Friday, April 12, 2013

مزاج اﻷنتحار - عزت القمحاوي - القدس العربي 20130412


لا أحد يلعب أو يحارب سعيا إلى الهزيمة، على الرغم من أن أسوأ الهزائم قد تكون أفضل أثرا من أعظم الانتصارات. 
الهزائم توقظ العقل والانتصارات تذهبه، لذلك من النادر أن تؤدي هزيمة إلى هزيمة أخرى، بينما يجر الانتصار الهزيمة التي ستعقبه بحبل من فرح. 
إسرائيل الكيان غير الطبيعي، لم يهنأ بهزيمة كاملة تعيد لسكانه صوابهم منذ تأسيس دولة الاستيطان اليهودية على أرض فلسطين. بعد نكبتنا (حرب الاستقلال بلغتهم الواهمة) كانت حروبهم محض ذبذبات لا تكفي لإعادة الوعي، نصرا عسكريا عادلت أثره هزيمة سياسية في 1956، نصرا كاسحا في 1967، هزيمة محدودة في 1973 أحالتها المفاوضات في 1977 نصرا يبدو حتى الآن أبديا، وما بعد ذلك كانت مناوشات مع فصائل مقاومة من اجتياح بيروت إلى اجتياحات غزة، تقوم بدورها في تذكير العالم بهشاشة إسرائيل المحاطة بأعداء وتذكر الأعداء بقوة إسرائيل المنتصرة دائما!
كل حروب الكيان الطارئ لم تقلل من جنون النصرة الأولى؛ نصرة التأسيس الكئيب لكيان لم يتعايش مع شيء قدر تعايشه مع الجنون.
واليوم، من حق الإسرائيليين أن يفرحوا بالنصر في حرب لم يخوضوها. حرب تحرير الشعوب العربية بإرادات أبنائها الحرة، التي تحولت إلى انتصارات لأكثر قوى المجتمع ظلامية بفضل خطة تمكين أمريكية واضحة وشفافة أكثر مما ينبغي.
نصر مزدوج أسكر الإسرائيليين والقوى المنتصرة في بلاد الربيع العربي: مصر، تونس، والمغرب (التي تسلمها الإسلاميون قبل أن تتحول أول نسمة إلى ربيع حقيقي). اختلاف الأثمان التي دفعها الإسلاميون نظير الكراسي واختلاف التوازنات مع القوى الأخرى واختلاف طبيعة الرعاية الأمريكية يحدد درجة السكر التي يتصرفون بها ودرجة العنف التي يتخذون بها قراراتهم هنا أو هناك.
الرعونة الانتحارية حتى الآن تبدو من نصيب إخوان مصر، إلى حد لم يعد واضحا معه إن كان هذا الانتقام السريع من كيان الدولة المصرية مصدره فخر المحارب أم ذل الزوج الذي لم يتمكن من روح أو جسد عروسه، سكرة النصر النهائي أم هلع الاقتلاع من التاريخ؟
لا أحد يمكن أن يدخل بين الإخواني وقلبه ليعرف مصدر كل هذا الشر المنفلت مثل قنبلة انشطارية تغتال أكفأ الشباب، تنكل بألمع النساء، تدوس القانون، تجفف الاقتصاد، وأخيرا ترتكب الكبيرة المحرمة مصريا: ضرب الوحدة الوطنية.
تاريخ الوحدة الوطنية المصرية ليس رومانسيا حالما على الدوام. كانت هناك مناوشات تبدأ بين متنافسين في الحب أو في التجارة وتنتهي بتحويل مجراها طائفيا. ولأن مصر لم تعرف الانتخابات النزيهة التي تسمح بتداول السلطة؛ فقد كان استضعاف المسيحيين المؤشر النهائي والأخير على انهيار الحاكم. 
وكان من الممكن أن يتعرض المسيحيون للاعتداءات في أي مكان حتى الكنائس، لكنها المرة الأولى التي يتم فيها الاعتداء على الكاتدرائية الأم، وقت جنازة ضحايا الفتنة في ضاحية الخصوص شمال القاهرة. 
اعتداء مركب على المقر البابوي للمرة الأولى منذ إنشائه والاعتداء الثاني على حرمة الموت بعد الاعتداء على موكب تشييع ضحايا مجزرة بورسعيد لم يسبق الإخوان إليه أحد، حتى الاحتلال الإنجليزي لم يكن يجرؤ على مواكب العزاء الأمر الذي جعل من تهريب السلاح في نعوش مزيفة أحد كلاسيكيات المقاومة ضد المحتل. لم يسبقهم إلى هذا المجد سوى بشار في سورية، الذي يحارب معركته الأخيرة؛ فهل يعي الإخوان أنها معركتهم الأخيرة قبل الرحيل؟
' ' '
قتل الأب ضروري حتى لو لم يعد سلطة. وقد تأكدوا من زيارة أوباما الأخيرة أنه أول رئيس أمريكي يخرج على أدبيات الوداع، حيث من المعتاد أن ينطق الرئيس في الفترة الرئاسية الأخيرة ببضع كلمات ضد التشدد الإسرائيلي تبرئة لضميره أمام تاريخ لا تنطلي عليه هذه الحيلة.
لم يحذر أوباما قادة إسرائيل من خطورة العناد، ولكنه عبر عن طمعه في إنسانيتهم، وعن أمله في النظر بعين العطف إلى شعب مشرد. رجاء يفتقد إلى الكياسة؛ ففي وقت الانتصارات لا مجال للرحمة أو تعكير القلوب بمآل العدو، ولا مجال للتذكير بفضل الأب في تهيئة ميدان النصر. وهذا ما يعكسه مقال غي بخور 'وسواس أوباما' المنشور بـ 'القدس العربي أمس' نقلاً عن يديعوت. وبحسب المقال فإن أوباما وصناع السياسة الأمريكية يعانون من وسواس قهري اسمه إسرائيل، ويعتبرونها سبب عدم استقرار العالم؛ فماذا عن تهديدات كوريا الشمالية، ماذا عن استخدام طرفي الصراع في سورية للسلاح الكيماوي، ماذا عن الكراهية الدفينة بين السنة والشيعة في المنطقة؟ 
يخلص المقال إلى أن الصراع الإسرائيلي مع 'العرب المسمين فلسطينيين' صراع هامشي وعلى أمريكا أن تتحرر منه وتنتبه إلى مشكلاتها الداخلية المتفاقمة، ولا ضرورة أبدا لأن يكلف الأمريكيون أنفسهم عناء رحلة إلى إسرائيل كل أسبوعين. 
لا يخفي الكاتب فرحه بنصر أخرق لم تخضه دولته؛ بل خاضته أمريكا التي تفاهمت مع العسكر الساقطين على وضع الفصائل الإسلامية في السلطة، وجعلتها تعدل عن هدف الزحف لتحرير القدس إلى الزحف في المحل لتدمير الحواضر العربية المهمة.
لكن الذين خطفوا الربيع العربي ينتحرون بسرعة لم يقدم عليها أي منتصر في التاريخ، وكان أحرى بالإسرائيليين المعتادين على الانتصارات أن يكونوا أكثر تعقلاً وأن يعرفوا أن كل تاريخ دولتهم أقصر من سهرة في قصر أمير عربي ماجن بالأندلس التي خرج منها العرب ومعهم اليهود بعد ثمانمائة عام من الاحتفالات.

