بتنفيذ عملية على مستوى فرقة لتقليل المناطق الواقعة تحت سيطرة اﻷردنيين حول اللد و الرملة شمال اللطرون (حوالي 10 كم من وسط مدينة تل ابيب). هذا سيؤدي لتخفيف المخاطر على تل ابيب و سوف يسمح للهاجاناه للهجوم على اللطرون من الشمال. تعمد غلوب تخفيف الدفاع عن اللد و الرملة للسماح لتركيز اكبر للقوات حول اللطرون. حيث كانت تلك البلدتان بعيدتان في المقدمة و مكشوفة ﻷي عملية تطويق اسرائيلية و لم يكن بالمقدور الدفاع عنها بدون استخدام قوات كبيرة. اضافة لذلك، لم تكن التضاريس الصعبة تسمح للاسرائيليين بتطوير اي نجاح في اللد و الرملة لهجوم على شمال الضفة بدون اﻹستيلاء على موقع اللطرون. و بالتالي بقي اللطرون هو مفتاح الدفاع اﻷردني حيث ركز غلوب على قواته، و ترك اللد و الرملة لقوات من المتطوعين بقيادة القاوقجي مدعومة بقوة بسيطة من الجيش اﻷردني.

في ليلة 9-10 يوليو بدأ الهجوم اﻹسرائيلي على اللد و الرملة. و قد ضم الهجوم 3 الوية (تضم اللواء المدرع الثامن الجديد، الذي ضم 13 دبابة امريكية و بريطانية و فرنسية من موديلات الحرب العالمية الثانية). كان الهجوم اﻹسرائيلي مخططا بدقة و شمل عملية تطويق من الجانبين، و نتج عنه دفع العرب لمرتفعات السامرة. قام المتطوعين العرب ببعض المقاومة، و كانت المرة الوحيدة التي توقفت فيها القوات المهاجمة هي عند صدت القوات اﻷردنية اللواء الثامن عند دير طريف قبل ان ينجح اﻹسرائيليون في هجومهم. و بحلول يوم 12 يوليو، تمكن اﻹسرائيليون من اﻹستيلاء على اللد و الرملة التي كانت تهدد خاصرة اسرائيل، و اصبح لهم اﻷن موقع متقدم يسمح لهم بتهديد المواقع اﻷردنية في اللطرون من الشمال. امر غلوب قواته في اللطرون باﻹستعداد  لهجوم اسرائيلي  بدى وشيكا.

شن اﻹسرائيليون هجومهم ليلة 14-15 يوليو. حيث ارسلوا كتيبة من لواء حاريل لعمل هجوم تمويهي ضد المواقع اﻷردنية على تل الرادار. و في تلك اﻷثناء يقوم باقي اللواء بالهجوم على اللطرون من الجنوب. و يقوم لواء يفتاخ بالهجوم من الشمال الغربي. لم يكن اﻹسرائيليون على علم بحجم التعزيزات التي ارسلها غلوب للقوات اﻷردنية حول اللطرون. و لم يعلموا انه امر بتوسيع رقعة انتشار القوات شمالا و شرقا لحماية اجناب قواته. و مرة اخرى، هاجم اﻹسرائيليون و هم يعتقدون انهم يملكون افضلية عددية كبيرة ضد اجناب اردنية غير محمية جيدا، بينما الواقع انهم يهاجمون قوات متحصنة امامهم مباشرة. و مرة اخرى كان ميزان القوى شبه متعادل (3 كتائب اردنية متحصنة مع مدفعية و سيارات مدرعة امام 5 كتائب اسرائيلية مع عدد قليل من المدافع و السيارات المدرعة). كان اﻷردنيون متحصنين في مواقع قوية و كان الهجوم اﻹسرائيلي اقرب للتعرض المباشر من كونه عملية تطويق.

و طوال ثلاثة ايام، جرت معارك شرسة حول اللطرون. فقد تفاجأ اﻹسرائيليون باﻹردنيين في مواقعهم الجديدة شمال و شرق اللطرون . و بالتحديد، شن اﻷردنيون هجوما مضادا بالسيارات المدرعة و ببضعة مدافع مضادة للدبابات. و في عدة مواقع تفاجأ اﻷردنوين بالتقدم اﻹسرائيلي في الليل و بالهجوم المفاجئ الذي تبع ذلك. ورغم المفاجأ، استعاد اﻷردنيون رباط جأشهم و قاموا بهجوم مرتد عنيف "لم يسبق له مثيل" حسب وصف المقدم ناتانيل لورش Nathanel Lorch. و كانت المعارك شديدة تأرجح التقدم فيها بين كلا الطرفين. و في وقت معين، اجبر اﻹسرائيليون اﻷردنيين على التراجع عن قرية مهمة عن طريق محاولة تطويق القرية. و شن اﻷردنيون بعدها هجوما مرتدا باستخدام المدرعات و المدفعية الميدانية ادت ﻹخراج اﻹسرائيليين من قرية اخرى مهمة. و في نهاية يوم 17 يوليو، نجحت المقاومة اﻷردنية العنيدة في ايقاف الهجوم التطويقي اﻹسرائيلي المزدوج، و قد كان بين فكي الكماشة اﻹسرائيلية حوالي 3 كم فقط قبل اتمام الحصار على اللطرون.

في 18 يوليو قام اﻹسرائيليون بمحاولتهم اﻷخيرة. هذه المرة كان الهجوم بالتعرض المباشر ضد قلعة اللطرون نفسها على امل ان الهجمات السابقة قد اضعفت حامية القلعة بحيث تسقط بهجوم اخر. سحب اﻹسرائيليون سرية من لواء يفتاخ المرهق. و مشاة ميكانيك و دبابات من اللواء الثامن المدرع. كان اﻷردنيون مرهقين ايضا، و على ما يبدو قد سحبوا معظم قواتهم خارج القلعة لصد الهجوم على اجنابها. و على الرغم من ما سبق، صبّت المدفعية اﻷردنية نارا مكثفة على الدروع اﻹسرائيلية اثناء تقدمها نحو المواقع اﻷردنية. و قد حقق اﻹسرائيليون تقدما جيدا بداية اﻷمر حتى ادى خلل في اﻹتصال في ايقاف الهجوم و البدء باﻹنسحاب. و ادى انسحاب الدروع لسحب المشاة اﻹسرائيليين ايضا خوفا من النيران اﻷردنية. و قبل ان يستدرك اﻹسرائيليون هجومهم دخلت الهدنة الثانية حيز التنفيذ، و كان اﻹسرائيليون وصلوا الى ماقبل الطريق الذي يربط قلعة اللطرون بباقي الضفة، و لولا وقف اطلاق النار، لكن باستطاعة اﻹسرائيليين قطع كل امداد عن القلعة حتى تستسلم.


النطاق الدفاعي اﻷردني (مخطط بني) و النطاق الهجومي اﻹسرائيلي (مخطط ازرق) حول اللطرون نهاية الهجوم اﻹسرائيلي يوم 19 يوليو 1949

عند انتهاء الهدنة الثانية نهاية اغسطس، لم تملك عمان او تل ابيب اي رغبة لاستئناف القتال ضد الطرف الثاني. فقد ادرك غلوب ان الموقف العسكري قد اصبح اقرب للتعادل دون ان يكون اي طرف قادر على اختراق خطوط الطرف الاخر، و ان اي محاولة لتحريك خط الجبهة ستكون مكلفة جدا. اضافة لذلك، فإن القتال الشرس في اللطرون قد استنزف المخزون اﻷردني من القذائف و القذائف مضادة الدروع و القنابل اليدوية. و من ناحية الملك عبد الله، و رغم خيبته من عدم امكان تامين كل القدس، كان عنده امور اخرى ليهتم بها. تحديدا، اراد الملك ان يؤمن باقي مناطقي الضفة الغربية تحت السيطرة اﻷردنية. حيث كان هناك وجود عسكري عراقي في شمال الضفة و كان للمصريين وجود قوي في اريحا. اراد الملك عبد الله ان يركز جهوده لضمان سيطرته على هذه المناطق بدل تبذير القوات و السلاح في معارك لا فائدة منها امام اﻹسرائيليين. و نتيجة لتوافق المصالح، خف القتال بشكل تدريجي على جبهة اﻷردن - اسرائيل. حث القادة الميدانيون جنودهم من كلا الطرفين على القنص و التحرش بالنيران لكن لم يتم عمل اي عمليات كبيرة. و في نوفمبر قال الملك عبد الله ببدء مفاوضات فردية مع الجانب اﻹسرائيلي و تم اﻹتفاق على وقف اطلاق النار في اﻷول من ديسمبر. 


