Saturday, August 29, 2009

كُتٌب ليست للقراءة! خيري منصور - القدس العربي

منذ تحولت الكتابة الى اسم حركي او مستعار للبطاقة وأصبح عدد الجامعات ودور النشر ينافس عدد الحوانيت والصيدليات ومحطات البنزين، حدث الافتراق الحاسم بين المقدمات والنتائج، وصارت القطيعة بين المهنة وما ينسب اليها أمرا مألوفا علينا جميعا ان نتأقلم معه، ومثلما تحولت الاحزاب السياسية في مجتمعات باترياركية وثيوقراطية يحظر فيها تداول السلطة الى اندية اجتماعية لإشباع الهوايات هكذا تحولت الكتابة ايضا، من ابداع يخضع للمساءلة النقدية الى ممارسات معزولة عن تاريخ الكتابة، لأنها استبدلت الأقانيم الخالدة الثلاثة، وهي المؤلف والقارىء والناقد بثالوث من طراز آخر، قد يكون فانتازيا لا يهدف الى ما هو أبعد من الاستعراض المؤقت او الموسمي، وقد يكون مجرد تعبير عن فائض مال او فراغ او سايكوباثيا، وفي هذه الآونة التي تشهد حفلات توقيع يومية هي أشبه بحفلات تنكرية، اصبحت الكتب ليست للقراءة، او النقد بقدر ما هي للعرض في الواجهات وعلى الأرصفة، او مجرد اضافة أرقام الى فهارس الناشرين والسير الذاتية لأصحابها! وثمة روايات منها عشر على الاقل تحظى بشهرة واسعة، لكنها بلا قراء، منها ما هو لنساء أرَدْنَ حرق المراحل واختصار الطريق بغلاف يصلح قرينة للاستمناء او يدخل من باب الجسد الاكثر ضيقا، ومنها ايضا اعمال يصعب بل يتعذر تصنيفها جماليا وابداعيا، ما دام مصطلح الرواية المضادة او اللارواية حسب تعبير سارتر عن كتاب الرواية الجديدة في فرنسا قد أسيء فهمه ككل شيء آخر، لقد حاكى عرب كثيرون روايات غرييه وكلود سيمون، واستبدلوا الزمان بالمكان والانسان بالشيء، لكن بلا رؤى او ادراك لهذا التحول الانقلابي في الوعي الذي كان صدى او على الاقل متناغما مع الظاهراتية او الفينومينولوجيا. وهذا ما حدث في شعرنا الحديث قبل اكثر من نصف قرن عندما فهم البعض ان التفاصيل اليومية تكفي لإنجاز نص شعري، فأخذوا ملاعق الشاي والقهوة من ت. س. إليوت والشكوى من المدينة الحديثة الساحقة للانسان من سيتويل وباوند، رغم ان مدننا في ذلك الوقت كان نصفها على الأقل يضاء بمصابيح النفط وضواحيها تعج بالابقار والخيول التي تحرث الأرض.
وما يروج الآن من روايات البورنو سواء بالمضامين او تصميم الاغلفة او استخدام المفردات التي طالما عوملت كما لو انها عورات في اللغة، هو تسديد مديونية من طراز آخر، هو جنسوي بامتياز، وحين تجتذب هذه النصوص قرّاءً حتى من هؤلاء الذين يتفحصونها امام اكشاك بيع الكتب فإن السبب هو ما اشار اليه منير العكش قبل اكثر من ثلاثين عاما، عندما اختبر عددا من المتلقين من خلال تقديم نماذج شعرية متباينة، منها ما هو لنزار قباني والسياب وآخرين، وتوصل العكش في تلك الدراسة الميدانية والسايكولوجية الرائدة إلى ان معظم استجابات المتلقين لشعر نزار مثلا هي عضوية، وذات منابع جسدية وهرمونية، فما يثيرهم ويهيّجهم ليس الشعر بل المفردات ذات التاريخ المكبوت، وبالطبع ستكون حصة التجريد في مثل هذه المجتمعات أقل بأضعاف من أية حصص أخرى سواء تعلق بالشعر او الفلسفة او الرسم، وقد تكون شحة الدارسين في مجالي علم النفس الاجتماعي وعلم التخلف هي السّبب في عدم تقصي ظواهر ثقافية وافرازات هلامية لمجتمعات ضلّت الطريق الى ذاتها قبل أي مكان آخر.
وهناك الآن ما يشبه النادي، وإن كان اقل من استحقاقه لهذه التسمية، لأنه تشكل جيولوجي وهو حسب تعبير شهير لازوالد اشبنجلر، يوحي لك بأن ما تراه هو جبل او بحيرة، لكنه في الحقيقة من ابتكار العين، كالسراب تماما، ان نادي الحفاة هذا يشترط للانتساب اليه أمرين، اولهما ان لا يكون لدى العضو اي هاجس او قلق او اشتباك مع واقعه، وثانيهما ان يمتلك قدرا من النفاق ببعديه الاجتماعي والسياسي يتيح له ان يكون مع الله وقيصر في اللحظة ذاتها، ومع الرأسمالي والاشتراكي ومع الاتباعي والحداثوي ما دام الرهان بل الاحتكام كلّه لنيل اعتراف حتى لو كان من مؤسسة ثقافية يقودها أميّ ٌ أعمى، وترتبط بخط تلفوني ساخن مع اجهزة الأمن.
ان هناك من تورطوا في هذا النادي نصف الليلي لكنهم استقالوا وطالبوا بسحب عضويتهم، مقابل آخرين شمّوا عن بعد الرائحة ولم يتورطوا، لكنهم دفعوا اثمانا لاستقلالهم وعدم ارتهانهم وإصرارهم على ان الفيل ليس عصفورا ، والجنرال ليس حكيما.
إن من يجرؤ على الكلام الآن ليس من اصابه العمى لشدة ما تكسرت اجفانه امام اولياء النّعم، وليس من يمشي بمحاذاة الجدار حتى لو كان آيلا للسقوط كي لا يضبط متلبسا بعاره الاخلاقي او السياسي، وثمة نمط من المتسولين يطيب لهم على سبيل العلاج والتعويض ان يمارسوا دور السادة الكرماء ويبحثوا عن متسولين او ادنى منهم كي يعطوهم شيئا مما كسبوا، ومن يصابون بضيق التنفس لمجرد طرح قضايا من هذا النّوع، انما يحترزون من افتضاحهم ولو بعد حين!

* * * * * * *
هل انتهت مهنة الكتابة عند ثلاثة طقوس لا تعيش اكثر من ايام العزاء، سواء كان في سرادق على شارع او في صالة مكيفة الهواء وذات نسب ثقافي مشكوك فيه. ..
نشر الكتاب والاهتمام بغلافه والكلمة على صفحته الاخيرة، ومن ثم حفلة توقيع حتى لو كان روادها سبعة من اصدقاء المؤلف او الناشر، ومن ثم تعليق سطحي في جريدة يومية، وبعد ذلك ينتهي كل شيء بانتظار صدور كتاب آخر.
لقد طلب مني ذات يوم ان اشارك في الكلام حول كتاب لسيّدة في حفل توقيع، وقبل ان اعتذر قالت لي الوصيفة او سمسارة الحفل التنكري ان من واجبي ان امتدح الكتاب، وذلك من اجل المساهمة في تسويقه، وفوجئت السيدة باعتذار مزدوج، ولو صحّ ما يقال عن الكتب في حفلات التوقيع فإن هذه الكتب تجترح معجزات، اذ لا يمكن لكتاب واحد ان يكون مشجبا لمقولات جمالية ينوء بسبب هشاشته بنصف واحدة منها!
وهذه مناسبة اخرى لدرء التباس او استدراك ما حول نفوذ ثقافة النميمة على عقولنا، بحيث يطلب من احدنا وهو يتصدى لظاهرة او مفهوم ان يسمي الاشخاص او يحدد تواريخ الوقائع ويأتي بالشهود، ومردّ هذا باختصار الى سطوة الشخصنة على المفهوم، فنحن نادرا ما نتعامل مع الفكرة المجردة، لأنها اشبه بالموسيقى التي لا تتخللها كلمات. حتى اللوحات، نفرض عليها ان تترجم الى كلمات كي تفهم وهذا ايضا ما يفسر لنا قلة الرسوم الكاريكاتورية التي تكتفي بخطوطها دون اضافات لغوية، وأقرب الامثلة الينا الآن، ما يقدم من افكار وندوات عن المرض عندما يبدأ بالتحول الى وباء، وانفلونزا الدجاج او الخنازير او الثقافة لا تسمح لنا بعد ان تحولت الى اوبئة بأن نتوقف عند السيرة الذاتية لأحد المصابين، او معرفة اسماء من انتقلت اليهم العدوى في الصين والهند واستراليا!