Monday, April 8, 2013

العرب في الحرب - الفعالية العسكرية للجيوش العربية بين عامي 1948 و 1991

يعتبر الحديث في ألأمور العسكرية في الدول العربية من المحظورات. و بسبب حساسية الوضع الجيو-سياسي في الشرق اﻷوسط، لا تحبذ الدول العربية مشاركة شعوبها في المعلومات عن مستوى هذه الجيوش و فعاليتها القتالية. و تحيط بالمعارك التي خاضتها الجيوش العربية غمامة من الدعاية الوطنية و انعدام مزمن للشفافية. و تصيب الباحث في هذه اﻷمور خيبة اﻷمل من قلة المصادر العربية التي تناقش مثل هذه المواضيع من زاوية مهنية. و انعدام المصادر و التقارير العسكرية التي لا يفرج عنها بالتقادم كما هو معمول في كثير من الدول الغربية. و يصبح اﻹعتماد على كتب المذكرات التي تهمل التفاصيل و تكون مدافعة عن وجهة نظر صاحبها حسب موقعه من اﻷحداث. و بسبب اعتماد الكثير من اﻷنظمة على الشرعية العسكرية و تعظيم مكانة الجيش بوصفه حامي الحمى و السبيل الوحيد لتحقيق اهداف مثل تحرير فلسطين، فلا يوجد استعداد لعمل اي مراجعات تستهدف المؤسسة العسكرية بالنقد.
و رغم تحسن اﻷمور قليلاً بعد تغيير بعض اﻷنظمة العربية التي خاضت تلك المواجهات، فلا تزال هذه المراجعات محدودة. و نذكر منها مذكرات رئيس اﻷركان سعد الشاذلي مثلاً الذي  قدّم عرضاً لاستراتيجية الجيش المصري  في حرب 1973  و كذلك كتاب جمال حمّاد (المعارك الحربية على الجبهة المصرية) و الذي  قدّم فيه جهدا ممتازاً في البحث في الوثائق المصرية التي أتيحت له و كذلك المصادر الإسرائيلية و إعادة سرد المعارك بالتفصيل في كل الجبهات و من وجهة نظر طرفي الصراع. و كان لا يتردد في توجيه اﻹشادة أو اﻹنتقاد لكلا الطرفين. و تعد حرب أكتوبر من الحروب النادرة التي حظيت بهذا المستوى الجاد من الدراسة ربما بسبب النجاحات العربية فيها. بينما غابت الكتب الجادة في الحديث عن حرب 1948 و 1967 و اقتصرت على كتب مثّلت  وجهة نظر التيار السياسي السائد فترة نشر الكتاب. و الحال في بقية الدول العربية أسوأ. حيث لم تقم أي من اﻷنظمة الشمولية بمراجعة موقفها العسكرية علانية (العراق في حروب 1948 و 1967 و  1973 و 1980 و 1991) و سوريا (1948 و 1967 و 1973) و ليبيا القذافي، أو حتى دول معتدلة مثل اﻷردن.
و هو ما سبب في تشوه المعرفة المتاحة عن تاريخ الحروب العربية المعاصرة وشجع  نظريات المؤامرة و الخيانة و العمالة كسبب لكل الهزائم العربية (ان تم اﻹعتراف بأنها هزائم). و أدى لغياب التقييم السليم للشعوب العربية عن مدى فعالية جيش كل دولة و قدرته على مواجهة التحديات العسكرية و اعتبار ان تاريخ الفتوحات اﻹسلامية يكفي للتدليل على اننا مستعدّون فطريا للحرب و كل ما نحتاج هو شيء من السلاح و بعض التوفيق في القيادة. مثل هذه الصور هي ما أدى لصدمة الكثيرين من الهزيمة الساحقة التي مني بها العراق في حرب عام 1991 مثلاً، حيث خرجت قوات التحالف بخسائر تافهة في اﻷرواح و المعدات أمام جيش كان يعتبر حتى ذلك الوقت من أقوى الجيوش العربية.
و لاستكمال الصورة، يضطر المتابع للجوء للمراجع المتاحة في المكتبة العالمية، مع الحذر و الانتقائية في اختيار المعلومة. حيث أن الكثير من المراكز البحثية تعمد إلى تشويه الحقائق لاعتبارات تتصل بالصراع العربي اﻹسرائيلي. و في هذه المقالة سنعرض لكتاب Arabs at War للكاتب اﻷمريكي Kenneth Pollack. و الذي عمل محللا" عسكريا" لوكالة اﻹستخبارات المركزية اﻷمريكية للخليج العربي. و مديرا لشؤون تلك المنطقة في مجلس اﻷمن القومي اﻷمريكي. الكتاب يقع  في نحو 590 صفحة ما عدا المراجع و الحواشي. وهو يقسم ﻷبواب تغطي الجيوش العربية التالية: المصري، العراقي، السوري، اﻷردني، السعودي، الليبي. حيث يستعرض تاريخ حروب كل جيش بين عامي 1948 و 1991 و يقدم تحليلا ﻷداء الجيش في كل حرب، و يحدد عوامل القوة و الضعف على المستوى التكتيكي و الاستراتيجي ثم يحدد مدى التحسن أو الضعف في تلك العوامل على مدار السنوات التي يغطيها.
1- الجيش العربي اﻷردني:
منذ تأسيس الجيش اﻷردني تحت اﻹنتداب البريطاني، في بداية القرن العشرين، كان تأثير النفوذ البريطاني تدريبا و تسليحاً هو الطاغي على هذا الجيش. و كان البداية هي لصد غزوات الواهبيين من السعودية و من ثم تطور للقيام بواجب امني. و في الحرب العالمية الثاني تم زيادة عدد القوات لتصير حوالي 10000 جندي  القوة الضاربة فيه هي لواء مدرع.  و قد تم اعطاء هذه القوات بعض الواجبات في الحرب العالمية مثل مواجهة رشيد عالي الكيلاني في العراق و قوات فيشي في سوريا. و تم  تحضير بعض الوحدات للاستخدام وقت الحاجة للدفاع عن مصر و القام بواجبات الحراسة. منذ نشوء الجيش كان التركيز على ابقاء الحجم صغيراً. و كان اﻹنضمام للجيش مبني على التطور و كان مطلباً لكثير من أبناء البادية. و كانت اﻹنتقائية عاملاً مساعداً على اختيار العناصر الجيدة التي تخدم لسنوات طويلة مما يتيح التدريب و اﻹتقان على المهمات العسكرية. و قد كانت عناصر القيادة العليا و الوسطي مطعّمة بالكوادر اﻹنجليزية مما انعكس بشكل إيجابي (حسب عرض الكاتب) على أداء الجيش في حربة الرئيسية اﻷولى:
1-1 الجيش اﻷردني في  حرب 1948:
يوجد انطباع عام لدى الكاتب أن الأردن كان يدرك ان حجم امكاناته لا يسمح بتحقيق نصر عسكري حاسم و هزيمة المشروع الصهيوني في فلسطين. و كانت الخطة هي ان تحافظ القوات على ما اعطي ﻷهل فلسطين في التقسيم و ضمها للأردن.  و من العوامل المساعدة على تحديد أهداف اﻷردن كان حقيقة ان معظم القيادات العليا في الجيش هي من الضباط البريطانيين و قد امرتهم بريطانيا بترك مواقعهم لو تجاوزت قواتهم خط التقسيم داخل اﻷراضي المعطاة للصهاينة. و عليه كانت خطة قائد الجيش الجنرال غلوب هي احتلال الضفة و الدفاع عنها مع الحرص على تقليل الخسائر البشرية.
كان أول اشتباك بين الجيش اﻷردني و العصابات الصهيونية قبل الحرب بشهر. حيث عكفت القوات الموجودة في مستوطنة عتصيون (Etsioni) على حدود القدس على التحرش بالقوات العربة في تلك المنطقة. و قرر البريطانيون ارسال قوات لتأديبهم و ضمت القوة سرية من الجيش العربي مصحوبة بالعربات المدرعة و الدبابات. و بعد قتال قرر البريطانيون ان شكان المتعمرة تلقوا درسهم و سحبوا قواتهم مع اﻹبقاء على السرية اﻷردنية و بعض المتطوعين الفلسطينيين الذين كانوا يأملون بوصول اﻷوامر من عمان لاحتلال تلك المنطقة.
و بعد اسبوع  انتظار اﻷوامر قرر قائد السرية العقيد عبد الله التل التحرك بمفرده و قام بإصدار أمر الهجوم. و رغم ان عدد سكان المستوطنات اﻷربع من رجال و نساء قادرين على القتال وصل 500 مقارنة بعدد أقل للقوة العربية. فإن السلاح العربي كان أثقل من حيث وجود السيارات المدرعة و المدافع الثقيلة و الخفيفة. نجح التل في عزل المستوطنات اﻷربع ثم تم مشاغلة المستوطنة الرئيسية بالمدفعية و بهجوم تثبيتي بينما قامت المدرعات بمناورة التفاف و سقطت المستوطنات اﻷربع بعد 3 أيام من القتال في 13 مايو.
و في اليوم التالي دخلت قوات الجيش العربي لفلسطين و قاموا باحتلال مواقع دفاعية ممتازة حول هضاب السامرة جنوب القدس. قرر غلوب أن يركز لواءً واحدا لحماية المنطقة من شمال رام الله لجنين. و اللواء الثاني تم تركيزه  حول القدس. و كان هناك تشكيل ثالث من غير المدربين بقي في اﻷردن للتمويه و منع اﻹسرائيليين من شن هحوم عبر نهر اﻷردن.
معركة القدس:
يوم 17 مايو، أمر الملك عبدالله الجنرال غلوب بالهجوم على مدينة القدس. و قد قام غلوب بمعارضة اﻷمر بداية بسبب مخالفته قرار التقسيم و تعليمات الحكومة البريطانية بعدم تجاوز تلك الحدود. في النهاية تقبل غلوب اﻷمر كوسيلة ﻹنهاء اﻹشتباكات المتقطعة في التي كانت مندلعة في المدينة على مدار 3 أيام.
قام غلوب بفصل الكتيبة الثالثة مشاة عن اللواء الشمالي و ضمها لقواته التي تنوي مهاجمة القدس. و قام اﻷردنيون بهجوم من المحورين الشمالي و الجنوبي على الحي اليهودي في المدينة القديمة مع هجوم إشغال من الوسط:
 من الشمال هاجمت الكتيبة الثالثة مدعومة بالسيارات المدرعة و المدفعية على حي الشيخ جرّاح في شمال القدس.
من الوسط هاجمت عدة سرايا مع متطوعين فلسطينيين لحصار الحي اليهودي او اقتحامه.
في نفس الوقت حاولت القوات التي سيطرت على مستوطنة عتصيون (حوالي كتيبة) مهاجمة مستوطنة بنات راحيل لتطويق القدس من الجنوب.
الهجوم الشمالي توقف بعد نجاح أولي أدى لحصار حامية جبل مسكوب. حيث فشل اقتحام بوابة ماندلبم لقطع القدس القديمة عن المناطق اﻹسرائيلية رغم التفوق الكبير في القوة النيرانية مقارنة بالقوات المدافعة التي امتلكت مدفعين مضادين للدبابات فقط و رشاشين متوسطي المدى و رغم أداء القوات اﻷردنية الجيد و استخدام القوات المشتركة. و خسرت الكتيبة نصف قوتها و عدّة سيارات مدرعة أمام حامية صغير بمدفع واحد مضاد للدروع امام حامية روتردام. أوقف غلوب الهجوم يوم 24 حفاظاً على قواته و بقي هذا المحور هادئا حتى الهدنة اﻷولى.
 صادف الهجوم الجنوبي - الذي تم بالتسيق مع لواء مصري قادم من جهة الغرب نجاحاً أقل. فبعد تلاقي القوتين تم شن الهجوم المشترك يوم 21 مايو ضد قوة صغيرة تدافع عن تلال القدس الجنوبية. و تمكن الجيشان من دحر المدافعين بسبب التفوق العددي الساحق. و لكن في المساء جائت تعزيزات اسرائيلية و تمكنت من السيطرة على المنطقة مجددا. و شهدت الثلاثة أيام التالية تبادلا للسيطرة على تلك المنطقة بين العرب و الصهاينة. و في يوم 24 مايو وصلت تعزيزات من رام الله على مستوطنة بنات راحيل لعمل هجوم تطويق جديد. و مثل الأيام السابقة، نجح العرب في أقتحام المستوطنة نهاراً قبل أن يفقدوها ليلاً. و اﻷسوأ من ذلك أن الصهاينة سيطروا على دير مطل على المنطقة كان نقطة ارتكاز الهجمات العربية السابقة. و هو ما أدى لتوقف الهجوم العربي و اتخاذ المواقع الدفاعية.
فقط في المنطقة الوسطى، تمكن الهجوم اﻷردني من تحقيق أهدافه. حيث كان الحي اليهودي محاصراً بالمناطق العربية و كان صلته باﻷجزاء اليهودية من المدينة الجديدة مقطوعة. لكن حي كان يملك ميزة دفاعية كونه كان على طراز المدن القديمة ذات الشوارع الضيقة و المنازل المرصوصة. و قد تمكن اﻹسرائيليون من إدخال بعض أفراد الهاجانا و اﻷرجون لصد الهجوم المتوقع. و قد حصل الهجوم من كل الجهات يوم 16 مايو و كان يقضم اجزاء الحي ببطء مستغلاً التفوق العددي للعرب. حاول اﻹسرائيليون إغاثة الحي بهجوم يوم 17-18 مايو لكن الهجوم الخاطف تحول لمواجهة مباشرة للقوات اﻷردنية المتمركة جيداً. و قد أثبت اﻷردنيون كفاءة عالية في تصويب النيراني للبنادق و حققوا إصابات كثيرة في المهاجمين. و على الرغم من ذلك،  شغل هذا الهجوم أعين الجيش العربي عن قوة أخرى تمكنت من احتلال جبل صهيون و دخول المدينة القديمة. و رغم المفاجئة، حافظت القوات اﻷردنية على رباطة جأشها و أعادت تجميع قواتها و هاجمت البوابة التي دخل منها الصهاينة. و بعد قتال مرير نجحوا في السيطرة على البوابة و محاصرة الحي اليهودي مجددا. و لمدة 10 أيام، حاول اﻹسرائيليون مرارا فتح ثغرة في هذا الحصار عن طريق فتح بوابة صهيون و كان الجيش اﻷردني قادرا على صد المحاولة و إيقاع الخسائر الكبيرة في المهاجمين. كان تكتيك اﻷردنيين ممتازاً، حيث كانوا يستدرجون القوات المهجمة و يسمحوا لها بالمرور من البوابة حتى اﻷحياء العربية قبل أن يحصروا في جيب قنص. و في تلك اﻷثناء استمر التطهير العسكري للحي القديم باستخدام مزيج من المشاة السيارات المدرعة و المدفعية و قت الحاجة و تم استسلام الحي بأكمله في 28 مايو.