الموقف العسكري بعد انتهاء الهدنة الثانية اكتوبر 1948



الفعالية العسكرية للجيش اﻷردني في حرب عام 1948

كانت عمليات القوات اﻷردنية ضد الجيش اﻹسرائيلي المبتدئ عام 1948، و بدون شك، افضل اداء ﻷي جيش عربي ضد عدو له في العصر الحديث:
1- وحده من ضمن الجيوش العربية، تصرف اﻷردنيون و حاربوا كجيش حديث، محترف.
2- ابدت الوحدات الأردنية تماسكا متميزا، و تشبثت الوحدات في مواقعها تحت اشد الضغوط (مثل معركة اللطرون الثانية).
3- و قد اظهر الجنود مرارا و تكرارا مستوى عال من الشجاعة و هناك قصص لا تعد في هذا الصدد مصدرها الجانبين.
4- و قد اظهر اﻷردنيون فهما جيدا للعمليات المشتركة، و اعتادوا الدمج بين المشاة و الدروع و المدفعية بشكل افضل من اﻹسرائيليين.
5- كانت دقة التصويب للأردنيين عالية جدا، و هجومهم المضاد حسن التوقيت و عنيفا.
6- قامت الوحدات اﻷردنية بحراسة اجنابها بشكل جيد و لم تقع تحت شلل الصدمة عندما نجح اﻹسرائيليون في اختراق اجنابهم.
7- قامت القوات اﻷردنية بالدوريات بشكل مستمر و تحوطوا للمفاجآت اﻹسرائيلية و فجأوهم مرات عديدة.
8- اظهر الضباط اﻷردنيون الصغار مبادرة حقيقية، و استغلال للفرص (مثل احتلال قلعة اللطرون عندما تركها اﻹسرائيليون تحت حراسة خفيفة) اﻷمر الذي اثر في مجرى الحرب بشكل حاسم.
9- قام القادة الميدانيون بعمل هجمات معاكسة بتوقيت جيد و بشكل فعال مما كان عاملا حاسما في كثير من المعارك.
10- اخيرا اظهر القادة قدرات عالية في المناورة بالقوات لتحصيل اي ميزة في مسرح العمليات، رغم ان معظم الهجمات اﻷردنية كانت بالتعرض المباشر.   

و رغم كل هذا اﻷداء الجيد، فإنه يجب اخذ عاملين باﻹعتبار عند تقييم الجيش اﻷردني في هذه الحرب:
أولاً، رغم التقدير بأن الجيش اﻷردني حارب افضل من أي جيش عربي اخر خلال الحرب، و في احيان كثيرة حارب بنفس مستوى الجيش اﻹسرائيلي ان لم يكن أفضل، فإننا يجب ان لا نندفع باﻹشادة كثيراً. فاﻷردنيون لم يواجهوا خصما قديرا و كان هناك عدة عوامل تلعب في مصلحتهم اثناء الحرب. و لو تجاوزنا عن (اسطورة الجيش اﻹسرائيلي)، فإن اداء الهاجاناه كان سيئا عام 1948 بشكل عام و ان  كانت قدرات وحداتها متباينة. و كان تسليح اﻹسرائيليين و تدريبهم سيئا و الخصومة بينهم موجودة. و كان عندهم مشكلة في اللغات المختلفة للمقاتلين و ضعفهم في استخدام سلاحهم الضعيف اصلا. بعض وحدات الهاجاناه لم تهتم باﻹستطلاع و تفاجات من بعض تحركات اﻷردنيين بشكل كان يمكن تجنبه بسهولة. و تمكن اﻷردنيون من الدفاع عن مرتفعات الضفة الحصينة، بينما كان اﻹسرائيليون مضطرين للهجوم من الساحل للمرتفع. و أخيرا كان اﻹسرائيليون مضطرين لمواجهة 5 جيوش عربية مختلفة، اﻷمر الذي منعهم من تركيز قواتهم على اﻷردنيين.

و رغم كل ما ذكر من ميزات للأردنيين، فأنهم لم يحصلوا على أكثر من التعادل مع اﻹسرائيليين. و قد هزم اﻷردنيون مرارا و تكرارا الهجوم اﻹسرائيلي على مواقعهم الحصينة. و كان معظم النجاح اﻹسرائيلي الهجومي (في اللد و الرملة و القدس) هو ضد قوات اردنية صغيرة العدد، بينما صمدت القوات اﻷردنية الكبيرة في اللطرون و القدس القديمة ضد هجمات اسرائيلية عنيفة و متعددة. و في كل تلك الهجمات تقريبا، كان التقدم اﻷسرائيلي عبارة عن تعرض مباشر سيء التنفيذ اوقع المهاجمين تحت رحمة النيران اﻷردنية. النجاح اﻷردني الدفاعي لم يوازيه نجاح في الجانب الهجومي. فقط 3 قصص نجاح اردنية في الناحية الهجومية: مستوطنات عتصيوني، الحي القديم في القدس، و منطقة الشيخ جراح. و تمت هذه النجاحات الثلاث أول الحرب و قبل الهدنة اﻷولى و كلها كانت انجازات صغيرة لم يواجه فيها اﻷردنيون قوات كبيرة مدربة و مسلحة. فعلى سبيل المثال في الشيخ جراح: هزمت كتيبة اردنية معززة بالمدفعية و السيارات المدرعة 17 جندي مشاة من اﻷرغون. و حتى لو كان الموقع لمصلحة المدافعين الصهاينة، كان الفارق العددي كبيرا لمصلحة اﻷردنيين، و لا يمكن اخذ النصر كدليل على قوة الأردنيين الهجومية. و على العكس، عندما واجه اﻷردنيون قوات اكثر عددا و افضل تدريبا - مثل بوابة المندلباوم عند النوتردام في القدس - لم يؤدي الهجوم ﻷي نتيجة. 

عامل اخر يجب اﻹشارة اليه عند ذكر التميز اﻷردني في تلك الحرب: هو دور التدريب و القيادة البريطانية. يوجد اجماع بين الخبراء في الجيش اﻷردني و في حرب 1948 على ان الدور البريطاني كان اهم العوامل في الفعالية العسكرية اﻷردنية. على سبيل المثال يذكر العقيد اﻹدروس El-Edroos و دوباي Dupuy ان الفضل يعود في تميز الجيش اﻷردني الى سنوات من التدريب و اﻹشراف البريطاني. ويمكن اعادة النظر لكل ما تميز به المقاتل اﻷردني من مهارات قتالية الى سنوات الخدمة الطويلة و التدريب المتواصل، و اعتبار النجاحات للضباط الميدانيين في امور مثل التصرف الفردي عند الضرورة و اتقان المناورات و الهجوم المرتد امتدادا للإشراف البريطاني المستمر على الجيش منذ تأسيسه. 