* * * * * * * *
النادي او شبه النادي في طريقة التحول ليصبح مافيا، لها صفقاتها ومقايضاتها، والشيفرا الخاصة بأعضائها، وقد يأتي يوم قريب تحكم فيه المافيا قبضتها على صحف وفضائيات ودور نشر، لأنها تصاب بالهلع من أية ريح تهدد نوافذها بالخلع، ومن أية انجازات تشكك في قيمة وصدقية معيارها المتدني والمتواطأ عليه، لكن مثل هذه الحالات لبلابية، ولا تعيش الا اذا كانت متسلقة على جدار او أي شيء آخر، فهي بلا عمود فقري، وبلا مضمون ذاتي، لهذا فمعمرها أقصر بكثير مما يتصور اعضاؤها، ولأن هذا النادي نصف الليلي وربع الثقافي والرهينة الاعلامية لم يعلن بعد رئيس مجلس ادارته او أمينه العام او الخاص بحيث نتوجه اليه بطلب الاعفاء من العضوية حتى لو كانت بالتزكية، فنحن مضطرون الى انتظار ما تبقى من هذه الكوميديا الزرقاء نسبة الى الحبر وليس الى الماء او عيني زرقاء اليمامة. ..
ما يجب وبإلحاح التذكير به في هذا السياق، هو اننا نعيش مرحلة تأدلجت فيها الخرافة، وانعطبت البوصلات كلها، الاخلاقية والسياسية والثقافية ولم تسلم حتى البوصلة التربوية والوطنية من هذا العطب، فلا ندري الى أين نحن متجهون، شرقا ام غربا ام شمالا ام جنوبا أم الى جهة خامسة. لقد كانت التفاهة في كل الأزمنة عرضا جانبيا محتملا للحضارات، وهامشا ضئيلا غير فاعل واحيانا كان الناس بحاجة اليها لكي يتأكدوا من نقيضها باعتبارها وسيلة ايضاح لا أكثر، لكنها الآن تلعب دور البطولة في السينما والمسرح والأدب والنقد والغناء واسواق المال والحراك السياسي المتلفز الطافي على السطح. لقد قال اسلافنا بحكمة تقطرت من الحنظل وليس من الياسمين او البرتقال لا خير في قوم اذا جهّالهم سادوا، وحسب حكاية شعبية بالغة الدلالة وقابلة للتأويل البشري، فإن الاسد قرر مغادرة الغابة لأن الكلب قيّده بعد ان خدعه، والقرد فك قيده وحرره، وقال ان عالما تربط فيه الكلاب وتحل القردة لا يعاش فيه.
ومنذ طفولتنا كنا نلهو بقافلة من الخشب، لجمال مربوطة الى بعضها بالسلاسل ويقودها حمار صغير، ونسأل البالغين عن سرّ هذه الاحجية لكننا لا نظفر بإجابة، ثم ادركنا الدلالة التي تتجلى في نظم حكم ومعادلات مقلوبة.
عشر مجلات ذات أغلفة صقيلة تنزلق عنها العين ومثلها من الكتب بينها روايتان او ثلاث نرتطم بها في مدخل المول والحانوت وصالات المطار وواجهات اكشاك الكتب وعلى الأرصفة، وتسعون بالمئة على الأقل من الحوارات تتم مع هذه اليعاسيب التي تروي مغامراتها في افراز العسل.. رغم ان دورها، إن كان لها دور، ينتهي عند تلك العملية الانتحارية الخرقاء. ..
التخارج الآن كنقيض للتقاطع او التداخل هو سمة الظواهر الاكثر رواجا وسيادة في حياتنا، فالكتب ليست للقراءة، والديموقراطية ليست لتداول السلطة، والجامعات لتفقيس الموظفين، وكلام المجتمع المدني كومبرادور ما بعد الحداثة الذي يتعاطى اجرا سخيا على التزييف والبَدْوَنة باسم التمدين.
سنقول اخيرا بل اوّلا ً وقبل ان تلامس اصابعنا الوتر، أن من يصابون بضيق التنفس بسبب طرح قضايا من هذا النمط هم المبتلون الذين استتروا، والمنبتّون الذين لا ثقافة قطعوا ولا خجلاً أبقوا.

Saturday, August 22, 2009

العصاميّ الذي صافح نفسه ! - خيري منصور - القدس العربي


انه ليس بطلا روائيا على غرار العصامي اوجينيه في رواية 'الغثيان' لسارتر، وهو ليس النقيض التربوي للعظامي في أدبياتنا الاجتماعية التي انفصلت وانقطعت عن الحراك الفعلي للواقع، وادرجت في متحف المواعظ، هذا العصامي هو المثقف العربي ما قبل الاخير، لأنه في اقاصي العزلة يقبض على الجمرة باللسان، ولو اتيح له ان يفعل ما فعله الإله اندره في الاسطورة لاختفى في ساق زهرة اللوتس، ما دام الشيطان قد امتلك القوة كلها وحكم العالم، واذا كان صعلوك الامس قد تقاعد بعد أن سحبت الصحراء من تحت قدميه، فإن حفيده المعاصر يعيش غربة مزدوجة وله منفَيان، أحدهما التاريخ والآخر هو نفسه، بعد ان شطرته الشيزوفرينيا الى شاهد وشهيد، فلا هو هنا ولا هو هناك، انه المنبتّ الحديث الذي لا ثقافة قطع ولا جسدا أبقى، فالانسان البدائي، يملك جسده على الاقل، ويتعامل مع الكون بحواسه المشحوذة اليقظة، لكن هذا العصامي يقتاده جسده كما تفعل القطط وهي تدنو من شقوق الابواب لتلوذ بما يتسرب من هواء بارد في عزّ القيظ .
ان العصامي الذي لا يعثر على يد ثالثة يصافح بها نفسه يضطر الى ان يبدو كما لو كان يصفق، لأن مصافحة الذات متعذّرة، تماما كما هو تقبيل الذات متعذّر ايضا، فالآخر هنا ضرورة حتى لو كان جحيما، اننا نضطر الى ابتكاره عندما يغيب، لكن المثقف الأعزل الا من حلم غير قابل للتحقق، يصبح احيانا كبطل الاسطورة المعلق بين الارض والسماء، شفتاه مشققتان من الظمأ، ويقرض باطن خديه من الجوع، بينما تدنو منه العناقيد لتنأى وكلما اقترب من الماء وأوشك على ملامسته بشفتيه نأى ايضا، واذا كانت النصوص الادبية في احد ابعادها وثائق تاريخية ووجدانية، فإن بامكان اي مؤرخ قادم ان يفعل ما فعله ذلك الناقد المكسيكي عندما استخلص تاريخ حقبة من بلاده من خلال نصوص ادبية، وهذا ايضاً ما فعله الشاعر الامريكي كيمنغز عندما اصر على كتابة اسمه بحروف صغيرة ، كي ينبىء من سوف يقرأونه ذات يوم بأنه انسان صغير عاش في زمن صغير، او عصر الترانزستور كما سماه ويلهالم رايش الذي عوقب من الاشتراكيين والرأسماليين معا، لأنه تخطى قشرة الايديولوجيا وبلغ النخاع .

' ' '

كان امام العصامي ان يبحث عن احتياطياته الاستراتيجية في ذاكرته وموروثه، او في الناس الذين حذفتهم الدولة المستبدة من اقانيمها، وأنابت سماسرتها عنهم، لكنه شعر بالخذلان، لأن استلاب الوعي لدى الناس حوّلهم الى امعاء تسعى كالثعابين، وان كانت لا تفرغ سمها الا في جسدها، ونادرا ما يعترف العصامي بهذا الخذلان والاغتراب، لأنه يعاني ايضا من استلاب في الوعي يجعله بالغ الحذر من إدانة الناس من حوله ما داموا هم كل ما تبقى، ان هذا التواطؤ بين المثقف في اقصى العزلة والناس في ذروة الانهماك بما هو ضـروري وأولي يعمّق الفجوة، ويفاقم سوء التفاهم، بحيث لا تسمى الاشياء بأسمائها، ذلك ببساطة لأن من يعملون لحساب سادة الفقر والعنف والاستبداد ليسوا كائنات هبطت من كواكب اخرى، او خرجوا من صندوق باندورا اليوناني المليء بالشرور، انهم من هذه الارض، ومن ذوي العصامي المخذول وجيرانه وأصهاره وزملائه .
وكم يبدو الجدار العازل بين نظام سياسي عربي رسمي وآخر شعبي مثيرا للسخرية، اذا عرفنا بأن الاثنين هما توأما ثقافة وأعراف وتقاليد واحدة، وهذا ما يفسر السرعة القياسية التي تعود لها المعارضات الى الاستبداد ذاته عندما تصل الى الحكم، لهذا لا سبيل الى خلق توازن وهمي بتبرئة التخلف من حصته في تبرير الاستبداد، وادامة عمــر النظم الباترياركية التي تجسده، وتحرم القاصرين من حق الفطام .
ان كثيرا من التشخيصات والاجابات على اسئلة مزمنة تبدو عديمة الجدوى، وعقيمة، لأن الخلل كما يقول التوسير يكون احيانا في الصياغة الخاطئة للأسئلة، ولو أخذنا التخلف مثالا قدر تعلقه بعالمنا العربي فإن ما يغذيه ويدفعه الى الامام مدججا بقوة لا تقاوم هو جملة من الأعراف والتقاليد والمفاهيم السائدة والتي تستخدمها الدولة الاستبدادية باستثمار ذكي وبلا حدود لإدامة بقائها وتبريره، وقد يكون ما ترسب في اللاوعي الجمعي من المخاوف والحـــذر والاحتراز من التأويل اسباب كافية لغياب الاسئلة الجذرية، واحلال الاجرائي مكان الاستراتيجي، وبالتالي التورط في عقد اجتماعي طويل، فالعرب سياسيا يعيشون ما قبل الماكنـــاغارتا وبالتـــأكيد ما قبل الدولة ايضا، لأن ديناميات الحكم والسيطرة منـــــوطة حتى الان بقــوى تراوح بين الدين والقبيلة، خصوصا في هذه الآونة التي ساد فيها حكم المال، الذي بدأ هذه المرة ينتج القبيلة، والنفوذ ويعوّض عدة مفقودات تقليدية .