معركة اللطرون اﻷولى:
بالتزامن مع محاولته احتلال كامل القدس، حاول غلوب حصار المدينة عن طريق قطع الطريق الضيق الذي يربط المدينة بمدن الساحل اليهودية. أمر غلوب الكتيبة الثانية مشاة - التي كانت متمركزه شمال و غرب القدس - بالذهاب جنوباً لحصار تل الرادار لقطع طريق القدس - تل أبيب. و غرب تلك الكتيبة كانت الكتيبة الرابعة مشاة بقيادة المقدم حابس المجالي تستغل الفرصة لاحتلال مقر الشرطة عند اللطرون و التي كانت قلعة حصينة على طريق القدس - تل أبيب. حيث نجح اﻹسرائيليون في بداية الحرب في طرد الحامية الصغيرة هناك لكنهم ارسلوا قواتهم لاحقا للدفاع عن بنات راحيل عند القدس في اﻷيام السابقة. و قد قام المجالي بمبادرة ذاتية باحتلال هذا الموقع اﻹستراتيجي الهام يوم 20 مايو. 

سيطرة الأردن على هذا الموقع كانت تشكل تهديداً جدياً لمدينة القدس. و قام اﻷسرائيليون بإرسال اللواء السابع المشكل حديثاً من الكتيبة 79 مشاة ميكانيكية و الكتيبة 71 و 72 المشكلة من المهاجرين اليهود الذين بالكاد كانوا يستطيعون التفاهم بسبب حواجز اللغة! و قد تم إرسال هذه التشكيلات بعجلة بسبب حراجة الموقف، إضافة إلى أن الكتيبة 32 ستقوم بالهجوم من الناحية الغربية للقلعة بينما مهمة اللواء السابع هي الهجوم من الشرق. 