Sunday, February 16, 2014

العرب في الحرب - الفعالية العسكرية للجيوش العربية بين عامي 1948 و 1991 - الجيش العربي اﻷردني - 4 - معركة الكرامة

بعد كارثة حزيران 1967 ادرك قادة الجيش اﻷردني ان عليهم اخذ العبر مما حصل و تصحيح مشاكلهم السابقة. احد اهم اﻹستنتاجات من تلك الحرب كان معاناة الجانب اﻷردني من (نزوع ثقافي تجاه خداع الذات). و لتصحيح المشكلة قامت القيادة العليا بتعديل نظم التدريب لتعزيز صدقية التقارير الميدانية قبل كل شيء. و ربما بسبب ادراكهم صعوبة الحصول على تقييم ذاتي موضوعي، احضرت عمان فريقا من الضباط الباكستانيين  لعمل تقرير ما بعد المعركة و لعمل توصيات لكيفية اصلاح الجيش العربي اﻷردني بشكل شامل. 

و بناءا على هذه المراجعة الخارجية، قام اﻷردن بعدد من التغييرات في القوات المسلحة:
1- تم تأسيس وحدات على مستوى الفرق.
2- تم ترشيق القيادات العليا و تم الغاء المناصب المتكررة.
3- تم تعزيز سلطات قيادة اﻷركان.
4- تم اضافة سرية رابعة لكل كتيبة و إضافة كتيبة رابعة لكل لواء لتعزيز قدرات الصمود التكتيكي.
5- تم تجديد المناهج التدريبية لتركز على المبادرة، اﻹستقلال في القرار، و العمليات المشتركة بين اﻷسلحة المختلفة.
6- تم وضع خطط لبناء سلاح جو اكبر و احدث يركز على الصد الجوي و على القصف اﻷرضي.

خط سير المعركة

لم يكن الأردنيون وحدهم من تعلم درسا من حرب 1967. بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة، استنتج الفلسطينيون ان عليهم الإعتماد على انفسهم اذا ارادوا استرجاع اراضيهم. بدأ الفدائيون بمهاجمة اسرائيل مرة اخرى بمعدل اعلى و بشدة اكبر مما قبل الحرب. و قد منع المصريون و السوريون - اللذان لا يزالان يشعرون بقدر الضربة العسكرية الإسرائيلية من الحرب السابقة من القيام بهجمات من حدودهم. و بسبب العدد الكبير من الفلسطينيين في اراضيه، لم يكن الأردن في موقف يسمح له بمنع عمليات الفدائيين من اراضيه و صار الأردن القاعدة الرئيسية للعمل الفدائي. و من جانبهم، اعاد الإسرائيليون العمل بسياسة الإنتقام ضد الفلسطينيين و ضد الأردن. و بدوره، قام الجيش الإردني بإعادة تنظيم نفسه لمنع اسرائيل من اختراق سيادة اراضيه.

كان الكثير من اﻷنشطة الفدائية ينطلق من قاعدة تم تأسيسها في منطقة الكرامة قريبا من جسر ألينبي على الحدود. و منذ 14 مارس 1968 بدأت المخابرات اﻷردنية تلتقط اشارات عن عمل عسكري اسرائيلي تجاه البلدة. بدأت و حدات الجيش اﻹسرائيلي تتجمع عند جسري الينبي و داميا و لاحظ اﻷردنيون وجود تجمعين لضباط اسرائيليين كبار في المنطقتين. و ردا على ذلك حرّكت عمان الفرقة اﻷولى مشاة و تم اتخاذ المواقع الدفاعية قريب الجسرين و حول المخيم الفلسطيني في بلدة الكرامة. بحلول يوم 20 مارس تعرفت المخابرات اﻷردنية على وجود القوات اﻹسرائيلية التالية:
1- اللواء السابع مشاة.
2- اللواء 60 مدرع.
3- اللواء 35 مظليات.
4- اللواء 80 مشاة.
5- كتيبة مهندسين.
6- خمس كتائب مدفعية.

كانت كل هذه الكتائب متمركزة بين جسري الينبي و داميا. و بسبب هذا العدد الكبير من القوات (حوالي نصف القوات التي دخلت الضفة) و الحالة السيئة للجيش اﻷردني بعد اقل من عام على حرب 1967. خشيت القيادة اﻷردنية ان يكون اﻹسرائيليون يعدون العدة لاحتلال عمان.

اتخذت الفرقة الأولى مشاة مواقعها على الجسرين، و حول البلدات الممتدة بينهم وعلى سفوح الضفة الشرقية لنهر اﻷردن. تم الحاق اللواء 60 المدرع (الذي تم اعادة تشكيله و لكن بقي ناقصا بسبب خسائر حرب 1967) بفرقة المشاة. و تم توزيع بعض وحدات اللواء مع المشاة لمنح قوة تدريع اكبر للمشاة. و اضاف الجيش معظم سياراته المدرعة، و اسلحته المضادة للدروع، و مدفعيته لقوات الفرقة لتعزيز قدراتها. و صار القوات المدافعة تمتلك 105 دبابات باتون و 88 قطعه مدفعية. توزعت المشاة عند مداخل جسر الينبي و جسر داميا و جسر الملك عبد الله جنوب جسر الينبي. و كل وحدة مشاة كان معها سرية دبابات. و معظم الدبابات الباقية و وحدات المدفعية تركزت بشكل مشرف على بلدة الكرامة.

كان اﻹسرائيليون يحضرون فعلا لعمل هجومي على الكرامة. لكن قواتهم و طوحاتهم لم تكن بخطورة التصورات اﻷردنية. فقد وضع اﻹسرائيلين:

1- تشكيل اقل من لواء دروع
2- لواء مشاة
3- كتيبة مهندسين
4- 5 كتائب مدفعية
5- كتيبة مظليين.

 تم تقسيم القوات اﻹسرائيلية ﻷربع قوات، كل واحدة تنفذ مهمة محددة:
1- اكبر القوات مهمتها عبور جسر الينبي و التقدم نحو الكرامة من الجنوب.
2- القوة الثانية تبعد القوات اﻷردنية على جسر داميا و تتقدم نحو الكرامة من الشمال. بهدف حصار الفدائيين.
3-انزال المظليين على بلدة الكرامة.
4- القوة الرابعة تعمل هجوما تمويهيا على جسر الملك عبد الله في الجنوب لهدفين: سحب بعض القوات اﻷردنية المدافعة عن الكرامة و حماية جناح الهجوم الرئيسي الداخل من جسر الينبي.




لليوم من الصعب التيقن بدقة من مدى اهداف الجيش اﻹسرائيلي من هذا الهجوم. كونهم ارادو تدمير المعسكري الفلسطيني في الكرامة و اسر و قتل الفدائيين امر مؤكد. لكن من الغير الواضح حتى اليوم هو المدى الذي ارادوا فيه مواجهة الجيش اﻷردني. من شبه المؤكد ان اﻹسرائيليين كانوا يعلمون بوجود الفرقة اﻷولى مشاة حول البلدة، مما يظهر انهم ارادوا قتال الجيش اﻷردني و تأديبه.

فجر 21 مارس، قامت القوات اﻷربعة اﻹسرائيلية بهجومها بنفس التوقيت بدون اي تحضير بقصف مدفعي او جوي. شمالا تم دفع الجيش اﻷردني و قام المهندسون اﻹسرائيليون ببناء جسر عائم. و لكن عندما عبر اﻹسرائيليون الجسر العائم و استداروا جنوبا لضرب الكرامة اصطدموا بكتيبة مشاة اردنية معززة بالدروع و المدفعية و اسلحة مضادة للدبابات. طلب اﻹسرائيليون الدعم الجوي لكن سلاح الجو اﻹسرائيلي لم يستطع ضرب المواقع اﻷردنية المحصنة بشكل مؤثر، و صمد اﻷردنيون في مواقعهم. و لم يناور اﻷردنيون خارج مواقعهم الدفاعية للحصول على اي ميزة تكتيكية خلال المعركة لكنهم نجحوا في ايقاف عدة هجمات بالتعرض المباشر من اﻹسرائيليين. أما اقصى جنوب ارض المعركة فقد فشلت القوات التمويهية حتى في العبور نحو الحدو اﻷردنية عبر جسر الملك عبدالله رغم المحاولات المتكررة و الدعم اﻹسرائيلي الجوي. و هناك كانت المواقع اﻷردنية معدة بشكل و مكان مناسب لتوجيه قوة نارية كبيرة على منطقة الجسر نفسها مما ادى لعجز اﻹسرائيليين عن التقدم من ذلك المحور.