' ' '

العصامي مطرود من الجحيم ايضا وليس من الجنة فقط، ولا هامش على الاطلاق للمراوحة في منطقة الاعراف حسب ادبياتنا او ما يسميه دانتي الليمبو، وهذا النمط الجديد من المنفى يتجاوز الجغرافيا والتاريخ معا، ويقترب من الميتافيزيقا، لأن هذا المطرود يضطر احيانا للهبوط الى العالم السفلي، او للتماوت على طريقة البعير كي ينجو، وبالرغم من ذلك فهو لا ينجو، لأن العقاب يشمل النوايا، وثمة محترفون لترجمة الصمت بحيث يحولونه الى نص بليغ في المعارضة، والعصيان، ان ثقافة موشومة بالوشاية منذ بواكيرها لا تطيق البطالة عن فقه الاستعداء وتحويل النّميمة خصوصا في بعدها السياسي الى نمط انتاج، وما قاله هربرت ريد عن التحالف الاستراتيجي بل الأزلي بين المثقف المرتهن والقارىء الاعمى يقبل التأويل الى تحالف من الطراز ذاته بين الدولة المهجوسة بالبحث عن شرعية استمرارها وبين المثقف الذي يعاني من عقدة اللااستحقاق، والذي يستكثر على نفسه اي شيء، لهذا فهو مستعد لأن يسبق الحرامي كما يقال في امثالنا الشعبية لإرضاء وليّ النعمة بالنسبة اليه، وولي النقمة بالنسبة لسواه. اننا جميعا نراوح بين سؤال ناقص واجابة مبهمة والمريض العربي المسجى الآن تعالج اورامه بكمادات الماء البارد، وما كان حتى الامس مجرد حمّى تحول الى التهاب سحايا... والاستخفاف على اشده بكل شيء، حتى من قبل هؤلاء الذين انتدبوا انفسهم ناطقين رسميين باسم الشقاء القومي، ومن لم يشهدوا الطائرة لحظة الاقلاع، عبثا نطالبهم بأن يتابعوا حجمها الصغير وهي تختفي وراء الغيوم، وما اقلاع الطائرة وفق هذا المفهوم الا جذر المسألة كلّها، سواء كان هاجعا في تربويات كيدية ملغومة بثقافة التنابذ والاقصاء المتبادل او في شكل السلطة التي تجد من شهود الزور ما يكفي لأن يكون الزواج شرعيا، ليس بين بطلي رواية او فيلم على غرار شيء من الخوف فقط بل بين سلطة ذكورية وشعب يصطبغ بصفات انثوية، فهو الزوجة التي تعاد الى بيت الطاعة بالقوة وهو ايضا الغنيمة لمن يسبق ويسطو على مصيره وقراره .

' ' '

ثمة لحظات تنتاب الانسان يود فيها لو انه اثنان هذا على الاقل ما قاله جان جويو وهو يكتب عن المثقف الذي ينوء بعزلته، وقد تسقط عليه فكرة كالرؤيا يزوغ معها بصره، هذا الكائن الذي يحتاج الى مجدافين وهو يعبر النهر الصّعب، يضطر احيانا الى تقبيل ذاته او مصافحتها، وقد يتزوج نفسه اذا استبدت به الوحشة، لا بالمعنى الجنسوي الساذج الذي يتبادر الى الذهن في مثل هذه الحالات، بل بالمعنى الميتافيزيقي العالي، ما دام الانسان الفاني والعابر بجسده، هو ايضا الأبدي والباقي لهذا لا نبرىء معظم من درسوا الصوفية من القصور، عندما عزلوها عن السياسة، مثلما عزل دارسو الحب العذري عن السياسة ايضا، والتهميش الاجتماعي، الى ان فتح الباحث الاجتماعي الطاهر لبيب أفقا في هذا السياق .
وانني لأتساءل احيانا عن سرّ الانقلاب في حياة مثقفين وناشطين من العرب بحيث يميلون الى الزهد وينكفئون داخل شرانقهم في النهايات... ما الذي يصاب به هؤلاء؟ هل هو اليأس الذي يتحول الى قنوط وبالتالي استقالة شاملة من التاريخ ! ولدينا من أمثولات التخلي والخذلان والردّة ما يكفي لأن نجد تفسيرا لهذه الظاهرة ليس بمعنى ان لنا كعرب طبيعة من طراز غير بشري، كما قال بعض المستشرقين ومنهم طومسون الذي وصف العقل العربي بثمرة الصّبير ورينان الذي صنّف العقل العربي بأنه ما قبل منطقي، ولكن بمعنى سايكولوجي محض، فالافراط في العسف والاستبداد يشلّ الارادة الانسانية، وقد يحول الضحية الى مريض بالماسوشية يستمرىء الألم والاضطهاد، ولا يعيش من دونهما .

' ' '

ان العصامي يقف الآن بين ارهابَيْن، وطاغيتين أحدهما سلطوي مسلح له قوة المحتل او لم يكن اسمه، والآخر تخلف مدجج بأعراف تتفوق على القوانين، والرّوم الذين يقفون خلف الروم كما قال المتنبي هم الآن من صلب هذه الضحية الخرساء، التي تتطوّع بصمتها لكي تصبح جريمة الاجهاز عليها كاملة وبلا شهود او نقصان !

Monday, August 17, 2009

النخب أمام تحديات النهوض - هيثم مناع - الجزيرة نت


ما هي النخبة، وما هي علاقتها بقضايا الناس والأمة، وهل من معنى لديها لكلمات مثل التنمية والتنوير ونهضة الأمة؟ بل لنقل هل يوجد إجماع نخبوي على تعريف النخبة وقضايا الأمة؟ بقدر ما يبدو هذا السؤال سهلا، بقدر ما هو معقد وشائك ومتعدد القراءات.

خلال عقود طويلة كان تعريف النخبة نفسه موضوع ازدراء ورفض من قبل الفكر الماركسي الذي آثر عليه مصطلحات أخرى مثل: "الطليعة" في التراث اللينيني، و"المثقف العضوي" عند أنطونيو غرامشي. أما الفضاء الفكري المتسع بين ما عرف بالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والديمقراطية المسيحية، فقد استعمل بأريحية كلمة المثقف للدلالة على النخبة بالمعنى الواسع. في حين استعاد الفكر الإسلامي السياسي منذ المودودي فكرة الدعاة، للتعبير عن "المثقفين المجهزين المدربين الأخصائيين" كما يصفهم حسن البنا. "النخبة المؤمنة الملتزمة بالإسلام نظاما وإماما ودينا ودولة".

"جميع البشر مثقفون"، يقول غرامشي، " إلا أن جميع البشر لا يمارسون وظيفة المثقف في المجتمع" ، يضيف في "دفاتر السجن". المثقف هو أداة التراضي "العفوي" وضمانة الطاعة الشرعية للجماعة السائدة، والخارج عن هذه القاعدة هو المثقف العضوي، أي المثقف الملتزم المدرّب والمناضل.

عند فرانسوا شاتليه "المثقف الكبير" و"النخبة الفاعلة" هما ضمن التعريف الذي يخرج منه صغار المثقفين والمثقفين الهزل والعديمي الدور، ويطالب الفيلسوف الفرنسي بحد أدنى من الوجود، الحافز، الحرية، المسؤولية.

ينوه كارل منهايم إلى الطبيعة الاعتباطية لتعريف المثقف وضبابية الحديث في النخب، مركزا على ضرورة أخذ الواقع التاريخي والاجتماعي بعين الاعتبار، جاذبا بمأثورة ألفرد فيبر "الإنتلجنتسيا غير المرتبطة اجتماعيا" إلى واقعتي الزمان والمكان.

"المعرفي الأميركي الذي يعمل في إطار الطاقة الذرية ليس مثقفا، يقول سارتر.. وإنما تقني للمعرفة العلمية، وهو يصبح مثقفا عندما يطرح على نفسه السؤال حول أهمية القنبلة الذرية وينتهي باستنكار ما يعمل".

في الكتاب الجماعي "مجرمو السلم"، يتخطى سارتر ازدواجيته الدائمة بين مثقف متأقلم مع السلطة ومثقف خارجي ضمن منظومة السلطة، منضما إلى روزا لوكسمبورغ حيث يقول: "في الأصل، المثقف هو إنتاج للمؤسسة البرجوازية، لكن عندما ينجح في القبض على تناقضاته بقوة، لا يبقى أمامه سوى حل واحد، أن يلقي بنفسه في اللا شرعية، وهذا يعني في الآخرين، أن يلقي بنفسه في حالة رفضٍ واحتجاجٍ لكلية المجتمع الذي كوّنه، وهذا يفترض أن يناضل من أجل مجتمع لا يوجد فيه المثقف"، أي مجتمع كل إنسان فيه مثقف.