القلعة المبنية من الصخر كانت حصنا منيعا. و قد قام المجالي بوضع معظم قواته نحو الجهة الغربية حيث كان ميلان التل أقل من الشرق. و كان مستعدا تماما لاحتمال تطويق جوانبه. اما الهجوم اﻹسرائيلي، فقد كان بحد ذاته سيئ اﻹعداد. حيث بدأ مساء 24-25 مايو بقصفة مدفعية تبعها الهجوم. و قد كانت بعض الوحدات متأخرة بساعات عن مواعيدها مما أخر الهجوم و بالتالي لم يعطي القصف المدفعي غير تنبيه اﻷردنيين لوقوع هجوم. و قد بدأ تحرك اللواء السابع مع طلوع النهار و تم تثبيته بالنيران اﻷردنية أول طلوع الضوء. هذا التأخير ساعد المجالي على تركيز كل قوته على الهجوم الثاني و تحول الهجوم إلى مذبحة للجانب اﻹسرائيلي لسوء أداء القوات المهاجمة و حصانة المواقع اﻷردنية و دقة نيرانها. و تم صد الهجوم مع حوالي 2000 قتيل إسرائيلي. 

يوم 30 مايو كرر اﻹسرائيليون الهجوم بنفس المستوى السيء. حيث تم الهجوم بكتيبتين فقط: الكتيبة الميكانيكية من اللواء السابع و كتيبة من لواء جيفاتي. هذه المرة كان الهجوم من الجنوب و تمكن اﻹسرائيليون من أخذ قرية دير أيوب المحاذية للقلعة لكنه لم يكن كافيا و تم صد الهجوم بسرعة اﻷمر الذي مكن المجالي من التركيز على الهجوم من الجناح الثاني من الكتيبة الميكانيكية. و رغم استبسال المهاجمين، فقد أوقعت النيران اﻷردنية فيهم خسائر فادحة و تم صد الهجوم: حيث ركّز المجالي على وضع القناصة على نقاط القلعة المرتفعة لتحقيق أصابات في الجنود الجالسين في سيارات مكشوفة. 

هاتان الهزيمتان الساحقان أدت لقيام اﻹسرائيليين بشق طريق التفافي حول القلعة لتوصيل اﻹمدادات للقدس. و رغم ذلك أصبح التفكير العسكري مصمماً على أخذ القلعة و تم التخطيط لهجوم ثالث ليلة 8-9 حزيران. و تم الهجوم باستخدام كتيبتي حاريل و يفتاخ المخضرمتين من جهتين لكن هذه المرة من نقطة أبعد تجاه الشمال الشرقي. حيث يتم تجنب النقطة الضيقة في الوادي. ما جهله اﻹسرائيليون هو أن غلوب قد أرسل كتيبة المشاة الثانية و بعض المدفعية للتعزيز. حيث استمرت الكتيبة الرابعة بحماية القلعة و اﻷجناب، بينما كان دور الكتيبة الثانية هو حماية الممر خلف القلعة حيث تم الهجوم. و بالتالي بدل تحول الهجوم من تطويقي لعزل الكتيبة الرابعة عن الثانية إلى هجوم مواجهة مع الكتيبة الثانية المدافعة عن المنطقة  من خلف تحصينات قوية. و مثل المرات السابقة قدم اﻹسرائيليون اندفاعاً قويا أمام النيران اﻷردنية و تمكنوا من احتلال بعض الخطوط اﻷمامية لكنهم اضطروا للإنسحاب بسبب الخسائر الكبيرة و الهجومات اﻷردنية المضادة و المنسقة. و تم تكرار المحاولة في الليلة التالية لكن إحدى الكتيبتين ضاعت في الليل و تم صد الكتيبة الثانية.  

هجوم العشرة أيام اﻹسرائيلي و معركة اللطرون الثانية
في 11 حزيران اوقفت الهدنة اﻷولى اﻷعمال القتالية حول اللطرون. و قام طرفي الصراع بالتحضير للجولة التالية: حيث قام اﻹسرائيليون بزيادة عدد تشكيلاتهم بتدريب المزيد من المقاتلين. الجيش العربي تلقى ضربة موجعة عندما سحبت بريطانيا كل الضباط البريطانيين الذين تمت إعارتهم للجيش العربي بسبب دخول الجيش المناطق التي حددها التقسيم ﻹسرائيل. و رغم بقاء الضباط الكبار في مناصبهم، فقد غادر قائدا اللوائين الرئيسيين في الجيش و قادة ثلاثة من كتائبه اﻷربع إضافة لعدد من صغار الضباط. تم ترفيع عدد من الضباط ( و من ضمنهم انجليز) لشغر هذه المواقع لكن استعادة منظومة القيادة و السيطرة تطلب وقتاً). 
و بغض النظر عن هذا التعطيل، استغل الجيش العربي الهدنة لتعزيز القوات و الدفاعات و المعدات. و تم تأمين الذخيرة التي كان يعاني الجيش من نقصانها، خصوصاً طلقات المدفعية. على صعيد الوضع عام، قرر غلوب ان قواته منتشرة بشكل خطير و انه يحب إعادة التمركز و تحديد العمليات الهجومية لتكون صغيرة و تهدف لتحسين الموقف الدفاعي العام. الذي شهد بعض التحسن بسبب وصول القوات العراقية جنوب السامرة اﻷمر الذي مكن غلوب من سحب قواته من نابلس و إرسالها لجنوب اللطرون، حيث توقع الهجوم التالي للإسرائيليين. و عند استئناف القتال كان للأردن 3 كتائب ملحقة بسرايا سيارات مدرعة و مدفعية حول اللطرون. 
في التاسع من تموز شن اﻹسرائيليون هجوما رئيسياً على القوات المدافعة عن القدس و ممر القدس - تل أبيب. على محور القدس اندفع اﻹسرائيليون جنوب المدينة لتأمين الجناح اﻷيمن باتجاه البلدة القديمة و شمالاً لأخذ منطقة الشيخ جرّاح و اﻹتصال مع حامية جبل مسكوب. الهجوم الجنوبي نجح في إخراج الحامية الصغيرة من جبل هرزل اﻷمر الذي حسن وضع الجناح اﻷيمن للجبهة اﻹسرائيلية. الهجوم على المدينة نفسها كان سيئاً و صدّته النيران اﻷردنية الدقيقة محققة خسائر قوية. أما الهجوم على الشيخ جرّاح، فلم يفشل و حسب. بل شن اﻷردنيون هجوماً سريعاً منحهم السيطرة على عدة مواقع قريبة. 
   
أشد القتال وقع مرة أخرى حوالي اللطرون. حيث بقي اﻹسرائيليون مصممين على احتلال الموقع و فتح الطريق إلى القدس. الخطة الجديدة كانت بعمل هجوم على مستوى فرقة لفتح مناطق أمام اللد و الرملة شمال اللطرون مما سوف يخفف الضغط على تل أبيب و يمكن الهاغانا من تركيز هجومها على اللطرون من الشمال. غلوب تعمد تخفيف دفاعات اللد و الرملة لتركيز قواته حول اللطرون حيث كانت هاتان البلدتان بعيدتان عن مواقعه الرئيسية و كانتا معرضتنا لخطر العزل في أي لحظة و بالتالي لم يكن من الممكن حمايتهما دون قوات كبيرة جداً. إضافة لذلك، فإن طبيعة اﻷرض الوعرة تمنع الصهاينة من استثمار أي نجاح في السيطرة على المدينتين لمهاجمة السامرة دون أخد اللطرون أولاً. و بالتالي كان اللطرون هو الوقع اﻷهم و أبقى غلوب عدد محدود من العناصر مع المتطوعين بقيادة القاوقجي للدفاع عن البلدتين. 

و بدأ الهجوم ليلة انتهاء الهدنة (9-10 تموز) و تكون من 3 الوية من ضمنها اللواء الثامن اﻷلي المشكل حديثا من 13 دبابة من مختلف البلدان. و كان الهجوم سليماً من ناحية العمليات و أدى لحصر المدينتين من الجهتين. و لم تقدّم قوات المتطوعين أي جهد يذكر بينما صمدت الحامية اﻷردنية قليلاً أمام اللواء الثامن عند دير طرف. و في نهاية 12 تموز نجحت القوات اﻹسرائيلية في مهمتها و وصلت للطرف الشمالي للطرون. و نبه غلوب قواته هناك أن تتحضر لجولة جديدة من القتال. 