اكثر المحاور نجاحا للجانب اﻹسرائيلي كان محور الهجوم الرئيسي صوب الكرامة. فقدت هبطت القوات المظلية (المسقطة عبر الحوامات) على البلدة اولا و بدأت تطهير المعسكر الفلسطيني. و قد تمكن الجهد اﻹسرائيلي الرئيسي من اختراق الدفاع الأردني حول جسر الينبي و اﻹنتشار. و قامت بقية القوات المظلية مع بعض الدروع انطلقت شمالا لمساندة قوات المظليين في الهجوم على المعسكر الفلسطيني. حارب الفلسطينيون بقوة و شارك معهم المشاة اﻷردنيون مع اسناد مدفعي من المرتفعات المحيطة . و رغم هذه المقاومة الشديدة، فلم يستطيعوا منع اﻹسرائيليين من تدمير معظم المعسكر و اجبار ياسر عرفات على المغادرة و اسر و قتل معظم المدافعين الفلسطينيين. و قامت وحدة صغيرة من الدروع و المظليين بعمل مواقع صد جنوبا لحماية الجناح اﻷيمن من الهجوم الرئيسي اﻹسرائيلي  من اي هجوم قد يقوم به لواء المشاة اﻷردني المقابل لجسر الملك عبدالله (بعد فشل الهجوم على جسر الملك عبدالله الذي كان مخصص لتلك المهمة). ارسل اﻷردنيون بعض الدروع من تلك الناحية لكن كلا الطرفين لم يدفع بقوة لاختراق خطوط الدفاع الخاصة بالطرف الثاني من هذه الناحية.

قامت قوة اسرائيلية اكبر من الدروع و المشاة بالتقدم شرقا لقطع طريق السلط-جسر الينبي. و كان التشكيل اﻷساسي للواء المدرع 60 متمركز على شكل احتياط على هذا الطريق، و اندلع  قتال بين الطرفين عندما رغبت القوات اﻷردنية بالمشاركة في المعركة الجارية في بلدة الكرامة. و في معركة شديدة، خسر اﻷردنيون 8 دبابات باتون دون اي خسائر من الطرف اﻹسرائيلي. و تراجعت القوات اﻷردنية نحو التلال، حيث تحصنوا هناك و استمروا في قصف القوات اﻹسرائيلية المتمركزة اسفلهم. و رد اﻹسرائيليون بقصف جوي على القوات المتحصنة في المرتفعات و لكنه كان قليل التأثير على دقة و حجم النيران اﻷردنية.

في نهاية اليوم، اكتفى الطرفان من القتال. و انسحب اﻹسرائيليون مع اسراهم الفلسطينيين و لم يقم اﻷردنيون بملاحقتهم. و قام الطرفان بإعلان انتصارهم في المعركة. حيث ادعى اﻹسرائيليون ان قواتهم حققت هدفها بتدمير مخيم الكرامة، بينما ادعى اﻷردنيون انهم احدثوا خسائر كبيرة بالجيش اﻹسرائيلي و منعهوم من الهجوم على العاصمة عمان. خسر اﻹسرائيليون 28 قتيل و 69 جريح إضافة ل 4 دبابات و 3 ناقلات و مدرعتان و طائرة اسقطتها المدافع اﻷردنية المضادة للجو. تم تعطيل 24 دبابة اسرائيلية و لكن تمكن اﻹسرائيليون من جرها غرب النهر و اصلاحها. خسر الفلسطينيون 100 قتيل و 100 جريح و حوالي 120-150 اسير. خسر اﻷردنيون 61 قتيل و 108 جريح و 13 دبابة مدمرة و 20 معطلة و 39 عربة مختلفة تم تدميرها او تعطيلها.

اداء الجيش اﻷردني في معركة الكرامة:
المستوى اﻹستراتيجي:
1- على الرغم من وجود قليل من الشك ان نوايا الجانب اﻹسرائيلي في التقدم نحو عمان، فإن اداء الجيش اﻷردني - على ما يبدو - قد فاجأ الجانب اﻹسرائيلي. و من المرجح ان اﻹسرائيليين لم يتوقعوا عدد القوات التي كانت امامهم و لا شدة مقاومتها . و رغم استطاعة اﻹسرائيليين تدمير معسكر الكرامة و قتل و اسر معظم من كان فيه، فأنهم لم يحدثوا مقدار الضرر الذي ارادوه بالجانب اﻷردني. و لو كان من اهدافهم تأديب الجيش اﻷردني في ذلك اليوم، فقد خاب املهم بالتأكيد.

2- القيادة اﻷردنية على المستوى اﻹستراتيجي كانت جيدة جدا، و ربما يعكس ذلك التغييرات التي اجرتها عمان في اعقاب حرب 1967. على المستوى اﻹستراتيجي، كانت اﻹستخبارات الحربية جيدة جدا برصد الحشد اﻹسرائيلي و توقع مكان الهجوم. و لو كان توقعهم بان عمان هي هدف الهجوم النهائي مبالغا فيه، فإنه احسن خطأ ممكن ان ترتكبه اي استخبارات عسكرية: فهو ما جعل الجيش اكثر من مستعد للمعركة بدل ان يكون مستوى اﻹستعداد و الحشد اقل من اللازم. كانت القيادة العسكرية اﻹستراتيجية على مستوى الحدث بتحريك فرقة المشاة نحو الكرامة و تعزيزها بالدروع و المدفعية و مضادات الدبابات.

3- مستوى التحصينات اﻷردنية و ترتيبها حوال الكرامة كانت جيدة جدا. و اظهرت تحسنا عن تحصينات اﻷردن في الضفة الغربية عام 1967. و كانت القوات اﻷردنية موزعة بشكل يغلق كل محاور التقدم ، و تغطي نيرانها كل نقاط اﻹلتحام. و في غالب الوقت حرص المخطط اﻷردني على توفر ميزات الموقع، و التحصين، والقدرات النارية الكثيفة إضافة للمانع الجغرافي الممتاز كلما واجهوا اﻹسرائيليين.

على المستوى التكتيكي:  
لا يمكن عمل استنتاجات بشكل عام على اﻹصلاحات اﻷردنية على اﻷداء التكيتيكي اﻷردني في هذه المعركة، لكن ما اظهرت لك يكن مشجعا جدا:
1- كانت المدفعية دقيقة لكنها معظمها من جداول معدة سلفا و بالتالي من الصعب ايجاد اي تقدم مقارنة بحرب 1967 التي شملت رماية بنفس التكتيك.
2- كلما تواجهت الدروع من الجانبين - و هذه مواجهات كانت تقريبا متعادلة باﻷنواع و الأعداد - كانت النتيجة اما نصر اسرائيلي او تعادل على احسن حال، و هو ما كان يصب في مصلحة اﻹسرائيليين في منع الدروع اﻷردنية من اﻹقتراب من القوات المظلية الموجودة في الكرامة. في الهجوم الرئيسي للواء 60 المدرع القادم من السلط، تم صد اﻷردنيين بدون صعوبة من قبل اﻹسرائيليين. و الوحدات المدرعة كانت في غالبها سلبية، حيث لم تقم الدروع اﻷردنية بعمل هجوم مضاد حتى على المستوى المصغر على اي من القوات اﻹسرائيلية المهجامة باستثناء الهجوم الرئيسي. و بقيت معظم الدروع اﻷردنية في مخابئها و على المرتفعات تضرب من بعد بدل اﻹشتباك مع اﻹسرائيليين. 