مهما كان تعريف النخبة أو المثقف يوحي بالعالمية، فإنه كان في معظم القراءات إيديولوجي الطابع، ولا يخلو بالتالي من ثنائية النحن والآخر، وفي حالات كثيرة، من استئصال تلقائي للواقعين خارج المنظومة الفكرية لصاحب التعريف. ولعل من الضروري التأكيد على أن هذا "الترف" غير مسموح به في بلدان الجنوب التي تعيش بالأساس أزمة في إنتاج النخب واندماجها في عملية التنوير والتغيير، خاصة في مجتمعات تمارس بسهولة رياضة التخوين والتكفير.

إن التتبع الميداني والمعرفي لموضوع النخبة يظهر بوضوح أنه لا مجال لتعميم تعريف تحليلي صالح لكل زمان ومكان. فهناك مراحل تاريخية كانت النخب فيها تلعب دورا كبيرا في وعي قضايا المواطن والمجتمع والأمة في مجتمعات محددة. ولم يكن ذلك مرتبطا بالضرورة بمجموع الشبكة الاجتماعية التي تشملها هذه الكلمة بأكثر تعريفاتها عملية، بل غالبا بالمنسلخين اجتماعيا وسلطويا عن هذا الوضع. أي ليس بمن يفكر بالثقافة كمشروع سلطة، بل بإدراك دوره النقدي كسلطة مضادة بامتياز. وهنا محك العلاقة بين النخبة والمجتمع، بين المثقف والمشروع الحضاري لمجتمعه.

فالشبكة الاجتماعية التي تشملها كلمة النخبة تعطي بخصبها للسلبي والإيجابي، المؤثر والمتأثر والقامع والمقموع، حيث من الصعب فصلها عن المجتمع الموجودة فيه. إلا أن لكل واحد من أفراد هذه الشبكة موقعا وموقفا. فالصمت موقف والتأييد موقف والشجب موقف، وليس ثمة حياد ضمن قواعد المجتمع المشهدي لهذا الموقف، لكونه يوظف كصاحبه. بل يمكن للمثقف أن يلعب دور "المتسلط الثقافي" في مؤازرة "المتسلط الأمني". وقد أدركت الجماعات الحاكمة أن بالإمكان جعل النخب سلطة في السلطة وللسلطة وأعطتها هذا الدور.

كل معركة ثقافية وحضارية تفتح ملف النخبة ودورها من جديد، وكل تحّول يضع هذه القضية في معمعان الأحداث. فربط هذه الكلمة، حقا أو باطلا، بالأكثر نضجا وإدراكا ومعرفة بالذات والواقع وسبل الإصلاح، يجعل الأنظار تتوجه إلى رموزها كلما وقع طارئ يمزق روتين الحياة اليومية.

ففي مجتمع يبلغ فيه التفريد درجة من الضعف لا يحسد عليها، تتوجه الأنظار إلى كل كادر أثبت جدارته في ميدان ما، ولو كان هذا الميدان خارج الشأن العام، ليكون لسان حال الأفراد المضطرين للسكوت. وإلا ما هو معنى توريط النخب، بالمعنى الواسع للكلمة، في وضع حدٍ لانسدادٍ سياسي أو استعصاءٍ اجتماعي بما يسمى "حكومات التكنوقراط"؟

شاءت أم أبت، النخب الفكرية في بلدان الجنوب، منذ النديم والكواكبي وعبده والأفغاني وشبلي شميل وحسن البنا، تتحدث باعتبارها ملتزمة، أو لنقل مكلفة برسالة. الأمر الذي لا يعني بالضرورة قيامها بها أو استجابتها للحاجات الفعلية والجوهرية لمجتمعاتها. من هنا ضرورة الانتقال إلى الواقع ونقده للخروج من الرغبة الشاعرية بتناول هذه الظاهرة.

لقد ارتبطت ظاهرة النخب والأطر في الأزمنة العربية المعاصرة بواقعتين جديرتين بالاهتمام:

الأولى، هي الخناق الذي تعيشه الفئات التعليمية والتثقيفية والتقنية في المجتمع، أكان ذاتيا بتكوينها المعتمد على إعادة إنتاج المؤسسة الثقافية الغربية بدلا من ابتكار الأنموذج القادر على استلهام التجربة الغربية والاستجابة للاحتياجات المحلية، أو موضوعيا بعلاقة التبعية لهذه المؤسسة بالسلطة الحاكمة في غياب فكرة الدولة الحامية لمواطنيها والمعبرة عن الجسم المجتمعي. الأمر الذي حدد فعالية دخول المؤسسة التعليمية والجامعية في المجتمعات العربية، وحجّم دور الفئات الجديدة في التنوير والتغيير، وأبقى للتعبيرات التاريخية المهيمنة للثقافة دورا فاعلا في قطاعات شعبية واسعة.

أما الثانية، فتتمثل في الدخول الكثيف لجمهور واسع يبحث عن لقب أو مهنة في نادي المثقفين أو العلماء أو المجتمع المدني أو غيرها من الكلمات التي احتفظت بشيء من الرونق، وإمكانية الخوض في مشاريع ذات علاقة بالسلطة الاجتماعية أو السياسية أو المالية. فيما جعل تبني اللقب يتم في نطاق البحث عن دور أكثر منه عبر بلورة مواقف. دور مرتبط بمفهوم المصلحة الذاتية أيضا أكثر من ارتباطه بالمشاركة والمصلحة العامة. الأمر الذي تمثل على أرض الواقع في الثلاثين عاما الأخيرة في فئتين متداخلتين تغطيان فضاء النخب:

1 – النخبة التقنية، وهي تشمل شرائح اجتماعية معينة تغطيها عموما عباءة الطبقات الوسطى وتنفرز حسب طبيعتها المهنية إلى الإنتلجنتسيا التقنية والمثقفين. باستعمال تعبيري غولدنر، يشمل القسم الأول جموع الكوادر العلمية والتقنية، والثاني جملة العاملين في الميادين الثقافية والعلوم الإنسانية ومجالات الكتابة المختلفة كمحترفين. هذه النخبة التقنية تفوق في حقبتنا الراهنة مشكلاتها الذاتية هموم الأمة الموضوعية وتطرح أسئلة من نمط الاستحقاق المهني وسلم الأداء والاختصاص وتحسين الوضع المادي.. وهي شئنا أم أبينا مصنفة من قبل الجمهور والعامة بالنخبة.

2- قطاع المشاركة: إننا هنا أمام مجموعة انخرطت في العمل العام المدني والسياسي والثقافي، وتتصدى لدور وموقف كقوة اقتراح، كما تحمل منذ عقدين من الزمان، إلى جانب تعريف المثقف، مصطلحا آخر في حالة تضخم هو المجتمع المدني.. بالإمكان تتبع هذه الظاهرة عبر عودة بسيطة بل مبسطة إلى تعريف سولجنتسين "الإنتلجنتسيا هي مجموع الذين يلقبون أنفسهم بالمثقفين".

لقد ولدت معظم حركات الإصلاح والتغيير السياسي وحقوق الإنسان والشعوب، بتعبيراتها الفكرية والتنظيمية، في حضن النخب. وليس من الغريب أن يغادر صفوفها العديد من هؤلاء للالتحاق بمنصب حكومي. فالحدود بين السلطة والسلطة المضادة، الفكر السائد والفكر النقدي، ليست واضحة في الوعي العام. كما أنه ما زالت التعبيرات المستقلة عن السلطات الحديثة العهد في التكوين المجتمعي والثقافي، مثلما يلخص ابن خلدون، في ذهن الأغلبية، "السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره".

لقد انتهى القرن العشرين وما زالت قضايا أساسية للأمة مثل: مفهوم المواطنة، والدولة التعاقدية، والهوية السياسية والثقافية للأمة، والتكتل الاقتصادي والثقافي لحماية الوجود المادي للناس في عالم غير متكافئ ينهب فيه القوي الضعيف، إضافة لموضوعات تعزز الوحدة والنسيج المجتمعي، مثل الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، ما زالت قضايا كهذه تعيش حالة وعي جنيني وهلامي، بل وصراعي في صفوف النخب يتعزز في النضال اليومي والمقاومة اليومية.

في حين أنها في بلدان الشمال، حيث كانت ابنة صراعات مجتمعية وثقافية، أنجزت دورها المحلي والمباشر، وإن لم تحقق بعد النقلة من الوعي المدني المحلي إلى الأفق الأممي والنظرة العالمية. ففي مدينة فرنسية صغيرة تعدادها سبعة آلاف مواطن، لا نستغرب وجود أكثر من مائة جمعية يتنوع اختصاصها من تحسين البيئة وتطوير الأبحاث ضد السرطان ومقاومة الفساد إلى مراقبة أداء البلدية وصولا لدور البلد في البناء الأوروبي.. في حين تنتظر بعض الجمعيات في عدة بلدان عربية خمسة عشر عاما لتنال ترخيصا بالعمل.