بدأ الهجوم اﻹسرائيلي على اللطرون ليلة 14-15 تموز. حيث أرسلت كتيبة من لواء حاريل لعمل هجوم إشغال على تل الرادار. و في تلك اﻷثناء كان هجوم باقي لواء حاريل على جنوب اللطرون و هجوم لواء يفتاخ على الجهة الشمالية الغربية للموقع الحصين. و لم يكن اﻹسرائيليون يعلمون عن حجم التعزيزات اﻷردنية للموقع و أن غلوب قام بإضافة مواقع دفاعية جديدة للشمال و الشرق لحماية أطراف الموقع. و كان انطباع اﻹسرائيليين ان قواتهم لها أغلبية عددية كافية لعمل هجوم تحويط بينما الواقع ان الهجوم هو هجوم مواجهة للخطوط اﻷردنية الجديدة. و مرة أخرى كان يمكن اعتبار الميزان متكافئاً بين ثلاث كتائب أردنية مع إسناد مدفعي قوي و سرايا مدرعات ضد 5 كتائب إسرائيلية مع عدد قليل من المدرعات. إضافة لذلك كانت المواقع اﻷردنية حصينة و في مواجهة الهجوم المعادي. 

و لثلاثة أيام كانت المعارك طاحنة حوالي اللطرون. دهش اﻹسرائيليون عندما وجدوا اﻷردنيين في انتظارهم في المرتفع الشمالي و الشرقي للموقع و صد هجومهم اﻷولي مع خسائر كبيرة. و بالذات عندما قام اﻷردنيون بهجوم مرتد باستخدام السيارات المدرعة ادى لتدمير عدد من الوحدات المسحبة التي لم تتوقع مواجهة هذا السلاح و لم يكن لديها سوى عدد صغير من اﻷسلحة المضادة للدبابات. و كانت المفاجأة من نصيب اﻷردنيين في عدة مواقع تسلل إليها الصهاينة في الليل في هجوم مفاجئ. لكن اﻷردنيين سرعان ما استعادوا ربطاة جأشهم و قاموا برد الهجوم و عمل هجوم معاكس غير مسبوق في شدته كما و صفه مقدم في الجيش اﻹسرائيلي. و بين هجوم و هجوم معاكس تم تبادل السيطرة على عدة مواقع مهمة حتى توقف الهجوم يوم 17 تموز بعد ان وصل المهاجمون إلى مسافة 3 كم على أعتاب الموقع الحصين. 

المحاولة اﻷخيرة كانت يوم 18 تموز. و هذه المرة كان الهجوم بالتعرض المباشر ضد خط الدفاع الرئيسي عن القلعة لاعتقاد اﻹسرائيليين أن الهجومات السابقة أضعفت المدافعين لدرجة أن هجوماً واحداً أخيراً يستطيع حسم الموقف. جمّع اﻹسرائيليون سرية من لواء يفتاخ المرهق مع المشاة الميكانية و عدد صغير من الدبابات من اللواء الثامن. و كان اﻷردنيون مرهقون بنفس الدرجة. و كانت كثير من دفاعات القلعة موزعة على أجناب الموقع لصد أي هجوم التفافي. رغم ذلك، نجحت المدفعية اﻷردنية في قصف القوات المهاجمة بكثافة. و في هذه الظروف تمكنت الدبابات اﻹسرائيلية من التقدم في البداية حتى أدى خطأ في الإتصالات ﻹنسحابها و بالتالي اضطر اﻹسرائيليون لسحب مشاتهم. و عند هذه النقطة وقعت الهدنة الثانية التي اوقفت القتال. و لكن التقدم اﻹسرائيلي مكّنهم من وضع الطرق الموصل من السامرة للّطرون ضمن مرمى نيرانهم. و لولا وقف إطلاق النار لكان من المؤكد سقوط الموقع عن طريق قطع اﻹمدادات عنه عن طريق قصف ذلك الطريق. 

بعد الهدنة الثانية، أدرك الطرفان أن القتال وصل لمرحلة التعادل، و أن أي تقدم على اﻷرض سيكلف خسائر كبيرة في الطرف المهاجم. كذلك بدأ مخزون الجيش اﻷردني من الذخيرة يتناقص. و من الناحية السياسية، رغم خيبة أمل الملك عبدالله من عدم ضم القدس، إلا انه كان شغولاً بتأمين باقي الضفة  و السيطرة عليها خصوصاً مع وجود قوات عراقية في السامرة و مصرية في أريحا. و استمرت أعمال القنص و الغارات المحدودة حتى وقف إطلاق النار في ديسمبر. 

الفعالية العسكرية للجيش اﻷردني في حرب 1948
أداء الجيش العربي اﻷردني كان، و بدون شك، أفضل أداء لكل الجيوش العربية ضد الصهاينة في التاريخ المعاصر:
1- وحده دون كل الجيوش العربية، قاتل الجيش كجيش حديث محترف. الوحدات أظهرت قدراً ممتازاً من الثبات، سواءً على صعيد الوحدات العسكرية أو على صعيد التمسك بالمواقع حتى تحت أشد الضغوط (مثل معركة اللطرون الثانية).
2- الجنود تحلوا بشجاعة عالية بشكل دائم بشهادة اﻷصدقاء و اﻷعداء. 
3- أظهر اﻷردنيون فهماً جيداً لمفهوم العمليات المشتركة و اﻹستخدام المستمر لسلاح الدروع إلى جانب المشاة و المدفعية بشكل أفضل حتى من اﻹسرائيليين. 
4- الدقة النارية كانت عالية جداً.
5- الهجوم المضاد كان دقيق التوقيت و بقدر مناسب من اﻹندفاع. 
6- حرصت الوحدات اﻷردنية على تغطية أجنحتها و لم يصابوا بالذعر حتى عندما نجح  اﻷسرائيليون بهجومات التطويق حول وحداتهم. 
7- الجيش كان يقوم بدوريات مستمرة و بالتالي نجح في كثير من المرات في تجنب المفاجآت اﻹسرائيلية. 
8- صغار الضباط أظهروا قدراً جيداً من المبادرة و استغلال الفرص السانحة (مثل احتلال اللطرون عندما تركها الصهاينة بحماية قليلة). 
9- الضباط استخدموا اسلوب المناورة بالقوات بنجاح للحصول على أفضلية أثناء القتال، رغم أن معظم تلك الهجومات تمت بشكل تعرض مباشر على المستوى التكتيكي. 

هناك على اﻷقل عاملان يتدخّلان عند مناقشة هذه العوامل. أولاً: رغم كون اﻷداء اﻷردني أفضل من الجيوش العربية المقابلة و مساوي إن لم يكن أفضل للقوات اﻹسرائيلية، فهذا اﻷداء لم يكن ممتازاً على كل اﻷصعدة. فالخصم المقابل لم يكن بتلك الجودة، و كان هناك عوامل كثيرة في مصلحة الجيش اﻷردني. قوات الهاجاناة عام 1948 كانت سيئة اﻹعداد و التدريب. و أداء الكتائب المختلفة لم يكن على نفس المستوى. و كان هناك ضعف في التدريب و التسليح و بعض المنافسات السياسية بين القادة. بعض وحدات الهاجاناه لم تكن تهتم باﻹستطلاع كثيراً و تم مفاجأتها بتحركات أردنية كان من السهل اكتشافها. المواقع اﻷردنية في السامرة كان من السهل الدفاع عنها. كذلك كان أمام اﻹسرائيليين مواجهة 5 دول عربية مما منعهم من تركيز كل قوتهم على الجانب اﻷردني. 

و رغم كل هذه الميزات، نجحت القوات اﻷردنية فقط في جر الحرب مع إسرائيل للتعادل. نجح اﻷردنيون باستمرار في الدفاع من مواقع محصنة. مع التذكر بأن معظم الهجومات اﻹسرائيلية تمت بشكل تعرض مباشر. و رغم النجاح الدفاعي، عانت الهجومات اﻷردنية من فشل بدورها، و اقتصرت النجاحات على الحي اليهودي، مستوطنة عتصيوني و الشيخ جرّاح في أسابيع الحرب اﻷولى و كانت مكاسب قليلة ضد قوات صغيرة. أما الهجوم عل النوتردام و بوابة مانديلبام فلم يصادف النجاح. 