Tuesday, October 15, 2013

Irrational Exuberance, Robert J. Shiller

"Other than those two periods (right after WWII, with the first increase starting just before the war ended. and a period that appears to reflect a lagged response to the 1990 stock market boom), real home prices overall have been mostly flat or declining. Moreover, the overall increase (with real prices up 66% in the 114 years from 1890 to 2004, or 0.4% a year) was not impressive." P:20

"The problem is that people in glamorous regions often tend to believe that land prices, already a significant component of home value there, will keep going up and up. Surely, they think, there is some advantage to living in those areas. People do enjoy the prestige of living in an area where celebrities live, and they also benefit from the business opportunities there. It is easy for residents there to imagine that more and more people are thinking similarly, and that they will continue to bid up real estate prices in their city. This is irrational exuberance in the context of real estate". P:24

"But one must remember the implicit dividends that one receives from living in a home, that is, the value of the shelter and other services provided by a home. These dividends are untaxed. It is often said (correctly) that these is a tax advantage to owning rather than renting. If one swapped houses with one's neighbour living  in an identical house and each paid rent to the other (so that the rent received would cancel out the rent paid), the transaction would be virtually meaningless from an economic standpoint, but it would incur taxes, since the rent received would be taxable while the rent paid would not be deductible. For this reason, most people are well advised to buy rather than rent the homes they live in." P:25

"Life was simpler once; one saved, and bought a home when the time was right. One expected to buy a home as part of normal living, and didn't think to worry about what would happen to the price of homes. The increasing large role of speculative markets for homes, as well as other markets, has fundamentally changed our lives." P27

"Understanding the factors that precipitate market moves is doubly difficult because the timing of the major market events tends no to be lined up well with the timing of the precipitating factors. The precipitating factors often tend to be medium-term trends that catch the public's attention only after they have been in place for a long time. The timing of specific market events is, as we shall discuss in the next chapter, directly determined by people's reactions to the market and to each other, which impart to the market complex internal dynamics. But we must look at the precipitating factors if we are to understand why the market moves." P:32

Analysts were especially reluctant to makes sell recommendations near the peak of the stock market for a couple of reasons. One reason often given for this reluctance is that a sell recommendation might have incurred the wrath of the company involved, and companies could retaliate by refusing to talk with the analysts whom they viewed as submitting negative reports, excluding them from information sessions, and not offering them access to key executives as they prepare earning forecasts. This situation on the way to the peak of the market represented a change in the fundamental culture of the investment industry, and in the tacit understanding that recommendations are as objective as the analyst can make them.
Another reason that many analysts were reluctant to issue sell recommendations is that an increasing number of them were employed by firms that underwrite securities, and these firms did not want their analysts to do anything that might jeopardize this lucrative side of the business. Analysts affiliated with investment banks gave significantly more favourable recommendations on firms for which their employer was the co- or lead underwriter than did unaffiliated analysts, even though their earnings forecasts were not usually stronger" P:45

"Encouraging longer-term thinking among investors is probably, all in all, a good thing. But an additional effect of 401(k) plans as they are structured today may be to boost demand for stocks further through another psychological mechanism. By offering multiple stock market investment categories for employees to choose among, employers can create demand for stocks. An effect of categories on ultimate investment choices was demonstrated by economists Shlomo Benartzi and Richard Thaler. They found, using both experimental data and data on actual pension fund allocations, that many people tend to spread their allocations evenly over the available options, without regard to the contents of the options. If a pension plan offers a choice of a stock fund and a bond fund, many people will put 50% if their contributions into each. If the plan instead offers a choice between a stock fund and a balanced fund (with say 50% stocks and 50% bond in it), many people will still tend to put 50% into each, even though they are now really putting 75% of their portfolio into stocks.

The options offered as part of 401(k) plans tend to be heavily weighted in favour of stocks. In contrast, most 401(k) plans do not have any real estate options. In this way the growth of 401(k) plans has encouraged the growth of public interest in the stock market relative to the real estate market." P:48

"In 1979 economists Franco Modigliani and Richard Cohn published an article arguing that the stock market reacts inappropriately to inflation because people do not fully understand the effect of inflation on interest rates. When inflation is high - as it was when they wrote, near the bottom of the stock market in 1982 - nominal interest rates (the usual interest rates we see quoted every day) are high because they must compensate investors for the inflation that is eroding the value of their dollars. Yet real interest rates (interest rates as corrected for the effects of inflation) were not high then, and therefore there should not have been any stock market reaction to the high nominal rates. Modligiani and Cohn suggested that the market tends to be depressed when nominal rates are high even when real rates are not high because of a sort of  "money illusion", or public confusion about the effects of a changing monetary standard. When there is inflation, we are changing the value of the dollar, and therefore changing the yardstick by which we measure values. Faced with a changing yardstick, it is not surprising that many people become confused.

Public misunderstanding about inflation at the present time encourages high expectations for real (inflation-corrected) returns. Most data on past long-run stock market returns are reported in the media in nominal terms, without correction for inflation, and people might naturally be encouraged to expect that such nominal returns would continue in the future. Inflation today is under 2%, compared with a historical Consumer Price Index level of inflation that has averaged 4.4% a year since John Kennedy was elected president in 1960. Therefore, expecting the same nominal returns we have seen in the stock market since 1960  is expecting a lot more in real returns." P:51

"Many of the major finance textbooks today, which promote a view of financial markets as working rationally and efficiently, do not provide arguments as to why feedback loops supporting speculative bubbles cannot occur. In fact, they do not even mention bubbles or Ponzi schemes. These books convey a sense of orderly progression in financial markets, of markets that work with mathematical precision. If the phenomena are not mentioned at all today, then students are not given any way to judge for themselves whether or not they are in fact influencing the market." P:78

"...high pricing of the market in 1901 was not followed by any immediate or dramatic price decline, but rather that prices ceased to increase and that eventually, after some twenty years had elapsed, the market had lost most of the real value it had had in 1901. The change took so long to work itself out that it is rather more generational in character, and therefore it is hard to find comment about in the media." P:125

"End of new eras seem to be periods when the focus of debate can no longer be so upbeat. At such times, a public speaker may still think that it would be good business to extol a vision of a brilliant future for the economy, but it is simply not credible to do so. One can, at such times, present a case that the economy must recover, as it always has, and that the stock market should go up, as it historically has, but public speakers who make such a case cannot achieve the command of public attention they do after a major speculative market run-up and economic boom. There are times when an audience is highly receptive to optimistic statements, and times when it is not." P:131

"The data on which these tables are based confirm for countries the results first discovered by Warner De Bonds and Richard Thaler: that winner stocks - in winner status is measured over long intervals of time such as five years - tend to do poorly in subsequent intervals of the same length, and that loser stocks - if loser status is measured over equally long intervals - tend to do well in subsequent intervals of the same length" P:142

"Quite possibly, the tendency for individual countries' stock market valuations to grow dramatically and then to be reversed will diminish in the future. With freer capital movement than were possible during the periods covered by the examples in the tables, and with more and more global investors seeking profit opportunities buying undervalued countries or shorting overvalued countries, markets may become more stable. Even so, it is unlikely that these forces will soon eliminate the potential for such movements, particularly infrequent and slow large-country events or worldwide events, for which the attendant profit opportunities are slow and hard to diversify, The possibility of major speculative bubbles, now and in the future, cannot be ignored." P:142

"It has been notes that employees have a tendency to invest in company stock, even though it would appear to be more in their interest to diversify away from the source of their own livelihood...This tendency to invest in company stock can be interpreted as consistent with investors' being influenced by stories: they know many more stories about their own companies and so invest in those companies' stocks.