إن الغيرة على دور تنويري تاريخي هي نقطة اللقاء الأساسية بين المدافع عن الكرامة الإنسانية والمثقف النقدي والمفكر السياسي. فكل من هؤلاء يعيش هاجس الانعتاق من أربعة جدران: سجن الماضي، وقيود العرف الاجتماعي، وعسف السلطة، وهيمنة الغرب. الرباعية البائسة الكافية لأن تصبح غالبية النخب طرفا في ثقافة الخوف، وأن يدخل في دمها فيروس الإرضاء والمراضاة.

لعلنا نعيش اليوم نهاية حقبة نزيف الأدمغة من المحيط إلى دول المركز، في ظل الإنتاج الواسع والفائض عن الحاجة للنخب في دول الشمال. الأمر الذي يضطر النخب الصاعدة للتفكير أكثر فأكثر في دور ومكان في مجتمعاتها. فقد فتحت العولمة الخبيثة الحدود للبضائع والأموال، وقيدتها في كل ما يتعلق بحركة البشر.

ربما كان من الممكن للنخب في نصف القرن المنصرم، ممارسة استقالة ذاتية بعدم التصدي لمهمة التوعية المجتمعية أو تقديم تقييم ووصف دقيق للواقع. لكن عدم المشاركة اليوم في الهم الجماعي، ينعكس بالضرورة على ظروف الحياة الذاتية والوجود الموضوعي للنخبة. لأن العالم بات حالة تداخل شاملة في كل المظاهر، تداخل بين الخاص والعام، بين الذاتي والموضوعي، بين الوطني والإقليمي والدولي، بين الخصوصيات الثقافية والمشتركات العالمية.. هذا التداخل يجعل دخول النخب حيز المشاركة العامة والانخراط في هموم المجتمع ومستقبل الأمة، تعبيرا عن حالة وعي متقدمة للمصالح الذاتية، وليس فقط عن تضحية من أجل الآخرين.

فالثمن الذي تدفعه المجتمعات ذات النخب الهزيلة يشمل كل مكونات الفضاء الجغرافي لها، أي الدولة والمجتمع، الأفراد والجماعات، ومستقبل الأجيال القادمة. من هنا يشكل الالتزام، بالمعنى النبيل للكلمة اليوم، ليس فقط انخراطا في قضايا الأمة كمشروع كبير، وإنما أيضا حالة متقدمة للدفاع عن الذات.

تصبح عودة النخب للتاريخ مفعّلة عندما تخوض النخب في القول والفعل، ومن داخل الإنسانية الواعية، عملية صناعة إرادة الأشخاص الأحرار الذين يستعيدون اكتشاف عهد الذمة في الذمة العامة. أي يحققون النقلة الفكرية من الخليفة السيد إلى المواطن السيد. المواطن المدرك لحق وواجب حفظ النفس والجسد والتعلم، حرية الرأي والمعتقد، والمساواة أمام القانون.

وجود النخبة القادرة على خوض معركة التنوير هذه، يمكن أن يعيد لجملة تيودور أدورنو راهنيتها: "طالما استمر التكوين المتصارع للمجموع، وطالما أن الأفراد ليسوا عبيدا للمجتمع، بل عناصر فعالة ترغب اليوم في القضاء على ما يحط من كرامتها عن طريق فكرة "الدور"، فإن التاريخ لا يهدأ أبدا".


Thursday, August 13, 2009

الأستاذية الحقة - جابر عصفور

Saturday, July 25, 2009

الإبادة الثالثة! خيري منصور 25/07/2009

عرف التاريخ نوعين من الإبادة، إحداهما دموية، والأخرى سلمية بيضاء، وقد تكون الابادة الثانية اشد خطورة وتنكيلا من الأولى، لأنها تتم بتواطؤ من الضحية ذاتها، عندما تتأقلم مع الصورة التي ترسم لها، ولكي تنجز الابادة السلمية لا بدّ للضحية ان تكون قد أوغلت في الماسوشية، واستمراء القضم، والثقافة ليست في منأى عن هذه الابادات، انها جوهرها وليس في الصميم منها فقط، سواء تمثّلت في لغة او نصوص او أية مرجعيات، لهذا يشكل انقراض اللغات الآن هاجسا جذريا لدى ثقافات تستشعر الخطر عن بعد، واللغة التي تنقرض تأخذ معها كل ما كتب فيها، لأنها ليست مجرد اناء يكسر فيسيل ما يملأه او ينقل الى اناء آخر، وذلك لأن جدلية الفكر واللغة وجمالياتها يتجاوز ثنائية الشكل والمحتوىِ، او الثمرة وقشرتها، فاللغة ليست قشرة لحضارة او ثقافة، انها الأنساغ، والجذور، ونحن نفكر بها أولا، وثمة فنون كالشعر هي فنون لغوية بامتياز لأنها تتأسس على المغامرة داخل اللغة، وقد دفع هذا الاستثناء سارتر الى اعفاء الشعرء من الالتزام الذي طالما كان اطروحته الفكرية قدر تعلق مهنة الكتابة بالتاريخ .
الابادة الحمراء، او الدموية، قد لا تحقق ما تحققه الابادة البيضاء، لأن الاولى تستولد ردود أفعال فورية، وتجتذب شهودا كي تبقى الجريمة ناقصة، اما الثانية فهي الجريمة الكاملة الوحيدة في التاريخ، لأن المفعول به يندغم في الفاعل بل يتماهى معه، ويتلاشى فيه، ونحن الان إزاء ابادة ثالثة، هي نصف دموية ونصف بيضاء، فالسياسة تتولى النصف الاحمر والثقافة تتولى النصف الابيض بلون الكفن لا بلون الياسمين او الثلج، وقدر تعلق هذا بالعرب المعاصرين، فإن امثولة النكبة الفلسطينية رغم تحفظنا على هذا المصطلح لأنه مستعار من كوارث الطبيعة وليس من كوارث التاريخ، قدمت نموذجا لثلاثة انماط من الابادة، فالبداية كانت احتلالا تحول الى استحلال، اي شرعنة السطو ونيل الاعتراف الدولي به، وتحويل المسروق الى استحقاق، ثم كانت المرحلة الثانية وهي اذابة الهوية القومية من خلال الثقافة والفولكلور، لأن استيطان الأرض يتطلب استيطانا موازيا للذاكرة، وهذا ما يفسر سطو اسرائيل على مظاهر فولكلورية في فلسطين، والزعم بأن اشكال التعبير والطقوس الشعبية في مختلف المناسبات هي ذات جذور يهودية، فالطارىء غالبا ما يكون مسكونا ومهجوسا بالريبة لهذا يسعى الى نيل الاعتراف بما اقترف، لأن مثل هذا الاعتراف في حال تحقق هو الضمانة الوحيدة للفرار من المساءلة، في بعديها السياسي والاخلاقي !

'''
ان هذه المرحلة التي دشنها الاعتراف غير المتكافىء منذ خمسة عشر عاما هي مزيج من ابادتين مجرّبتين دموية وبيضاء، وقد بدأت المسألة بما سمي كسر الحاجز النفسي، وهذه عبارة تبدو عابرة في أدبيات الميديا الاختزالية، لكنها ذات دلالات بالغة العمق والتعقيد، فالحاجز النفسي يتأسس على عداء كان سببه الأذى الكبير الذي الحقه طرف قوي بطرف أضعف منه، وتوشك عبارة الحاجز النفسي ان تكون المرادف المجازي لثأر مؤجل، ما دام الظرف الراهن لا يتيح للمعتدى عليه ان ينتقم لنفسه او يتحرر من السطو المسلح الذي حاول تدجينه وحذف هويته، فالتحالف الان استراتيجي وحاسم بين ثلاثة مستويات من الابادة، التي تكون ضحيتها خليطا من اللحم البشري والثقافة واللغة واخيرا الهوية والكينونة .
واذا كانت ردود الافعال السياسية والعسكرية على الابادة الحمراء مشروطة بما يحاصر الضحية ويحول دون استخدام ارادتها، فإن ردود الافعال الثقافية والمعرفية ليست على هذا النحو، وقد لا تستكمل الابادات الثلاث اهدافها الا حين تفرغ الثقافة من محتواها ومن شحنتها ودورها في إعادة الوعي السالب الى وضعه السوي، وما هذا التأقلم المتسارع مع الامر الواقع الا البداية الثانية لانجاز ابادة محرومة من الشهود، لأن اول ما يمكن قوله عن الضحية الخرساء والمتماهية مع جلادها، بل المتلاشية في اطروحاته الثقافية هو ان الاخرين لن يكونوا ملكيين اكثر من الملك، او ضحايا اكثر من الضحية، وما يجب التذكير به في هذا السياق وفي هذا الاوان الرمادي، هو ان الضحايا مستويات منها ما هو امتثالي وماسوشي ومتأقلم ومنها ما هو العصيان ذاته، واذا استبد وباء التأقلم بالضحية فإنه يحولها الى عدو نفسها بامتياز، وهذا ما يفسر لنا انقضاض الضحايا على ضحايا آخرين من جلدتهم بدلا من الانقضاض على الفاعل والذي يرشح ضحاياه الى ائتلاف وتناغم في مصير واحد، ان هذا أبسط الدفاعات الغريزية لدى الكائنات، لكن الانسان انفرد بهذه السايكولوجيا التي تعفّ عنها حتى الحشرات والهوام وهي تدافع عن وجودها وسرّ بقائها، وهناك حالات من ردود الافعال الباسلة على مختلف صيغ الابادات تعيد للغة ومنجزاتها الجمالية الاعتبار، فقد تقوى قصيدة عزلاء الا من رؤاها وجمالياتها وشحنتها الانسانية على صدّ ابادة منظّمة لأن فلسفة الابادة وفقه التطهير العرقي لا ينكسر امتداده الا عند حدود لغة محروسة بمبدعيها، وقد يكون النموذج الذي قدمه الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1948 مدخلا مناسبا في هذا السياق، فهم منذ المستوطنة الاولى، اعلنوا العصيان على الترجمة القومية، وتشبثوا باللغة والذاكرة والتاريخ مثلما تشبثوا بالتراب، فكانوا بعد عقدين من الاحتلال التام والعزل القسري رافدا اساسيا في حركة الابداع العربي، وهذا بحد ذاته مقاومة في أقصى درجات التصدي، لأنهم لو تكاثروا عضويا فقط ولم يفرزوا هذا المنجز الثقافي لكان الوضع مغايرا... خصوصا في عصر لم يكن انقراض الهويات والشعوب فيه عضويا وماديا فقطـ، فهناك انقراض معنوي قد يطال شعبا برمته، رغم انه بان على قيد الحياة، لكن اية حياة !! انها ادنى مفاهيم البقاء الذي يتاح حتى للديدان والطحالب !