و عامل أخر يضاف لهذا التميز، وهو الضباط البريطانيون. و هناك إجماع بين الخبراء في الجيش اﻷردني على هذه النقطة (يذكر المؤلف العميد الباكستاني الإدروس El-Edroos و العقيد دوباي Dupay) اللذان يشدّدان على ان الفعالية العسكرية اﻷردنية مصدرها سنوات من التدريب و العقيدة اﻹنجليزية. 

و يوافق المؤلف هذا التقييم. حيث يمكن نسبة معظم النجاحات و معظم العمليات العسكرية  لصغار الضباط الذين كانوا في غالبيتهم من اﻹنجليز مع بعض اﻷردنيين من أصحاب الخدمة الطويلة في الجيش تحت التدريب البريطاني. الهجومات المضادة الشرسة، المناورات في ساحة العمليات، المرونة في العمليات العسكرية و استغلال الفرص السانحة تم تنفيذها على هذا المستوى. و كذلك المستوى المرتفع للعسكر و الجنود (مثل دقة التصويب) يشير إلى سلامة التصور البريطاني حول حصر الخدمة في نوعية جيدة من الجنود من أصحاب سنوات التدريب العالية. و كذلك اﻹتجاه اﻹستراتيجي السليم للحرب كان من تخطيط الضباط اﻹنجليز أيضاً. 

و نرد على هذا الكلام بالموافقة على المقدرة التكتيكية للجيش العربي. لكن هناك اغفال تام للجانب الإستراتيجي لتلك الحرب والقصور فيه. حيث تشير المعطيات إلى أن الملك و بريطانيا كانوا غير راغبين بأي قتال خارج اﻷراضي المعطاة في التقسيم و بل أن الضباط البريطانيون في الجيش تعمّدوا احباط أي هجوم مهما كانت قيمته العسكرية خارج هذا الخط العام عن طريق تعطيل الإسناد المدفعي الثقيل لو طلب. أو حتى رفض أي اشتباك مع الصهاينة مهما تحرشوا بقواتهم. و هذا ما أكد عليه عبد الله التل في كتابه (كارثة فلسطين). و هو كان قائداً لمعركة القدس و رغم تركيز الكاتب على الجانب التقني من المعارك، إلى أن اغفاله خطايا اﻹنجليز و أخطاؤهم ليس مبرراً على اﻹطلاق وكان من الواجب دراسة أثره أو اﻹشارة له عند ذكر ان الجيش اﻷردني - المقتدر وقتها - لم يحقق نجاحا يوازي قدراته العملية و النظرية. 

Sunday, March 17, 2013

Excerpts from "The Tin Drum", Gunter Grass

This is surely a difficult read. Not sure if it was due to the translation (which emphasized on trying to capture the literal meaning and sense of the prose, rather than the fluidity of the reading experience), or to the nature of Mr. Grass' prose. The pace picks up every now and then but there are times where it dictates a slower speed while going over paragraphs that cover full pages, chopped into adjectives. It seems to me that the Tin Drum is not about a story, but rather about an experience. Few hints here and there about a value or judgement of any sort (all about too easy about a topic such as Nazi Germany right after the war), but it is embedded in deep art and craftsmanship. This makes it sit comfortably in modern era literature that captures a scene from a society without the audacity of judging it. Oskar, his family, and his nation. All ridden with disasters yet he hardly seem to be moved with any of them. The material gain was never a question and he shows some brilliant ability to "move on" except where it comes to nurses and their white dresses. A reason to raise this work above the level of the ground we walk on, to keep you gazing at it's people for a beauty value.

"You can start a story in the middle, then strike out boldly backward and forward to create confusion. You can be modern, delete all references to time and distance, and then proclaim or let someone else proclaim that at the eleventh hour you've finally solved the space-time problem. Or you can start by declaring that novels can no longer be written, and then, behind your own back as it were, produce a mighty blockbuster that establishes you as the last of the great novelists. I've also been told it makes a good impression to begin modestly by asserting that novels no longer have heroes because individuals have ceased to exist, that individualism is a thing of the past, that all human beings are lonely, all equally lonely, with no claim to individual loneliness, that they all form some nameless mass devoid of heroes. All that may be true. But as far as I and my keeper Bruno are concerned, I beg to state that we are both heroes, quite different heroes, he behind his peephole, I in front of it; and that when he opens the door, the two of us, for all our friendship and loneliness, are still far from being some nameless mass devoid of heroes." P:5

"Little people and big people, Little Dipper and Big Dipper, little and big ABCs, Little Hans and Karl the great, David and Goliath, Hop-o'-My-Thumb and the Giant; I remained the three-year-old, the gnome, Tom Thumb, stayed the half-pint that's never topped up, all to bypass distinctions like big and little catechisms, to flee the clutches of a man who, while shaving at the mirror, called himself my father, to avoid, as a so-called grownup of five foot eight, being bound to a business, a grocery store that Matzerath hoped would become the grown-up world for Oskar at twenty-one. So as not to have to rattle a cash register, I stuck to my drum and didn't grow a finger's breadth from my third birthday on, remained the three-year-old, who, three times as smart, was towered over by grownups, yet stood head and shoulders above them all, who felt no need to measure his shadow against theirs, who was inwardly and outwardly fully mature while others driveled on about development well into their dotage, who merely confirmed for himself what other learned with difficulty and other painfully, who felt no need to increase his shoe and trouser size from year to year just to prove he was growing.

And yet - and here Oskar too must admit to development - something was growing, and not always to my own advantage, ultimately taking on messianic proportions; but what grownup in my day had eyes and ears for Oskar, the eternally three-year-old drummer?" P:48-49

"Even in the entrance hall that school smell, described often enough, and more intimate than any known perfume in the world. On the flagstones of the hall stood four or five randomly placed granite basins out of whose depths water bubbled up simultaneously. With children, including some of my own age, crowding about them, they reminded me of my uncle Vinzent's sow in Bissau, who sometimes flung herself on her side an endured the similarly brutal and thirsty assault of her piglets.

The boys bent over the steadily collapsing towers of water in the basins, let their hair fall forward, and allowed the streams of water to poke about in their open mouths. I don't know if they were playing or drinking. Sometimes two boys would straighten up almost simultaneously with inflated cheeks and spray each other loudly in the face with mouth-warmed water, mixed you may be sure, with saliva and breadcrumbs. For my own part, upon entering the hall I had thoughtlessly cast a glance into the adjoining open gymnasium on the left, and, having spotted the leather pommel horse, the climbing poles and climbing rope, the terrifying horizontal bar, crying out as always for a giant swing, felt a very real thirst I couldn't suppress, and would gladly have taken a drink of water like all the other boys. But I  found it impossible to ask Mama, who was holding me by the hand, to lift Oskar, the toddler, over such a basin. Even if I stood on my drum, the fountain would remain out of reach. When, however, with a little jump I took a quick look over the edge of one of these basins and saw the greasy breadcrumbs nearly blocking the drain, and the nasty swill left standing in the bowl, the thirst I had stored up in my mind, and in my body as well, left me, as I wandered aimlessly past equipment in the desert wastes of the gymnasium." P:65

"FOR A LONG TIME, till November of thirty-eight to be exact, crouching under grandstands with my drum, with greater or lesser success I broke up rallies, reduced speakers to stutters, and turned marches and hymns to waltzes and foxtrots.

Today, as a private patient in a mental institution, when all that's past history, still being eagerly forged but from cold iron, I've achieved a proper distance from my drumming under grandstands. It would never occur to me to see myself as a member of the Resistance on the basis of six or seven disrupted rallies, three or four assemblies and parade marches drummed off stride. The term is quite fashionable these days. You hear of the spirit of Resistance, of Resistance circles. There's even talk of internal resistance, what's now called Inner Emigration. To say nothing of those honorable men so well versed in the scriptures who were fined by a growling air-raid warden for having failed to black out their bedroom windows and now call themselves Resistance fighters, men of the Resistance. " P:111

"My grandmother had Schwerdtfeger hove a hot brick under her four skirts every hour on the dot. Schwerdtfeger did this with an iron slide. He pushed a steaming packet under her scarcely raised skirts, dumped it, lifted the other one, then Schwerdtfeger's iron slid would reappear from beneath my grandmother's skirts with a nearly cold brick.