People also appear to want to construct simple reasons for their decisions, as if they feel the need to justify those decisions in simple terms - if not to others, then to themselves. The need to have a simple reason to explain decision is similar to the need to have a story behind a decision; both the stories and the reasons are simple rationales that can be conveyed verbally to others." P:151

"A fundamental observation about human society is that people who communicate regularly with one another think similarly. There is at any place and in any time a Zeitgeist, a spirit of the times. It is important to understand the origins of this similar thinking, so that we can judge the plausibility of theories of speculative fluctuations that ascribe price changes to faulty thinking. If the millions of people who invest were all truly independent of each other, any faulty thinking would tend to average out, and such thinking would have no effect on prices. But if less-than-mechanistic or irrational thinking is in fact similar over large numbers of people, then such thinking can indeed be the source of stock market booms and busts." P:157

"Another piece of evidence that has been offered in support of the efficient markets history is that professional investors, institutional money managers, or securities analysts do not seem to have any reliable ability to outperform the market once account is taken of transactions costs and management fees. This result may seem puzzling, since once would think that professional investors are more educated about investing, more systematic, than individual investors. But perhaps the results is not too puzzling as it as first seems. Individual investors get advice from professional investors, and they can also observe (albeit with some time lag) what professional investors are doing. So there may be no significant difference between the success of professional investors and the market as a whole, even if their analysis is very valuable to others. Individual investors with substantial resources tend to be educated and intelligent people, too. Moreover, some recent studies have documented that professional analysts' advice is indeed worth something, if it is acted upon swiftly enough" P:180

"But in fact there is no shortage of systematic evidence that firms that are "overpriced" by conventional measures have indeed tended to do poorly afterward. Many articles in academic finance journals show this, not by colorful examples but by systematic evaluation of large amounts of data on many firms." P:183

"Stocks that are difficult to short tend to do relatively poorly as investments, as was shown by Stephen Figwelski in 1981. More generally, stocks that are just overpriced by various measures tend to do poorly relative to stocks that are underpriced. Sanjoy Basu found in 1977 that firms with high price-earnings ratios tend to underpreform, and in 1992 Eugene Fama and Kenneth French found the same for stocks with high price-to-book value. Werner De Bondt and Richard Thaler reported in 1985 that firms whose price has risen a great deal over five years tend to go down in price in the next five years, and that firms whose price has declined a great deal over five years tend to go up in price in the succeeding five years. Jay Ritter found in 1991 that initial public offerings tend to occur at the peak of the industry-specific investor fads and then to show gradual but substantial price declines relative to the market over the subsequent three years. Thus there is a sort of regression to the mean (or the longer-run past values) for stock prices: what goes up a lot tends to come back down, and what goes down a lot tends to come back up." P:183

"These findings, and similar findings by many other researchers, have encouraged an approach to the market called "value investing", that of picking portfolios of stocks that are underpriced by conventional measures, on the theory that they have been overlooked only temporarily by investors and will appreciate eventually. The other side of this strategy is to sell overpriced stocks short." P:183

"Another argument that markets are basically efficient, in the most global sense, is merely that stock prices roughly track earnings over time - that despite great fluctuations in earnings, price earnings ratios have stayed within a comparatively narrow range." P:184

"The relation between price-earnings ratios and subsequent returns appear to be moderately strong, though there are questions about its statistics significance, since there are fewer than twelve nonoverlapping ten-year intervals in the 115 years' worth of data.  There has been substantial academic debate about the statistical significance of relationships like this one, and some difficult questions of statistical methodology are still being addressed. We believe, however, that the relation should be regarded as statistically significant....long terms investors - investors who could commit their money to an investment for ten full years - did do well when prices were low relative to earnings at the beginning of the ten years and did do poorly when prices were high at the beginning of the ten years. Long-term investors would be well advised, individually, to lower their exposure to the stock market when it is high, as it has been recently, and get into the market when it is low." P:187

"...historically, when prices have been high relative to earnings as computed (using ten year moving average of earnings), the return in terms of dividends has been low, and when prices have been low relative to earnings, the return in terms of dividends have been high." P:187

"It is natural to suppose that when one is getting so much lower dividends from the shares one owns, one ought to expect  to earn lower investing returns overall. The dividend is, after all, part of the total return one gets from holding stocks (the other part being the capital gain), and dividends historically represent the dominant part of the average return on stocks. The reliable return attributed to dividends, not the less predictable portion arising from capital gains, is the main reason why stocks have on average been such good investment historically." P:188

"Thus the simple wisdom - that when one is not getting much in dividends relative to the prices one pays for the stocks it is not a good time to buy the stocks - turns out to have been right historically" P:188

"In fact, my article concluded, no movement of U.S. aggregate stock prices beyond the trend growth of prices has ever been subsequently justified by dividend movements, as the dividend present value with constant discount rate has shown an extraordinarily smooth growth plan." P:190

"So the "fact" of the superiority of stocks over bonds is not a fact at all. The public has not learned a fundamental truth. Instead, their attention has shifted away from some fundamental truths. They seem not to be so attentive to at least one genuine fundamental truth about stocks: that they are residual claims on corporate cash flow, available to stockholders only after everyone else has been paid. Stocks are, therefore, by their very definition, risky. Investors have also lost sight of another truth: that no one is guaranteeing that stocks will do well. There is no welfare plan for people who lose in the stock market." P:198

"A fundamental weakness of our free market system is that, especially during boom periods, there tends to be a decline in ethical standards through time, until there is some kind of scandal or crackdown, and then a public and government reaction to the scandal restores standards." P:210

"Traditionally, the rule for evaluating whether a borrower is borrowing too much is that no mortgage loan should exceed 2,5 years' income. But, recently, a widely used standard for home mortgage lending in the United States has been the 28/36 rule: the mortgage payments should be no more than 28% of the borrower's income, and all debt payments should be no more than 36% of the borrower's income. This rule allows mortgage lender to lend more generously when interest rates are low." P:211

"Cost cutting cannot go on ad infinitum. Cost cutting by laying off workers is a controversial move that has a good chance of a political response, such as raising taxes on corporations. It also carries with it the possibility of disruptive pretax earnings in the future. The best way to raise short-run earnings at the expense of longer-term earnings is to lay off one's quality (and expensive) people, substituting others who can keep things going as they are for a while but whose lack of ability will tend to be noticed in the longer run." P:214

"Resentment against the United States and its close allies, and their strong free enterprise system, has moral overtones too; people in many other countries that are not quite as strong economically wonder if their relative lack of economic success might not be due to their greater concern as societies and as individuals with quality, fairness, and human values. If such a moral basis for resentment gains solid ground in public thinking, it could lead to heightened efforts to compete with or exclude international corporations that are seen as American or allied with America." P:214

"Authorities who are responsible for pension plans should come out strongly against over-reliance on the stock market. They should instead recommend greater diversification and suggest that a substantial fraction of balances be put into safe investments, such as inflation-indexed government bonds" P:222

"New institutions or markets should also be created that would make it easier for individuals to get out of their exposure to the stock market. The institutions we have - such as short sales, stock index futures, and put options - are not particularly user-friendly, and most investors do not avail themselves of these. Many investors today feel themselves locked into their stock holdings because of the capital-gains-tax consequences of selling and their inability to find other ways of reducing their exposure." P:228

"People have to be encouraged by experts to understand that true diversification largely means offsetting the risks that they are already locked into. This means investing in assets that help insure their labor incomes, in assets that tend to rise in value when their labor income declines, or at least that do not tend to move in the same direction. The objective can be achieved by tacking positions in existing assets that are found to correlate negatively (or at least less positively) with specific labor incomes." P:229