'''
للثقافة ايضا كما للأجساد الحية دورات دموية وخلايا بيضاء للمناعة، وهي تتعرض احيانا لأنيميا من طراز آخر، اشدّ فتكا، خصوصا اذا انسحب المثقف من الحلبة، وتشرنق كي يجتر ذاته الفقيرة، ويعيد انتاجها حتى وهو ينظر الى الشمس او سلسلة جبال، ولا يعنينا ما يقال او ينشر من توصيفات للمشهد السياسي العربي، والهشاشة الدفاعية لدى العسكرتاريا الصفراء، لأن هذا كله لن يكون له معنى الا اذا فقدت الثقافة مناعتها، وتحولت الى ظل وصدى وسادت عليها الروح الامتثالية الببغاوية، بحيث يجد المثقف نفسه كالمضبوع في الحكاية الشعبية، يعدو راجفا خلف الضبع الذي نفخ في وجهه وهو يناديه يا أبي ...
وثقافتنا العربية الان مضبوعة، ولا سبيل الى اعادتها للرشد التاريخي الا باسترداد الوعي، بعد كل هذه القرون لا العقود من السبات، والاستغراق في غيبوبة معرفية، لم تكن الغيبوبة السياسية الا من تجلياتها وافرازاتها السّامة !
واذا كان لا بد من فواصل تاريخية هي بمثابة مقتربات منهجية لاستقراء الابادات الثلاث، فإن عام 1492 وهو عام سقوط غرناطة، فاصل تاريخي بامتياز، دفع اكثر من مؤرخ وباحث في عصرنا الى اعادة النظام العالمي الجديد الى تلك الفترة او ذلك السقوط، وهو العام الذي تزامن مع اكتشاف العالم الجديد او الزائر غير المرغوب فيه حسب تعبير شهير لريجيه دوبريه، وقبل غرناطة، كان سقوط بغداد عام 1258 علامة فارقة، حيث أعلنت البومة الخريف ونعبت في الغسق، كنقيض للمثل الانكليزي القائل بأن السنونوة الاولى تعلن الربيع.. وقد نحتاج الى عقدين قادمين او ثلاثة كي نتأكد من ان سقوط بغداد الثاني في مطلع القرن الحادي والعشرين هو شاهدة ثانية على ضريح مغمور بالغبار، وقد يختزل هواة جمع القشور سقوط العواصم الكبرى بسقوط نظام او جنرال او حتى دولة، والحقيقة ان للسقوط دلالات أخرى تتجاوز هذا الاختزال الثأري والقراءة العوراء والكيدية للتاريخ، وكأن على النظام السياسي العربي ان يدرك في تلك الظهيرة السوداء انه فقد عذريته السياسية او ما كان يتوهم انه كذلك، خصوصا بعد ان اتضح ان الدولة العربية السايكوبيكوية هي شجرة لبلاب لا سنديانة او نخلة .

'''
الابادة الثالثة المستولدة من الابادتين الحمراء والبيضاء هي ثقافية، واللغة احد اهدافها البعيدة بل الاستراتيجية، فاذا كان ابو الطيب قد وقف غريب اللسان والقلب في شعب بوان ذات يوم فإن ذرية برمتها قد تكتشف في لحظة ما بأنها ترطن باللغة الأم، وتفتش في سرب الغربان الذي يغطي أفقها عن ريشة بيضاء او حتى رمادية، وقد تجدها، لكن في غراب اشيب .
اننا لا نحتاج الى مناسبة لفتح مثل هذه الملفات المغمورة بالغبار او الملقاة في خنادق امتلأت ببول الكلاب والمارة، وان كانت نوبة السعارالصهيونية التي تعتري دولة مسكونة بهاجس اسبارطي تحرضنا على الاسراع في فتح هذه الملفات وما يسمى عبرنة التضاريس الفلسطينية واسماء المدن والمعالم هو مقدمة لاقصاء اللغة العربية عن الاماكن الممهورة بها، لكأن هناك تاريخا آخر يبدأ بعد التاريخ .
وما يشعرنا بالهلع هو لا مبالاة الثقافة الرخوة بهذه الافخاخ، التي تستدرجها كي تصبح ثقافة أقلية تنتهي الى فولكلور وطقوس موسمية . العَبرنة والتهويد هما مستويان من الابادة، يستكملان ما بدأت به الأَسرَلة، فالاستيطان بدأ بالارض ثم تمدد الى اللغة واخيرا الى الثقافة كلها، وثمة ضحايا لديها الاستعداد ان تقايض دمها كله بحفنة علف او بوسام اقل قيمة من ريشة دجاجة ميتة .
لقد أفرط مؤرخو هذه الحقبة في وصف ما يسمون المابعديات بدءا من ما بعد الحداثة وما بعد الصهيونية وما بعد الاستعمار، واخيرا ما بعد الانسان وما بعد التاريخ، لكنهم اهملوا شيئا اساسيا هو ان هذه المابعديات الشكلاينة عودة غير مظفرة الى الماقبليات بدءا من ما قبل الدولة وما قبل التاريخ وما قبل القانون !
لقد اعلنت الدقّة الثالثة على خشبة المسرح المنهار الابادة الثالثة !!