How I envied those bricks wrapped in newspaper, storing and bestowing their heat. To this day I wish I could lie like a toasty warm brick constantly being exchanged for myself under my grandmother's skirts. And just what, you may ask, is Oskar looking for under his grandmother's skirts? Does he wish to imitate his grandfather Koljiaczek and take liberties with the old woman? Does he seek oblivion, a home, the ultimate Nirvana?

Oskar replies: I was looking for Africa under her skirts, Naples perhaps, which everyone knows you must see before dying. Where all rivers converged, where all waters divided, where special winds blew, yet calm would descend, where the rains pounded down and yet you were dry, where ships made fast or weighed anchor at last, where the good Lord, who always liked warmth, sat by Oskar, where the devil dusted his spyglass, where angels played blind-man's buff; it was always summer under my grandmother's skirts, as the Christmas tree glowed, as I hunted for Easter eggs or marked every All Saint's day. Nowhere could I live more at peace with the calendar than under my grandmother's skirts." P:113

"IMAGINE, IF YOU PLEASE, a swimming pool tiled in azure blue, and in that pool, feeling suntanned and athletic, people swimming. At the edge of the pool men and women recline outside the bathing cabins. Some music from a loudspeaker perhaps, playing softly. Healthy boredom, an easygoing, casual eroticism that tautens the swimsuits. The tiles are smooth, but no one slips. A few signs with rules; but these too are unnecessary, for those who swim have come for just an hour or two and break the rules elsewhere. Now and then someone dives from the three-meter board but does not merit the attention of those swimming or tempt those lying to poolside to look up from their magazines. Suddenly a breeze. No, not a breeze. A young man, slowly, resolutely climbing the ladder of the ten-meter tower, rung by rung. The magazines with commentaries from Europe and abroad droop, eyes rise with him, bodies at rest now stretch, a young woman shades her eyes, someone loses his train of thought, a word remain unspoken, a minor flirtation, barely begun, comes to a sudden end in mid-sentence - for now he stands on the platform, well built, virile, takes a little hop, leans against the gently curving tabular steel railing, gazes down as if bored, casts off from the rail with an elegant thrust of the hips, ventures out upon the diving board towering high above, which dips at each step, looks down, has gaze tapering to an azure, startling small pool below in which red, yellow, green, white, red, yellow green, white, red, yellow bathing caps constantly rearranging themselves. His friends must be setting there, Doris and Erika Schuler, Jutta waves too. Careful not to lose his balance, he waves back. They call out. What do they want? Do it, they call out, dive, cries Jutta. But he wasn't planning on that at all, just wanted to see what it looked from up there and then climb back, slowly, rung by rung. And now they're shouting to him, so that everyone can hear, shouting loudly: Jump! Go on! Jump!

You have to admit that's a hell of a situation, no matter how close the diving board is to heaven. The Dusters and I found ourselves in a similar situation, though it wasn't the season for swimming, in January of forty-five. We had ventured high above, were now jostling about on the diving board, while below us, forming a solemn horseshoe around an empty pool, sat judges, associates, witnesses, and bailiffs." P:364-365

"I still contradict my keeper Bruno, who flatly maintains that only men can be proper nurses, the patient's addiction to female nurses being simply one more symptom of the disease; while the male nurse conscientiously cares for the patient and sometimes cures him, the female nurse follows the feminine path: she seduces the patient toward recovery or toward death, which she imbues with a tinge of eroticism that renders it palatable.

Thus says my keeper Bruno, whose view i am reluctant to support. Whoever needs to have his life reconfirmed by hospital nurses every other year or so, as I do, maintains his gratitude, and is not so quick to allow a grumpy if likable keeper filled with professional envy to alienate him from his Sisters" P:461

"Today I can smile when I recall the thought that then turned Oskar as yellow and mad as the wallpaper: I decided to study medicine and graduate as quickly as possible. I would become a doctor, as St. Mary's Hospital of course. I would drive Dr. Werner out, expose him, reveal his incompetence, even accuse him of manslaughter for botching a larynx operation. It would transpire that Herr Werner never went to medical school. He'd served in a field hospital during the war and picked up a thing or two: away with the charlatan! And Oskar becomes head surgeon, so young and yet such a responsible position. A new Sauerbruch strides through the echoing corridors with Sister Dorothea, his surgical assistant, at his side, surrounded by a retinue clad in white, visiting patients, making a last-minute decision to operate. How fortunate that film was never made." P:464-465

Finally I would like to conclude with what Salman Rushdie wrote about the novel, which I found at the end cover of this 50th anniversary translation by Breon Mitchell:
"This is what Grass's great novel said to me in its drumbeats: Go for broke. Always try and do too much. Dispense with safety nets. Take a deep breath before you begin talking. Aim for the stars. Keep grinning. Be ruthless. Argue with the world. And never forget that writing is as close as we get to keeping a hold on the thousand and one things - childhood, certainties, cities, doubts, dreams, instants, phrases, parents, loves - that go on slipping, like sand, through our fingers. I have tried to learn the lessons of the midget drummer."

Wednesday, November 7, 2012

The Charge of the Light Brigade - by Alfred Tennyson.

Half a league, half a league,
Half a league onward,
All in the valley of Death
Rode the six hundred.
"Forward the Light Brigade!
Charge for the guns!" he said.
Into the valley of Death
Rode the six hundred.

Forward, the Light Brigade!"
Was there a man dismay'd?
Not tho' the soldier knew
Some one had blunder'd.
Theirs not to make reply,
Theirs not to reason why,
Theirs but to do and die.
Into the valley of Death
Rode the six hundred.

Cannon to right of them,
Cannon to left of them,
Cannon in front of them
Volley'd and thunder'd;
Storm'd at with shot and shell,
Boldly they rode and well,
Into the jaws of Death,
Into the mouth of hell
Rode the six hundred.

Flash'd all their sabres bare,
Flash'd as they turn'd in air
Sabring the gunners there,
Charging an army, while
All the world wonder'd.
Plunged in the battery-smoke
Right thro' the line they broke;
Cossack and Russian
Reel'd from the sabre-stroke
Shatter'd and sunder'd.
Then they rode back, but not,
Not the six hundred.

Cannon to right of them,
Cannon to left of them,
Cannon behind them
Volley'd and thunder'd;
Storm'd at with shot and shell,
While horse and hero fell,
They that had fought so well
Came thro' the jaws of Death,
Back from the mouth of hell,
All that was left of them,
Left of six hundred.

When can their glory fade?
O the wild charge they made!
All the world wonder'd.
Honor the charge they made!
Honor the Light Brigade,
Noble six hundred!

Tuesday, June 19, 2012

The Parable of the Old Man and the Young, by Wilfred Owen

So Abram rose, and clave the wood, and went,
And took the fire with him, and a knife.
And as they sojourned both of them together,
Isaac the first-born spake and said, My Father,
Behold the preparations, fire and iron,
But where the lamb for this burnt-offering?
Then Abram bound the youth with belts and straps,
and builded parapets and trenches there,
And stretchèd forth the knife to slay his son.
When lo! an angel called him out of heaven,
Saying, Lay not thy hand upon the lad,
Neither do anything to him. Behold,
A ram, caught in a thicket by its horns;
Offer the Ram of Pride instead of him.

But the old man would not so, but slew his son,
And half the seed of Europe, one by one.