Saturday, May 11, 2013

ربيع لم يبدأ، عزت القمحاوي، القدس العربي

ستمضي هذه الأيام السوداء. يستخفني التفاؤل فأقول ‘حتمًا’ وأتعقل فأقول ‘يجب’ وفي الحالتين فيقيني هو: ‘دوام الحال من المحال’.
ستمضي أيام القتل، لنعود أمة بين الأمم الحية، نقبل على الحياة ونمارس حقنا في البحث عن السعادة. وسيكون لدينا آنئذ وقت للأدب فالحياة مع قلة الأدب بليدة كحياة الأنعام.
ظرفنا الحالي لا يمكن القياس عليه. لا وقت للفن في ساحات الحرب، ولا مكان لروائح المتعة وسط روائح الجثث المتفسخة، لهذا فما تخرجه المطابع قليل منذ انطلاقة ثورة تونس. 
كثير من الكتاب والشعراء يخضعون لفترة صمت ما قبل التغيير احترامًا للصمت أو اضطرابًا أو انشغالاً بالعابر دون الباقي. والبعض من باب العادة أو المعاندة يكتبـــــــون. ومن غير المعقول أن تتغير الكتابة بهذه السرعة، فمن بـــين القليل الذي يُطبع يوجد القليل الجيد، والبقية تحكمها القوانين ذاتها التي أدامت زعماء في الكتابة والسياسة دون فطنة أو ميزة خاصة.
وسيبقى أدبنا محكومًا بهشاشة الكـــــذب نفسها إلى أن يأتي الربيع بالجديد؛ فلا ربيع من دون زهور قوية سترتبط ـ على الأغلب ـ مع جيل الأجداد الحر السابق على الترسيمة الأدبية المولودة من رحم تغييرات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي قادها ضباط طردوا المستعمر الأجنبي واستعمرونا بدلاً منه.
كانت الأيديولوجيا السياسية والعلاقات الشخصية موجودة دائمًا، عندنا وعند غيرنا، لكن العلاقة المباشرة مع القراء في نصف القرن الليبرالي قللت من الأثر السيء للانحيازات غير الفنية وأبقت على ما يستحق الحياة دون غيره. 
مشكلتنا بدأت في عصر الأدب والفن المدعوم؛ إذ صار من حق الرديء أن يمر، قبل الحسن، وصار الكاتب بحاجة إلى راع يرعاه أو ميليشيا تُنصبه فأصبح الانتماء للجماعة أهم من الانتماء إلى الفن وشروطه.
ينطبق هذا بوضوح ـ وعلينا أن نتحدث بصراحة ـ على الجيل الأشهر، جيل الستينيات الذي تنبغي مراجعة عطاءاته. ولا تعني المراجعة نفيًا لذلك الجيل أو تطبيقًا لمقولة ‘قتل الأب’ دون محاكمة؛ ففي ذلك الجيل مبدعون مجيدون، لكن عطاءه الفكري بحاجة إلى تأمل أكبر؛ فهو يبدو شديد الضآلة والهشاشة والتلفيقية إذا ما قيس بعطاء الجيل السابق عليه المنفتح على أصول المعرفة الإنسانية. 
أكاد أقول إن الستينيات جيل ضحية؛ فقد نال الكثير من تشجيع العسكر المرتابين في الكتاب المخضرمين أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد ونجيب محفوظ، وأتته لاحقًا منصات المؤتمرات الأدبية؛ أكثر آليات الثقافة بذاءة وابتذالاً، فأصبح الحضور على منصة أهم من الحضور بنص، ونمت في البستان الكثير من الحشائش الضارة.
وحفاظًا على المكاسب الشكلية تعلم أفراد الجيل أن يتحركوا مثل كتيبة تتقدم بأسلحتها ولا تتخلى عن جثامين موتاها، بل تحملها معها في تقدمها وتسبغ لقب ‘كاتب كبير’ على أمي، وتتخذ من حيل وألاعيب البقاء في الصورة أكثرها ضررًا؛ فكانت جهود محو أثر السابق وقتل اللاحق، وهذا أفدح، لأن قطع شجرة ليس في سهولة سحق زهرة.
نفتقد عمل المؤرخ الأدبي وإن وجدناه نفتقد النزاهة واللماحية في عمله، وربما سيكون من قبيل المفاجأة أن نتتبع انحيازات الكتاب إلى نصوص الأجيال التالية لهم؛ وسنكتشف أنهم كانوا يبشرون ـ إلا فيما ندر ـ بالأصوات غير الأصيلة، وسنكتشف ضخامة عدد من اختفوا بعد أن تنبأ لهم المعلمون الكبار بمستقبل باهر.
وسواء وجدنا ذلك المؤرخ أو لم نجد؛ فالمراجعة بدأت من القراء، مثلما بدأ التململ السياسي في الشارع دون انتظار لزعيم جديد. صار للفرد وزن قبل الربيع العربي بسنوات فأعلن الأفراد تمردهم على بنية العصابة في السلطة، كما أعلن القراء تمردهم على بنية العصابة في الفكر والإبداع.
وتقتضي الأمانة القول إن عصابات الأدب ليست في شراسة عصابات الحكم. وهذا هو حظ الأدب الحسن، فقد انهارت الدفاعات ولم يتبق سوى بعض جيوب المقاومة اليائسة.
فقد التلفيق معظم أرضه قبل الربيع العربي؛ لهذا تراجعت مكانة المثقف وصارت شهاداته مع أو ضد الربيع نافلة، لأن الجموع تحركت بفضل قسوة النهب الذي مارسته عصابات الحكم، والأجيال تثقفت بانفتاحها على العالم، ولم يعد أمام الكاتب إلا أن يقف بتواضع وسط الجموع لا أمامها أو يطلق عقيرته دفاعًا عن القديم الذي يحميه فيخرج دفاعه تافهًا عديم الضرر كضرطة في صحراء.
لماذا أقول كل هذا وأنا في الحقيقة، لم آت لألقي خطابًا؛ بل لأحتفي برواية أعجبتني، لكنني استهلكت حصتي من الصفحة في هذه المرافعة النفع، فإلى السبت القادم أيها القارئ السعيد ذو الرأي الرشيد.