Thursday, July 23, 2009

قهوة مُرّة.. جدا مُرّة... سهيل كيوان

منذ أيام وأنا أحلم بلقاء طقم نحاس، منذ قررت زيارة البلاد وأنا أراه أمامي، ليلة الأمس تقلبت، أرقت بسببه، استعدت صورة والدتي في كهولتها وهي تجمعنا حولها في بيتنا في المخيم وتقول لنا: أثناء هجيجنا من لوبية عرجنا على قرية في الجليل اسمها دير حنا، وقبل أن نواصل مسيرتنا الملعونة شمالاً، تركتُ هناك طقم نحاس، كان هذا لوالدي، جدكم أورثني إياه، وهو غال عليّ، تركته لدى امرأة فاضلة هناك..
قلت - يعني لو دخلنا الآن قرية دير حنا، وسألنا عن طقم نحاس تركته امرأة من لوبية في عام الهجيج..ألا تعتقد أنها ستكون نكتة ظريفة! ثم من ستسأل الآن عن طقم نحاس في قرية كان عدد سكانها بضع مئات وصارت الآن حوالي عشرة آلاف! ثم كم تبقى من نساء ذلك الزمن! في أحسن الأحوال سنجد بضع عجائز! بعد كل هذا الذي مر على الناس والمنطقة والعالم في الستين سنة الماضية..من يذكر طقم نحاس! ثم من يدري! لعل ابن هذه الامرأة أعجبه الطقم فأخذه لاستعماله الشخصي! بل ربما باعه أحد أحفادها! هل تعرف كم يساوي مثل هذا الطقم بالنسبة للولد! قد يكون ثروة لأسبوع على الأقل، ولا أستغرب حتى لو اهتدينا الى هذه السيدة (العجوز) أن تعتذر وتقول..إن (مقصوف الرقبة) فلاناً من أحفادها غافلها وباعه! أذكر في طفولتنا رجلاً كان يشتري منا النحاس، لا أعرف من أين كنا نعثر على كل تلك الكميات من هذا المعدن، بعض الأولاد الأشقياء لم يتورعوا عن سرقة أوان منزلية من أمام البيوت وبيعها له!
رد باسم - أنا متأكد أن طقم النحاس ما زال موجوداً....بل وأعرف الإمرأة التي تحتفظ به...إنها جدة لشاب يدعى رائف ....
رائف!
نعم ..التقيته في الدنمارك قبل بضع سنوات في نشاط سياسي...عرّف على نفسه أنه من قرية دير حنا! عندما عرفته عليّ وقلت إنني لوباني الأصل ضحك رائف وقال لي: بالمناسبة..جدتي تقول إن امرأة من لوبية مرت من هناك في عام الهجيج......تركت عندها طقم نحاس ريثما تعود....
طبعا اقشعر بدني...في كل مرة حدثتنا والدتي عن لوبية ومسيرة الهجيج، لم تنس الطقم الذي ورثته عن والدها...وتركته هناك ...والسؤال هل هو الطقم نفسه!
قلت - حسناً، دير حنا ليست بعيدة...لماذا لا نجرب! ماذا سنخسر!
- الصباح رباح....
- بل الآن ...في الصباح يخرج العمال إلى أعمالهم، فلنذهب الآن....
في حوالي العاشرة مساء دخلنا دير حنا..وهي من قرى الجليل الجميلة، تقع على هضبة، فيها قلعة من قلاع ظاهر العمر الزيداني، شوارعها القديمة مرصوفة بالحجر المدقوق، فيها معصرة زيتون على الطراز القديم ومتحف صغير لسياحة طلاب المدارس، كذلك فيها معاصر زيتون حديثة، تشرف على سفوح وكروم زيتون على مد النظر من جهة، ومن جهة على سهل البطوف الذي يسيل لعاب السلطات عليه منذ عشرات السنين، والذي كانت مصادرة أجزاء منه أحد أسباب انتفاضة يوم الأرض الأولى.
رحنا نسأل المارة عن رائف الناشط السياسي الذي التقاه باسم في الدنمارك قبل سنوات، عثرنا على أكثر من رائف واحد، ولكن لم يمض وقت طويل حتى أشار لنا أحدهم إلى فرن للخبز صاحبه نسيب لرائف، خلال دقائق كنا هناك، هبطت من السيارة وسألت عن ..رائف...
رد صاحب الفرن - أنا نسيبه...تفضلوا إشربوا إشي بارد....أهلا وسهلا.. كلوا إشي...بحياة الله .. منقوشة...فطيرة بجبنة....
وما هي سوى دقائق حتى هاتف شخصا ما، وبعد دقائق وصل مرحباً بنا...أنا أبو ماهر شقيق رائف.... رائف مسافر... تفضلوا....
عرّفته على رفيقي - هذا صديقي أصله من لوبية....يعيش في الدنمارك اليوم....التقى شقيقك رائف قبل سنوات...وقد أخبره أن لدى جدته (يعني جدّتك) طقم نحاس لامراة من لوبية منذ عام النكبة...
أعلن أبو ماهر حالة طوارئ من خلال هاتفه، استدعى أشقاءه وشقيقاته وأزواجهن الى بيته، وخلال ساعة تم ذكر عشرات الأسماء وإعادة كل اسم إلى نسبه وأصله وفصله واكتشفت صلات قربى وأنساب وصداقات ضاربة في أعماق الزمان والمكان..
نعم الجدة توفيت منذ عامين فقط، تحدثت مرارا عن طقم نحاس لسيدة من لوبية اسمها ثريا ..... كان معها زوجها وطفل ....
- والدتي هي ثريا ابراهيم ذياب والطفل هو شقيقي الأكبر...يعيش في أمريكا اليوم....قال باسم...
بعد الضيافة انتقلنا راجلين في موكب كبير إلى بيت الجدة في وسط الحي القديم، غرفتان حجريتان واسعتان وشرفة، مطبخ وسدّة، في المطبخ قاطع مفصول بستارة من قماش، وراء الستارة (شقاشيق) تستخدم في عملية قطف الزيتون، أكياس من الخيش وقطع من النايلون للهدف ذاته، برميل، أدوات منزلية ضخمة لم تعد قيد الاستعمال، جرّة ضخمة قديمة من الفخار واضح أنها تستعمل لتخزين الزيت..قال أبو ماهر: إنها تحفة قديمة، دفع لي فيها أحد جامعي الأنتيكا عشرة آلاف شيكل..ولم أتنازل عنها، ثم انحنى وسحب كانونا من النحاس عَلته الغبرة، فيه محماسة، دلة، إبريق، مصبّان، سحبه إلى وسط الغرفة، والجميع ينظرون إليه برهبة تكاد تكون مقدسة ...
قرفص (باسم)، تأمل الأواني واحدة واحدة ثم رفع الدلة الثقيلة...وراح يتحسس زخرفاتها، يفتح غطاءها وينظر داخلها..
قلت مقاطعاً تأملاته - هل تعرف مراحل غليان القهوة السادة؟
لا أعرف...
- أربع مراحل لغليان القهوة السادة...كل مرحلة لها اسم حسب حجم فقاعة القهوة على وجه الدلة، في أول غليانها يقولون ...(فوّلت)..أي أن الفقاعات صارت بحجم حبة الفول، ثم حمّصت..وعدّست..ثم سمسمت ..أي صار حجم الفقاعات بحجم حبات السمسم وصارت جاهزة للشرب.....
شغلة طويلة...قال باسم...
- طبعا.. يحتاج إعدادها إلى نهار كامل، كانت القهوة السادة فقط في بيوت المتفرغين لها،اليوم على الغالب تقدم في المناسبات، يعدّونها بسرعة ويحتسونها قبل أن تسمسم...
على كل حال...ها قد وصلت الأمانة لأصحابها بعد ستة عقود....
قال أبو ماهر متوجهاً إلى باسم ومشيرا إلى الطقم: تفضل الأمانة..إنها لك....
فرد باسم: ما قيمتها إذا أخذتها معي إلى الدنمارك! قيمتها بأن تبقى هنا...ثم وقف في مواجهة أبناء الأسرة وكأنه يستعيد ما كانت قالته والدته ربما في هذه الغرفة ذاتها قبل ستة عقود: بعد أيام سأعود إلى الدنمارك، الأسرة موزعة بين أمريكا وأوروبا ولا أعلم إلى أين قد أصل، سأنقل لأبنائي قصة طقم النحاس الذي تركته جدتهم عام الهجيج عند أسرتكم الكريمة في دير حنا، وها أنا أجدد الأمانة مرة أخرى، أتركها عندكم فأنتم خير من...من ...من..من...من يحفظ الأمانة.....م