Saturday, June 16, 2012

المصريون يصوتون لاختيار رئيس مخلوع - عزت قمحاوي القدس العربي

سواء فاز مرشح العسكر أو مرشح الإخوان؛ فالاقتراع الذي يجري اليوم سيسفر عن اختيار أول رئيس مخلوع بعد ثورة 25 يناير ليصبح ثالث مخلوع في تاريخ الجمهورية المصرية بعد محمد نجيب العسكري الجانح إلى الديمقراطية الذي خلعه العسكر ومبارك الذي خلعه الشعب
لابد أن العسكر فرحون اليوم بوصف الانقلاب الذي أطلقه مراقبون أجانب، على اعتبار أن اختيار الرئيس هو الخطوة المتممة لخمسة عشر شهرًا من التآمر، لكن الرئيس سيولد فاقد الشرعية. وسوف يتعلمون من السياسة ما فاتهم أن يعرفوه أثناء خدمتهم العسكرية الهادئة والهنية؛ حيث لا يعني كسب معركة بالضرورة النصر في الحرب.
كان واضحًا أنهم يعدون المسرح من أجل تصفية الثورة ابتداء من التنحي الشكلي لمبارك وانتهاء باقتراع اليوم. و خلال خمسة عشر شهرًا عملوا بدأب لاستعادة الحكم الوراثي لصالح عائلة العسكر، بعد أن أطاحت له ثورة الشباب بمشروع التوريث في عائلة مبارك الطبيعية، المشروع الذي صمت عليه العسكر أنفسهم سنوات طوال.
ولم يتمكن العسكر من الوصول إلى نجاحهم المتوهم اليوم بلؤمهم وحده، بل بدعم أكيد من حماقة ما يسمى بالنخبة السياسية التي توكلت عن الثوار وفاقت غفلتها غفلة أبي موسى الأشعري في محنة التحكيم بين علي ومعاوية.
والأهم من ذلك أن العسكر لم ينجحوا إلا بشراكة أصيلة مع جماعة الإخوان المسلمين، شراكة متواصلة حتى اليوم، وفاء من الجماعة لتاريخها المؤسف إذ رضيت دائمًا بدور القفاز الذي تخنق به السلطة الديمقراطية ثم تلقي به في أقرب مقلب قمامة.
حتى أمس الجمعة رفض مرشح الإخوان الانسحاب من المواجهة مع مرشح الجيش بدعاوى شعبوية تافهة مثل 'إن الانسحاب ليس من شيم الرجال' وكأنه في معركة قتال بالسيف الأبيض البتار ولا يريد أن ينسحب!
هذه العبارة وحدها تكفي للدلالة على التظليل السياسي الذي تمارسه جماعة خبيرة في اقتصاد البقالة وتنقل أسلوب الربح يومًا بيوم من الاقتصاد إلى السياسة.
تضع الجماعة قدمًا مع الثوار وأخرى مع العسكر: انضمام متأخر إلى الثورة، جفاء للثورة واصطفاف مع العسكر لتمرير إعلان دستوري معيب، الفرح بالسيطرة على مجلس شعب غير دستوري، إنكار دم الشهداء الذين قتلهم العسكر بعد الثورة، ثم محاولة العودة إلى صفوف الثورة في أزمات المهارشة بينهم وبين العسكر عندما تنقلب جدًا في مناسبات مختلفة.
واليوم تدعي الجماعة الاحتكام إلى الصناديق قفزًا على كل ألاعيب التزوير والالتفاف قبل يوم التصويت، بل ويقول مرشحهم إن المليونيات يجب أن تتوجه السبت والأحد إلى لجان الانتخاب، لاستعادة الثورة.
الإخوان الآن صاروا الثورة، وبكل وضوح يعلنون هدفهم من المنافسة: إما وصول مرشحهم للحكم أو الوعد بثورة شاملة إن لم يفز!
لا يمكن أن تعرف السياسة انتهازية على هذا القدر من الغباء، ومن العدل أن نقول إن حماقة حماقة المرشحين الآخرين أكملت المهزلة. وحده البرادعي لم يخذل الثورة، فهو تعرض لاحتمالات الموت يوم 28 يناير ولا يريد أن تذهب التضحيات عبثًا. أعلن رفضه اللعب على أساس قواعد ظالمة وانسحب. ولنا أن نتصور المسار الذي كان من الممكن أن تتخذه الثورة المصرية لو امتنعت كل القوى الثورية عن الترشيح.
وقد فعلها المصريون عام 1919 إبان نفي سعد زغلول، حيث لم يجد الإنكليز من يقبل منصب رئيس الوزراء باستثناء وزير المالية القبطي يوسف وهبة، وحينها تصدى لمحاولة اغتياله عريان يوسف سعد، وكان طالبًا في كلية الطب وأراد أن يحمي البلاد من تحول الاغتيال السياسي إلى فتنة طائفية.
ونجحت نخبة مصر في لي ذراع الاستعمار الإنكليزي القوي، بينما فشلت النخبة الحالية في الوقوف بوجه الاستعمار المحلي الذي يفرضه حفنة من ضباط طاعنين في السن.
حتى عندما قبل ممثلو الثورة القواعد الظالمة ترشحوا بكثرة فتتت الأصوات، وأثبتوا أن القديم فاسد كله، وأن الحماقة ليست أفضل كثيرًا من اللؤم. مع ذلك لسنا في نهاية الطريق، ولم تسرق الثورة كما تقول الكثرة الكاثرة من المراقبين اليوم، ولكننا بلغة الدراما وصلنا إلى العقدة أو الذروة التي تعقبها حلقات أخرى تقدم الحل.
أقصى ما نجح فيه المتآمرون والحمقى هو إعادة الأوضاع إلى حدود 24 يناير. ولم تكن الأمور هادئة يوم 24 يناير، ومن أزاحوا رأس كومة الروث يوم 25 يناير يستطيعون إزالة البقية عقب نتيجة الانتخابات الصورية، بشرط العمل بطريقة جديدة.
كانت الخمسة عشر شهرًا ورشة سياسية كافية لإنضاج شباب الثورة، وصار واضحًا أن أمثال الشعب لا تكذب، وذيول الكلاب لا تستقيم.
لن يتنازل القديم الحاكم عن لؤمه ولن يتنازل القديم المعارض عن حماقاته، ويجب على تنظيمات شباب الثورة أن تلتقي بسرعة وتتفق على نظام بديل يضعه الثوار: دستور جديد مواز لما سيجري إعداده، خطة نهضة شاملة قائمة على دراسات مفصلة يمكن أن تقنع الكتلة الكبيرة المترددة بتبنيها.
باختصار، آن الآوان أن يمد الشباب قدمًا خارج الميدان؛ فخلال الخمسة عشر شهرًا استطاعت ميادين الاحتجاج في القاهرة وعواصم المحافظات النشطة أن تضغط على القديم وتجبره على بعض التنازلات، لكن سريعا ما يلتف يلتف القديم ليأخذ في خطوة تالية ما أعطاه في الخطوة السابقة، واستراح سراقي السلطة إلى حبس الشباب في الميدان وتحجيم دوره بهذا الشكل.
وهذه بوضوح ليست دعوة لوقف المليونيات، بل للتقدم إلى الخطوة الصحيحة التي لم تأخذها الثورة بعد ومغادرة موقع رد الفعل؛ فالثوار يثورون لكي يحكموا بأنفسهم، لا بتوكيل غيرهم. وكل واحد من المصطفين في الميدان يفهم في الاقتصاد وفي السياسة أكثر مما يفهم كل من وكلتهم الثورة من قدامى الأشرار والحمقى، بمن فيهم الرئيس الجديد المخلوع

Monday, May 14, 2012

Aftermath, by Siegfried Sassoon

HAVE you forgotten yet?...
For the world's events have rumbled on since those gagged days,
Like traffic checked while at the crossing of city-ways:
And the haunted gap in your mind has filled with thoughts that flow
Like clouds in the lit heaven of life; and you're a man reprieved to go,
Taking your peaceful share of Time, with joy to spare.
But the past is just the same--and War's a bloody game...
Have you forgotten yet?...
Look down, and swear by the slain of the War that you'll never forget.

Do you remember the dark months you held the sector at Mametz--
The nights you watched and wired and dug and piled sandbags on parapets?
Do you remember the rats; and the stench
Of corpses rotting in front of the front-line trench--
And dawn coming, dirty-white, and chill with a hopeless rain?
Do you ever stop and ask, 'Is it all going to happen again?'

Do you remember that hour of din before the attack--
And the anger, the blind compassion that seized and shook you then
As you peered at the doomed and haggard faces of your men?
Do you remember the stretcher-cases lurching back
With dying eyes and lolling heads--those ashen-grey
Masks of the lads who once were keen and kind and gay?

Have you forgotten yet?...
Look up, and swear by the green of the spring that you'll never forget.