Monday, April 29, 2013

الاردن: أين اختفى روبن هود؟ - بسام بدارين - القدس العربي - APRIL 29, 2013

يشيب الولدان لما نسمع في اوساط السياسيين وبعض قادة المجتمع الاردني من صمت مريب على انهيار منظومة الالتزام بالقانون والخاوات التي تفرض على المستثمرين واصحاب المصانع وفشل شبكة الاجهزة الحكومية في القيام بواجبها بايصال الخدمات لبعض المناطق او انفاذ القانون.
احد المستثمرين الكبار وجه عشرات النداءات للحاكم الاداري في منطقة يقيم فيها استثمارا ضخما بمئات الملايين، بسبب عملية الابتزاز الشرسة بالاسلحة التي يتعرض لها العاملون في مصنعه، فاضطر الرجل لحماية امواله بنفسه واستعان بمسلحين، في بداية غير محمودة لظاهرة الاعتماد على اليد والسلاح في حماية الذات.
رجل اعمال آخر استمعت له شخصيا تحدث عن خاوات يفرضها نفر من احدى مناطق الاطراف على شاحنات وسيارات الشركة التي يديرها، وشعار بعض الاهالي الذين يمارسون التعدي على القانون: ‘ادفع او نحرق شاحناتك على الطريق’.
الامر في بعض الطرق الدولية الواصلة بين المدن والمحافظات اصبح يحتاج لشرطي ورجال أمن مع كل آلية متحركة، وهو وضع جديد تماما على الاردنيين لم يسبق لهم ان عايشوه.
مدير اردني لشركة اجنبية في قطاع المياه يقسم امامي بأن الشركة تتفاعل مع دعوات المجتمع المحلي لتمديد وتوسيع شبكة المياه، لكنها من ثمانية اشهر تفشل في وضع الماكينة المخصصة لبئر عملاقة تم حفرها، لان احدا ما يأتي بالليل ويسرق الماكينة قبل تركيبها في اليوم التالي فيحرم المنطقة برمتها من المياه.
ليس سرا ان الصديق الناشط السياسي محمد خلف الحديد يلح علي منذ اكثر عام للقيام بجولة مصورة على جرائم السرقة التي تطال ‘اغطية المناهل’…بعض الاشقياء خصوصا في محيط مخيم الوحدات يحضرون في الليل ويخلعون غطاء المنهل ويبيعونه بالسوق بمبلغ لا يزيد عن 20 دولارا، علما بان ثمنه على الحكومة يزيد عن ذلك بكثير.
هل سرقة غطاء من الصلب مخصص للحفر الامتصاصية والمجاري سلوك له علاقة بالربيع العربي؟..نفس الامر ينطلق على كوابل النحاس المخصصة لتوزيع الكهرباء في محيط عمان وسحاب ومدينة الزرقاء، وكذلك كوابل مضخات المياه التابعة للمجالس البلدية.
في قطاع توزيع الكهرباء مثلا لا يدفع بعض القاطنين في الاطراف ثمن الفاتورة او تصبح عملية سرقة الكهرباء عادية ويومية، فيما توزع الكمية المسروقة على فاتورة المواطن الملتزم بالدفع.. بمعنى من يمتثل ويدفع ما عليه يدفع ايضا بدل المسروق فالعقاب لمن يدفع وليس لمن يسرق.
نشرت الصحافة المحلية خبرا عن رشاش الرصاص الآلي الذي استهدف موظفا في شركة الكهرباء حضر لقراءة العداد في مدينة المفرق فأمطره صاحب المنزل بوابل من الرصاص واصيب برصاصتين وكاد يقتل.
لاحقا اعلن رئيس الوزراء ان شركة الكهرباء الوطنية مغرقة بالديون وستتوقف عن الخدمة اذا لم ترفع الاسعار.. في ضوء الواقع يمكن ان نفهم سبب هذه الديون الان فمزارع ومصانع وورش علية القوم في الاطراف تضاء بكهرباء مسروقة ومن تهدده الحكومة برفع الاسعار هو عمليا المواطن الملتزم بالدفع عمليا.
يقول احد المسؤولين في جلسة خاصة بان 70% من مشتركي خدمات المياه في جنوب عمان لا يدفعون ما يستحق عليهم والمسألة هنا لا تتعلق بالتاكيد بمواطن ضعيف فقير، بل بحيتان يرتكبون هذه الممارسات ويسيئون للقانون ولاهلهم واقاربهم.
في بعض المناطق شرق وشمال البلاد تفشل اجهزة الحفر التابعة للسلطات المحلية بتنفيذ مشاريع الحفر في اراضي الدولة لاغراض خدمة المواطنين لان مسلحين باسم اهالي المناطق يظهرون ويهددون كل مهندس او عامل حفارة او فني صيانة، لذلك تتجاوز الكثير من المشاريع المقرة الوقت اللازم واموالها مجمدة.
يقسم احد العاملين في المطار بعمان العاصمة بان المياه التي تباع بالصهاريج لخدمات المطار هي مياه الحكومة التي تباع على الحكومة في مفارقة مضحكة، فبعض مخالفي القانون يحطمون انابيب المياه ويحولونها لملكية خاصة ويعبئون الصهاريج ويبيعونها مرة اخرى على حارة (السقايين) تمثيلا للاغنية التراثية المصرية الشهيرة (..جاي تبيع المية على حارة السئايين).
..المصيبة ان ذلك لا يحصل بصورة سرية ولا وراء ستار، بل يتحدث عنه جميع المسؤولين وفي كل المجالس وتعرفه السلطات جيدا.
انها عملية سرقة علنية لمال الدولة، وبالتالي لمال الناس يمارسها خارجون عن القانون او لصوص صغار وكبار جهارا نهارا وفم الدولة مليء بالماء لان الكثير من اللصوص الكبار لا زالوا بعيدين عن التحقيق او خلف القضبان او يتمتعون بثروات الشعب المنهوبة بالمليارات.
سمعت شخصيا من احد التجار كيف اضطر لاقفال مزرعته الضخمة لتفقيس البيض والدجاج لان بعض العاطلين عن العمل في المنطقة يهاجمون كل شاحنة تنقل المنتج ويصرون على تعيين اكثر من 50 منهم حراسا لمزرعة يسرقها من يحرسها في الواقع، علما بانها مزرعة لا تحتاج لاكثر من اربعة حراس.
الرجل ترك دجاجاته وبيضاته لاهالي المنطقة وهاجر بما تبقى لديه من مال الى دولة خليجية، اما نحو 120 موظفا من ابناء المنطقة فاصبحوا بلا عمل، بل اصبحت القرى المحيطة بلا دجاج ولا بيض في الواقع فقد اختفت السلعة وشاطت الاسعار.
من يعتدي باسم الناس والاهالي على اي تجارة او استثمار وعلى القانون يعتدي في الواقع على نفسه واهله ويؤذي الشعب وليس السلطة فقط، والتصدي لهذه الظاهرة غير ممكن الا بثورة من الشعب نفسه على كل لصوصه وقطاع الطرق من اولاده فهؤلاء مبتزون ومخالفون للقانون ولا يوجد بينهم روبن هود بنسخة اردنية يبتز الاثرياء ليطعم الفقراء.
لكن بالتاكيد يرتكب بعض المارقين هذه المخالفات لان الدولة (لم تكن صادقة) مع اهالي الاطراف فهي تتجاهلهم وتقصيهم ولا تجعلهم يتمتعون ولو ببعض الثروات التي تقام بينهم خلافا لان كذبة المناطق التنموية التي اسسها وزراء ومسؤولون على مدار عشر سنوات هدمت مصداقية الدولة عند الناس فاصبحت الحاجة ذريعة للانقضاض على كل شيء والفقر حجة لمخالفة القانون.
هذه الانفلاتات تستخدم غطاء الربيع العربي وتراخت لان عباقرة في مستوى القرار الامني والتنفيذي قبل عامين اخترعوا بعضها لصد موجة الجماهير التي تطالب بالاصلاح السياسي.
الفكرة كانت وقتها ببساطة كالتالي: لا نستطيع استعمال العنف ضد المتظاهرين السلميين.. لذلك الحل بالاستعانة بالزعران والبلطجية لتأديب دعاة الاصلاح فيظهر ان المجتمع يحتك ببعضه تحت ستار التخلف.
النتيجة السريعة كانت تحول البلطجية في عمان واربد والزرقاء الى قوة غير منضبطة في الشارع تفرض الخاوات على اصحاب المحلات وتبتز الدولة والاجهزة، بل وتتحدى الجنرالات وتنظم الاجتماعات تحت ستار ‘نحن انقذنا النظام بالتالي نحن الاحق بالمكافآت والامتيازات’.
الحاكم الاداري العبقري الذي اقنع بعض البسطاء من جنوب المملكة يوما بان واجبهم الوطني يحتم عليهم التحرك الى عمان، وتحديدا دوار الداخلية لتحريره من (الفلسطينيين) الذين احتلوه.. هذا الحاكم الاداري نفسه يواجه اليوم سيلا من التظاهر المتعصب ينفذه ابطال المسرحية الذين يبحثون عن بدل لخدماتهم بعدما وفروا الحماية لدوار الداخلية الذي تظاهرعليه وقتها نخبة من خيرة ابناء العشائر الاردنية.