Wednesday, July 8, 2009

الحمل المستكن - خالد منتصر - 7/8/2009 - ايلاف

فى مؤتمر طبى بإحدى كليات الطب الخاصة وقف أستاذ طالباً الكلمة وقال "لماذا لانناقش فى المؤتمر الحمل المستكن؟!"، ولما سأله الحاضرون عما يقصده بالحمل المستكن، رد قائلاً : أقصد الحمل الذى يظل عاماً وعامين وثلاثة وأربعه!!، إندهش الحاضرون أساتذة وطلبة وتساءلوا: هو فيه حمل بيقعد ثلاث أو أربع سنين!!، رد الأستاذ واثقاً وساخراً من جهل زملائه :طبعاً..إذا كان الإمام مالك ظل فى بطن أمه ثلاث سنوات.
خطورة هذا الرأى أنه قد صدر عن أستاذ طبيب المفروض أنه قد تعلم المنهج العلمى فى التفكير، والمفروض أن مرجعه فى الطب هو المراجع والمجلات العلمية، وفى قضية طبية مثل معلومة أقصى مدة للحمل لابد أن يعود إلى ماتعلمه وقرأه فى هذه المراجع وليس إلى ماقرأه فى كتب الفقه، ولكن هذا الأستاذ للأسف لايعبر عن نفسه ولكنه صار يمثل ظاهرة تغلب النقل على العقل، ويلخص تياراً مستعداً للتضحية بكل ماتعلمه من طب فى سبيل تغليب نص فقهى أوالإنتصار لفتوى تراثية، بدليل أن هذا الأستاذ ليس الوحيد الذى ينتصر لمثل هذه الآراء ولك أن تعلم أن من يتزعم تيار دعم وتأييد ختان الإناث لدرجة أنه قد إختصم وزير الصحة أمام المحاكم يعمل أستاذاً للنساء والتوليد!!.
بعض الفقهاء مثل الحنفية يرون أن أقصى مدة للحمل قد تطول إلى سنتين، والمالكية والشافعية أربع سنوات، والبعض يرى أنها خمس سنوات، والبعض مدها إلى أكثر من ذلك!!، وهو كلام نقبله كنوع من الفولكلور ولانقبله على الإطلاق كنوع من العلم أو الحقيقة، ومن الممكن تبريره كما سنرى لاحقاً نتيجة سوء فهم لبعض الظواهر آنذاك مثل إنقطاع الحيض والتى لم يستطع القدماء تفسيرها إلا بأنه حمل مؤكد فحدث الإلتباس، أما أن يفرض كائن من كان على تفكيرى وعقلى أن أقبل هذه الخزعبلات تحت مسمى تطبيق الشريعة فهذا ماأرفضه أولاً للإسلام دين العقل بأن تلصق به هذه الأفكار التى تنتمى للقرون الوسطى، وثانياً أرفضه بالنسبة لعقلى الذى يفرض عليه أن يقبلها لمجرد أن المفتى قد ذكرها فى كتابه أو لأن الأزهر يدرسها فى منهجه!، فكيف أقبل علمياً مالم يشاهده طبيب نساء وولادة واحد منذ إختراع علم طب النساء والتوليد، ومالم يسجله جهاز سونار واحد حتى فى بلاد واق الواق؟!!، وكيف أقبل أخلاقياً أن أسمح بطوق نجاة فقهى لإمرأة من الممكن أن تمارس الفاحشة بعد وفاة زوجها ثم تنسب طفل الخطيئة للأب المتوفى إحتماء بمظلة الحمل المستكن أو تستراً وراء فتوى فلان أو مذهب علان كما حدث فى 19 جمادى الآخرة عام 1346هجرية فى المحكمة الشرعية فى مكه عندما حكم القاضى مصطفى عبد القادر العلوى بإلحاق نسب طفل ولدته أمه بعد موت زوجها بخمس سنين!!.
ولكن السؤال المهم هل ظل مفهوم الحمل المستكن سجين كتب الفقه لايطبق إلا فى الدولة الدينية أم تسلل إلى قوانين الدولة المدنية المذعورة من شعارات جماعات ضغط الإسلام السياسى؟، هل نحن دولة تحترم العقل والتفكير أم تقدس النقل والتكفير؟.
العلم يعرف كلمة الجنين ولايعرف أو يعترف بمايسمى الحمل المستكن أو مدة الحمل التى تتعدى عشرة شهور فمابالك بحمل السنتين والأربعه!، والمفروض بداهة أن يتبعه القانون ولايحاول مجاملة الفقهاء على حساب العلم، فهذه إجتهادات زمانهم ولابد أن توضع فى إطار هذه الظروف ولاتصبح سيفاً على رقبة المشرع، ولايعقل أن يضم القانون المصرى والسورى والخليجى نصوصاً تتحدث عن الحمل المستكن بمفاهيم القرن الرابع، فعلى سبيل المثال القانون رقم 15 لسنة 1929 " لاتسمع دعوى النسب لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج"، وفى القانون 131 لسنة 1948 فقرة تقول "حقوق الحمل المستكن يعينها القانون"، وفى مرسوم بالقانون رقم 67 لسنة 1980 "الحمل المستكن أهل لثبوت الحقوق.."، وفى المادة 29 من قانون الأحوال الشخصية "على الوصى على الحمل المستكن إبلاغ النيابة العامة بإنقضاء مدة الحمل.."، وكذلك فى المادة 128 من القانون السورى، وكذلك فى قانون الولاية على المال فى البحرين.
دائماً يأتى الرد من أنصار النقل وأعداء العقل بأن الفقهاء يحسبون حساب الأشياء الشاذة التى من الممكن أن تحدث ولو نادراً، والفرق كبير بين الشاذ والمستحيل، فالمرأة التى تنتمى لفصيلة الإنسان لايمكن أن تتحول فجأة لفيل آسيوى ويتجاوز حملها السنتين!، وحتى مدة السنة الشمسية التى جامل فيها القانون الفقهاء وأصابه الحرج منهم مدة مستحيلة، وبوادر إنقباضات الولادة لها أسس ونظريات علمية مستقرة وواضحة، فالرحم ليس مخزناً صامتاً، والقاعدة هى أنه مستعد للفظ الحمل كجسم غريب ولكن الحكمة الربانية تضبط الإيقاع الهورمونى فيحتفظ الرحم بالحمل حتى يحين موعد الولادة وشرارة الإنقباض التى وضع لها العلماء نظريات منها أن عضلات الرحم عندما تصل لدرجة معينة من "السترتش" والتمدد تبدأ الولادة بدليل أن التوائم تولد مبكراً لأن التمدد أكبر، ونظرية أخرى هى أنه عند نضوج الرئة تفرز مادة البروستاجلاندين التى تذهب لمستقبلات عضلات الرحم فينقبض إستعداداً للولادة، وهناك نظرية تليف وضمور المشيمة التى لها عمر محدد لن تتخطاه ولن يصل إلى الجنين أى غذاء بعدها، ولو ظل هذا الجنين أكثر من 42 أسبوع فهو معرض للوفاة داخل الرحم، ولو أكثر من 43 فسيتوفى حتماً، ولابد من تدخل الطبيب بحسم عندما تتجاوز الأم الحامل ال 42 اسبوع، فمابالكم بجنين الخمسين أسبوع الذى يتحدثون عنه، من المؤكد أنه سيتعفن داخل الرحم، وحتى هذا الطفل المتوفى داخل الرحم لن يستطيع الطبيب تركه لمزاجه وللظروف لسبب بسيط هو أن هذا الجنين المتروك ميتاً داخل الرحم سيتسبب فى تغيرات فى تجلط دم الأم التى ستصبح معرضة للموت،ومعرضة أيضاً لجلطات السائل الأمنيوسى التى ستودى بحياتها.
إذن مدة الحمل غير متروكة للصدف والإحتمالات وتغير الأمزجة والأزمنة، ومن يقل الآن أن الإمام مالك ظل ثلاث سنوات فى رحم أمه يهزل فى موضع الجد، والذنب ليس ذنب من قال قديماً، ولكن الذنب ذنب من تبنى هذا الرأى حديثاً!!،
مناقشة آراء رجال الدين والفقهاء وإنتقادها ليست إنتقاداً للدين أو إنتقاصاً منه، والمفروض ألا تكون هناك حساسية عندما تناقش مسألة علمية أخطأ فى فهمها وتفسيرها الفقهاء قديماً، ولايجب أن نرفع السيوف متحفزين عند مناقشة هذه الآراء، فالخطأ ليس خطأ من يناقشها ولكنه خطأ من يعتبرها من صلب الدين، والأسئلة الإستنكارية التى يلقيها رجال الدين مثل هل تكذبون الفقهاء؟، ومن أنتم حتى تطاولوا قامة هؤلاء؟، مثل هذه الأسئلة معوقة لأى تقدم فكرى وعلمى، فنحن لانتهم الفقهاء بالكذب بل نضع أراءهم فى ظروف زمانهم ولانقدسها لأنها فقط صدرت عن رجال ثقات، فالحقيقة العلمية لها شروط أخرى غير مدى تقوى وورع صاحبها، وأيضاً كل من يناقش رأياً فقهياً فى العلم ليس معناه أنه يناطح الفقهاء ويطاول قامتهم، من الممكن ألا يكون أفضل منهم ورعاً وإيماناً ولكنه بالقطع يمتلك وسائل بحث عصرية أفضل منهم، وهذا لايعنى بأى حال إنتقاصاً منهم أو جرحاً لإجتهاداتهم.
قضية علمية مثل أن أقصى مدة للحمل سنة أو سنتان أو أربعة، لانستطيع أن نقبل تسللها إلى نصوص القانون وأمخاخ طلاب الأزهر لمجرد أن الفقهاء القدماء قالوها ورددوها، ولكن من الممكن أن نفسر وقوعهم فى هذا الخطأ بمفاهيم زمانهم وبيئتهم، فماقيل عن أقصى مدة للحمل رددته سيدات هذا الزمن بفولكلور هذا الزمن وعلم هذا الزمن، فسروا أى إنقطاع للحيض بأنه حمل، وبدأن فى حسابات خاطئة بناء على هذا التفسير، فكان من الممكن أن ينقطع حيض إمرأة بسبب الرضاعة سنة أو أكثر ثم تحمل أثناء هذا الإنقطاع فتضيف المدة الأولى على الثانية وتتوهم أن حملها سنتان!، والحمل الكاذب من الممكن أن يعطى نفس النتيجة، ففى هذا الحمل ينقطع الحيض وتحس المرأة بنفس أعراض الحمل تقريباً من قئ وتقلصات بل وإنتفاخ بطن، وتفسر حركة الأمعاء على أنها حركة جنين، فإن تم الحمل الحقيقى أضافت هذه المرأة الملهوفة على الحمل مدته إلى مدة الحمل الكاذب، وأيضاً إذا ولدت المرأة طفلاً بأسنان،فسرت وترجمت هذا الحدث على أن هذا الطفل تجاوز العام داخل الرحم!!، مع أن هذه الأسنان زائدة وعادة ماتسقط لينمو بدلاً منها الأسنان الطبيعية ويراها أطباء النساء الآن بدون أن يفسروا ذلك على أنه معجزة طفل ولد فى سن المدرسة!!.
قضية الحمل المستكن تفتح الباب أمام مناقشة كل ماإعتبرناه علماً وطباً داخل كتب الفقه، فلايمكن الآن فى القرن الحادى والعشرين أن نقول كما قال الفقهاء قديماً أن دم الحيض هو لتغذية الجنين وينقلب لبناً أثناء الرضاعة!، ونرمى كل ماتعلمناه فى مراجع طب النساء من تغيرات هورمونية تضبط إيقاع الدورة الشهرية وتمنع حدوثها أثناء الحمل، ولايمكن أيضاً أن نعتمد على مفاهيم ماء الرجل وماء المرأة فى تناول قضايا الوراثة والسكسولوجى وعلاج العقم، ونغض الطرف ونتجاهل مفاهيم الحيوان المنوى والبويضة والإنفجار المعرفى الذى حدث بعد إكتشاف الدى إن أيه، وكذلك المفاهيم التى تلصق بالدين على أنها فرائض طبية وهى فى الحقيقة ممارسة طبية مناسبة لزمانها مثل الحجامة التى من فرط الدفاع عنها ظننتها الفريضة السادسة.
أعتقد أن هواية التحنيط لم تندثر عند المصريين، فهاهم الآن يحنطون الدين والعلم معاً.